
بينما يلتقط رئيس جماعة فاس، عبد السلام البقالي، صوره التذكارية إلى جانب عمال النظافة في جولاته الموسمية، تغرق العاصمة العلمية في أزمة من نوع مختلف: “غزو” الكلاب الضالة لأزقتها وشوارعها ومدارات أحيائها. من المدينة العتيقة إلى التجزئات السكنية الحديثة، باتت عشرات الكلاب تجوب بحرية، تستلقي على الأرصفة وتقترب من الأسواق والمطاعم، في مشهد أصبح يومياً ومرعباً في آن واحد.
“جثث حية” في الشوارع.. وساكنة تحت الحصار
لم تعد مأساة الكلاب الضالة مجرد ملف صحي عابر، بل تحولت إلى قنبلة موقوتة تنذر بانفجار أخلاقي وأمني خطير. فخلال الفترة من بداية 2025 إلى غاية 3 مارس 2026، توصلت المحكمة الإدارية بفاس بـ 34 دعوى قضائية تقدم بها ضحايا عضات الكلاب الضالة، وهو رقم يعكس تنامياً مقلقاً للظاهرة وتقاعساً مريباً عن معالجتها.
لكن الأدهى من الأرقام هو ما كشفته حقائق ميدانية: فقد سُجلت حالة وفاة لطفل بإقليم تازة وإصابة طفلة بفاس بجروح خطيرة، بينما تعرض خمسة أشخاص للعض أثناء خروجهم من مسجد بأم القرى بعد صلاة العشاء. هذه الحوادث لم تعد استثناءً، بل أصبحت “روتيناً” يومياً يهدد سلامة المواطنين والسياح على حد سواء، حيث تعرض سائح بريطاني مؤخراً لعضة خطيرة، مما اضطر السلطات المحلية إلى شن حملة واسعة جمعت قرابة 100 كلب ضال من أحياء متفرقة.
الميزانية الضائعة.. 100 مليون و”جمعية بفرنسا”!
في مشهد يعكس حالة “العبث” التي وصل إليها تدبير هذا الملف، تقدم أحد المستشارين الجماعين المعارضين، خلال دورة فبراير 2026، باتهامات صادمة كشف خلالها أن رئيسة جمعية “الرحمة” التي أبرم المجلس معها اتفاقية لرعاية الكلاب الضالة، لا تقيم في المغرب بل بفرنسا، وأن لها سابقة تورط في “السطو” على منحة من منظمة بريطانية غير حكومية بمبلغ يناهز 40 مليون سنتيم. والأكثر إثارة للاستغراب هو أن هذه الاتفاقية، التي خصصت لها ميزانية ضخمة بلغت 100 مليون سنتيم (مليون درهم) لمدة سنتين، صُودق عليها بالإجماع (35 عضواً مقابل امتناع واحد)، أي أن المجلس بكافة أطيافه، بما في ذلك المعارضة التي فضحت الاتفاقية، صادق على منح “مليون درهم” لجمعية رئيستها مقيمة بفرنسا ومتهمة بالنصب.
وما يزيد الطين بلة هو أن المجلس نفسه كان قد قرر، قبل أسابيع فقط، التوقف عن جمع الكلاب الضالة بعد انتقادات حادة لتجميعها في فضاء داخل المجزرة البلدية، فيما وصفتها مصادر بـ “أقفاص الموت”. هكذا، توقفت خدمة الجمع، وانطلقت صفقة المشبوهة، فيما ظل المواطنون فريسة للمخاطر.
“العمدة المزدحم”.. بين إغلاق الشوارع وسيلفي الأزبال
في مقابل هذا المستنقع، يبدو رئيس الجماعة، عبد السلام البقالي، منشغلاً بوهم إدارة المظهر على حساب الجوهر، فبينما تُغلق شوارع أمام حركة السير في إطار “تجميل” وهمي للمدينة، يتفنن البقالي في التقاط الصور التذكارية إلى جانب عمال النظافة و الأطفال، متناسياً أن المشكلة الأعمق والأخطر تكمن في كلاب قد تنهش طفلاً أو تفتك بسائح وتدمر سمعة مدينة بأكملها.
إن “مزرعة” الأوهام التي يعيش فيها العمدة ومجلسه لا تخفي حقيقة واحدة: هناك خلل بنيوي في طريقة تدبير المرفق العام. فبين “أقفاص الموت” للكلاب المجمعة، و”صفقة فرنسا” المثيرة للريبة، و”الميزانية الضائعة”، يبقى السؤال المطروح بقوة: من يحاسب هؤلاء؟ وأين هم من هموم الساكنة الحقيقية؟
ولاية الجهة… مطلوب تدخل عاجل قبل كارثة الصيف
مع اقتراب فصل الصيف، الذي تشهد خلاله فاس اكتظاظاً سياحياً كبيراً، تصبح الحاجة إلى تدخل عاجل من طرف ولاية جهة فاس مكناس أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالأزمة لم تعد محصورة في ملف الكلاب فقط، بل أصبحت تعكس أزمة ثقة متنامية في قدرة المجلس المنتخب على تدبير أبسط ملفات السلامة العامة.
إن المطلوب اليوم هو فتح تحقيق شامل وشفاف في ظروف صفقة 100 مليون سنتيم، وتفعيل آليات المراقبة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ووضع استراتيجية جديدة وجادة لجمع الكلاب الضالة، تقوم على تكليف جمعيات مهنية وفعالة قادرة على تقديم حلول واقعية ومستدامة (تعقيم، تطعيم، توفير ملاجئ)، وليس “جمعيات وهمية” مقرها باريس.
فاس، عاصمة العلوم والأديان، تستحق مجلساً يدرك أن “السيلفي” مع عمال النظافة لن يخفي حقيقة “الكلاب التي تنهش أطفالها”. لقد حان وقت الفعل، وإلا سيبقى ملف الكلاب الضالة وصمة عار في جبين من يتولى المسؤولية.






