القوافل الطبية بفاس.. “صحة المواطن” وقود للحملات الانتخابية المبكرة! و إقحام للسلطات المحلية

تحت غطاء “صحتك أولويتنا”، وفي مشهد متكرر ومثير للجدل يلامس حدود الاستغلال السياسي، تحولت القوافل الطبية التي تنظمها بعض الجمعيات في فاس، مثل تلك التي أقيمت يوم الجمعة 12 دجنبر 2025 بـ المركز الصحي صهريج كناوة بمقاطعة جنان الورد، إلى منصة مفضوحة ومبكرة للحملات الانتخابية، بوجود وحضور “وازن” لبرلمانيين ومنتخبين محليين.
صحة المواطن أم صوت الناخب؟ التمويه السياسي والتدخل السافر!
فقد أعلنت جمعية موالية للمنتخبين تقف وراءها عضوة بمجلس جهة فاس مكناس ، بشراكة مع جمعية الأمل لمرضى السكري بالمغرب، عن تنظيم قافلة طبية “متعددة التخصصات” بالتعاون مع المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية والمندوبية الإقليمية للصحة بفاس. وهنا يطرح السؤال الأبرز:
هل وزارة الصحة بحاجة إلى “تعاون” للقيام بواجبها؟ إذا كانت المديرية الجهوية والمندوبية الإقليمية للصحة تشاركان في التنظيم والتعاون، فلماذا لا تقدم هذه الخدمات بشكل دائم ومستمر داخل مستشفياتها ومراكزها الصحية التي باتت تبدو وكأنها “مغلقة ومشـلولة” أو غير قادرة على تقديم أبسط الخدمات الطبية بالجهة؟ هل تحول دور الوزارة من تقديم الرعاية إلى توفير “شرعية” الغطاء المؤسساتي لجمعيات تخدم أجندة سياسية؟
أين دور المستشفيات الحكومية؟ هل الوصول إلى طبيب قلب أو عيون أو أخصائي سكري أصبح حكراً على “قافلة” تنظمها جمعيات ذات “روابط سياسية” واضحة بدلاً من كونه حقاً مكفولاً في المؤسسات الصحية العمومية؟
تمويل الحملات: من أين لك هذا؟ من يمول هذه القوافل الطبية “المجانية”؟ من يوفر الأدوية، والمواد البيوطبية، وأجور الأطباء والأخصائيين الذين يشاركون في هذه المبادرات؟ تثير هذه التساؤلات شكوكاً قوية حول مصادر التمويل، وهل هي فعلاً تبرعات “محضة”، أم أنها تأتي من جيوب مرشحين محتملين أو منتخبين حاليين يسعون لـ “شراء” الذمم والأصوات بجرعات من الدواء والاهتمام المؤقت؟
البرلمانيون في الصفوف الأمامية: استغلال الفئات الهشة!
البيان الترويجي للقافلة يعرج في فقرته الختامية على تقديم الشكر والامتنان، وفي خضم الشكر للسلطات المحلية التي بات يتم إقحامها في كل الأنشطة ذات طابع سياسي وهو ما يجب على ولاية الجهة ترك مسافة بعيدة بينها و بين الجمعيات ذات خلفية سياسية و حزبية ،و يبرز أسماء سياسية بشكل لافت:
النائب البرلماني عن الدائرة الجنوبية.
عضو مجلس جهة فاس مكناس وعضو جمعية الفضاء الأزرق.
نائب رئيسة مقاطعة جنان الورد.
إن حضور نائب برلماني وعضو مجلس جهة ونائب رئيس مقاطعة في نشاط خيري وطبي، خاصة وسط الأطفال والنساء والفئات الهشة التي تبحث عن الرعاية الصحية، ليس بريئاً على الإطلاق. إنه انقضاض انتخابي سافر على بؤس المواطنين وحاجتهم. يتحول المواطن المريض إلى مجرد “رقم انتخابي” يتم استمالته تحت ضوء فحص طبي أو وصفة دواء.
أين السلطات؟ ومن يوقف الفوضى؟
السؤال الموجه للسلطات المحلية هو: هل أصبح المركز الصحي العمومي ساحة مفتوحة للحملات الانتخابية تحت غطاء العمل الجمعوي؟ لماذا يُسمح للمنتخبين باستغلال الفضاءات والموارد العمومية (المركز الصحي، تعاون وزارة الصحة) تنسيق مع السلطات لتنظيم أنشطة تخدم مصالحهم الحزبية والشخصية؟ هذا السكوت من السلطات المحلية يشكل تواطؤاً غير مباشر في تحويل العمل الخيري إلى رشاوي سياسية مقنعة.
إن هذه القوافل، و الخدمات الرديءة التي تقدمها، ما هي إلا دليل قاطع على فشل السياسات الصحية العمومية في تحقيق تغطية شاملة وعادلة، ونموذج صارخ لـ “خوصصة” الخدمات الصحية عبر الأجندات الحزبية. فبدلاً من أن يحارب هؤلاء المنتخبون فشل النظام الصحي من داخل قبة البرلمان أو المجالس المنتخبة، نجدهم يستغلون هذا الفشل كـ “مادة أولية” لحملاتهم الانتخابية القادمة.






