شبهات توظيف المال العام لخدمة المصالح الخاصة تضع تدبير الجماعات تحت المجهر.. والمطلوب تسريع التحقيقات وربط المسؤولية بالمحاسبة

عادت ملفات تدبير الشأن المحلي إلى واجهة النقاش العمومي من جديد، بعدما كشفت معطيات متداولة عن تحرك مصالح وزارة الداخلية للتدقيق في عدد من المشاريع والصفقات الجماعية التي تحوم حولها شبهات توجيه الاستثمارات العمومية لخدمة مصالح عقارية خاصة، بدل الاستجابة لأولويات التنمية وحاجيات الساكنة.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى وجود شبهات مرتبطة بتوجيه بعض المشاريع المتعلقة بتهيئة الطرق والمسالك، وتقوية شبكات الماء والكهرباء، وإنجاز مرافق وتجهيزات عمومية نحو مناطق بعينها، في ظروف تثير تساؤلات حول مدى احترام معايير الإنصاف والشفافية والحياد في برمجة المشاريع العمومية.
وتكمن خطورة هذه الشبهات في كونها لا ترتبط فقط بطريقة تدبير بعض الصفقات أو المشاريع، بل تمس جوهر الثقة التي يفترض أن تربط المواطن بالمؤسسات المنتخبة، خصوصا عندما تثار تساؤلات حول إمكانية استغلال النفوذ أو الموقع التمثيلي لتحقيق مكاسب عقارية وتجارية خاصة على حساب المصلحة العامة.
المال العام ليس أداة للاستثمار الشخصي
إن الفلسفة التي تقوم عليها الجماعات الترابية ترتكز أساسا على تحقيق التنمية المحلية وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية وتحسين ظروف عيش المواطنين، وليس تحويل المشاريع العمومية إلى آليات لرفع القيمة التجارية لعقارات أو أراض خاصة.
فحين يتم توجيه طريق أو شبكة ربط أو مشروع بنية تحتية نحو منطقة دون أخرى خارج منطق الأولويات التنموية الحقيقية، فإن الأمر لا يتعلق فقط باختلال إداري أو تقني، بل يطرح إشكالية أخلاقية ومؤسساتية تمس مبادئ الحكامة الجيدة وتكافؤ الفرص بين مختلف المناطق والسكان.
وتزداد حساسية هذه الملفات عندما تتقاطع المصالح الاقتصادية الخاصة مع القرار العمومي، لأن أي شبهة استغلال للنفوذ من أجل تحقيق أرباح عقارية أو انتخابية تمثل مساسا مباشرا بمبدأ تدبير الشأن العام وفق قواعد النزاهة والشفافية.
ربط المسؤولية بالمحاسبة
اليوم، لا ينتظر الرأي العام مجرد فتح تحقيقات أو إنجاز تقارير إدارية إضافية، بل يتطلع إلى إجراءات عملية وسريعة تكشف الحقيقة كاملة للرأي العام.
فإذا أثبتت الأبحاث وجود اختلالات أو تجاوزات أو استغلال للمال العام من أجل تحقيق مصالح خاصة، فإن منطق دولة المؤسسات والقانون يقتضي ترتيب الجزاءات القانونية والإدارية اللازمة دون تردد أو انتقائية، مع تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي يشكل أحد المرتكزات الأساسية للحكامة العمومية.
كما أن أي تأخر في حسم هذه الملفات من شأنه أن يغذي مشاعر فقدان الثقة لدى المواطنين ويمنح الانطباع بأن بعض مظاهر تضارب المصالح ما تزال قادرة على الإفلات من المساءلة.
تحديات كبرى تتطلب تخليق الحياة العامة
وتأتي هذه المعطيات في مرحلة دقيقة تتطلب تعبئة وطنية واسعة من أجل تعزيز النزاهة والشفافية في تدبير المال العام، خاصة في ظل الأوراش التنموية الكبرى التي تشهدها المملكة والاستعدادات المتواصلة لاستحقاقات دولية واقتصادية ورياضية مهمة خلال السنوات المقبلة.
فالمغرب الذي يراهن على تعزيز جاذبيته الاستثمارية وترسيخ موقعه كقطب إقليمي للتنمية، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى مؤسسات قوية، وإدارة فعالة، ومنتخبين يضعون المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
كما أن تخليق الحياة العامة لم يعد مجرد شعار سياسي أو مطلب حقوقي، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان نجاعة الاستثمار العمومي وتحقيق العدالة المجالية وصيانة ثقة المواطنين في المؤسسات.
لا أحد فوق القانون
إن الرسالة التي ينتظرها المواطنون اليوم واضحة وبسيطة: لا أحد فوق القانون، مهما كان موقعه أو نفوذه أو صفته الانتخابية.
ولهذا فإن تسريع وتيرة التحقيقات والتدقيقات الجارية، والكشف عن نتائجها بكل شفافية، واتخاذ الإجراءات الزجرية اللازمة في حق كل من يثبت تورطه في استغلال المال العام أو توجيه المشاريع العمومية لخدمة مصالح خاصة، يشكل المدخل الحقيقي لترسيخ دولة الحق والقانون وحماية الموارد العمومية من كل أشكال التوظيف غير المشروع.
فالمواطن لا يطالب سوى بأمر واحد: أن تذهب الطرقات والمشاريع والتجهيزات العمومية إلى حيث توجد حاجيات التنمية الحقيقية، لا إلى حيث توجد المصالح الخاصة والحسابات الضيقة.






