من الجفاف إلى تضارب المعطيات واستفادة كبار المستوردين.. تفكيك أسباب أزمة أسعار الأضاحي وفتح “العلبة السوداء” لاستيراد المواشي بالمغرب

تجاوزت أزمة أسعار أضاحي عيد الأضحى لسنة 2026 حدود الظرفية المناخية المتعلقة بالجفاف وتوالي سنوات الإجهاد المائي، لتسقط “ورقة التوت” عن اختلالات هيكلية متراكمة تعتري القطاع الفلاحي بالمغرب. وبينما كان الشارع ينتظر أثراً ملموساً للمليارات التي صُبت في برامج الدعم، كشفت معطيات السوق الوطنية عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش، محولة المناسبة الدينية إلى عبء اقتصادي ثقيل أخرج شرائح واسعة من الطبقتين المتوسطة والفقيرة من القدرة على الاستهلاك.
اختراق “العلبة السوداء” لاستيراد المواشي واللحوم
لم تعد سياسة الدعم العمومي الموجه للاستيراد مجرد خطة حكومية فاشلة لخفّض الأسعار، بل تحولت إلى ما يشبه “العلبة السوداء” التي تدار خلف أبواب مغلقة بعيداً عن قواعد الشفافية والمنافسة الشريفة. فقد خصصت الحكومة دعماً مباشراً بقيمة 500 درهم عن كل رأس مستورد، إلى جانب إعفاءات ضريبية وجمركية استثنائية، لكن نتائج هذه السياسة أثارت علامات استفهام كبرى حول الجهات المستفيدة الحقيقية.
وتكشف قراءة تفاصيل هذه “العلبة السوداء” عن اختلالات خطيرة:
-
احتکار الكبار وتمركُز تراخيص الاستيراد: احتكرت أرقام الاستيراد الكبرى مجموعة محدودة من كبار الفاعلين والشركات النافذة في القطاع التجاري، مما حرم الشركات المتوسطة والصغيرة من الولوج للأسواق واقتسام كعكة الدعم.
-
غياب الشفافية وتضارب المصالح: غابت المعايير الواضحة في توزيع حصص الاستيراد (“الكوطا”)، وساد التكتم على اللوائح الاسمية للشركات المستفيدة والمبالغ الصافية التي تحصّلت عليها من الخزينة العامة.
-
تبديد الأموال العمومية بلا أثر: تحول الدعم المالي والإعفاء الجمركي إلى ريع اقتصادي مباشر يُضخ في حسابات كبار المستوردين، بينما استمرت الأغنام المستوردة واللحوم بالتحليق في أسعار خيالية داخل الأسواق، دون أن يستفيد المستهلك النهائي من أي تخفيض تُذكر نتائجه.
-
إعدام الكساب الصغير: بدلاً من استثمار المليارات في حماية الثروة الحيوانية الوطنية وتوفير الأعلاف بأسعار مدعمة للمربين المحليين، جرى توجيه العملة الصعبة والسيولة العمومية لإنعاش أسواق الماشية الخارجية على حساب الفلاح الصغير الذي يواجه الإفلاس.
ارتباك إحصائي وغياب الشفافية في تقدير القطيع
تتجلى ثانية مظاهر خلل الحكامة في تضارب البيانات والمعطيات الرسمية المتعلقة بحجم الثروة الحيوانية الوطنية. ففي الوقت الذي تتطلب فيه إدارة الأزمات بيانات دقيقة تسمح بضبط العرض والطلب وتوقّع تطورات الأسعار، تداولت التقارير والإفادات أرقاماً متضاربة تراوحت بين 32 مليونا و40 مليون رأس من الماشية.
هذا الفارق الشاسع في الأرقام أبان عن ضعف وهشاشة آليات الرصد والتتبع لدى المؤسسات والمديريات التابعة لوزارة الفلاحة، وعلى رأسها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA). انعكس هذا العجز الإحصائي مباشرة على نجاعة القرار العمومي، وأفقَد الشارع الثقة في البلاغات الرسمية التي لم تستطع تفسير خصاص السوق رغم الأرقام المعلن عنها.
قفزة استثنائية في الأسعار: سجلت الأسواق الوطنية مستويات غير مسبوقة خلال موسم 2026، حيث تراوح الحد الأدنى لشراء أضحية متوسطة أو صغيرة بين 2500 و3000 درهم، بزيادة شططية قُدرت بـ 700 إلى 1300 درهم مقارنة بموسم 2024، مما أجبر أعداداً هائلة من الأسر على العزوف الاضطراري.
تغول الوسطاء وتوارٍ لأجهزة الرقابة والمنافسة
إلى جانب الاختلال الحكومي في ملف الاستيراد، ظلت منظومة التسويق والتوزيع مرتهنة لسلسلة طويلة من الوسطاء والمضاربين، أو ما يُعرف بـ”الشناقة”. حيث أدى تعدد الحلقات التجارية بين المربي والمستهلك النهائي إلى تضاعف الثمن لمرات متتالية؛ يخرج رأس الماشية بسعر بخس من يد الكساب الأصلي ليُنقل عبر شبكات المضاربة ويُعرض في الأسواق بأسعار قياسية.
وأمام هذا الجشع التجاري، أبانت أجهزة الرقابة الميدانية ومؤسسات الحكامة عن محدودية صارخة:
-
رقابة شكلية: اقتصرت تدخلات اللجان الإقليمية على التفتيش الصحي والتنظيمي للأسواق، دون نفاذها إلى ميكانيزمات تحديد الأسعار أو ردع الممارسات الاحتكارية.
-
غياب المؤسسات الدستورية: سجل مجلس المنافسة توارياً غير مفهوم عن ذروة الأزمة، فلم يتدخل عبر آلياته الزجرية أو الاستكشافية لفتح “العلبة السوداء” للاستيراد وضبط سوق شابه التواطؤ والممارسات المخلة بقواعد المنافسة الشريفة.
الحاجة إلى “مساءلة شاملة” وإصلاح جذري لمنظومة الماشية
إن ما شهدته أسواق الماشية خلال سنة 2026 يُعد بمثابة جرس إنذار صريح يوجب إعادة النظر بالكامل في السياسات الفلاحية المتبعة بالمغرب. فالربط بين القرار الملكي لسنة 2025 بوقف الأضحية استجابة للجفاف وحماية للقطيع، وبين النتائج الكارثية لموسم 2026، يؤكد أن التدابير المتخذة بين العامين كانت مجرد مسكنات عاجزة أهدرت الميزانيات.
ويتطلب الخروج من هذا النفق المظلم اعتماد خارطة طريق تقوم على:
-
فتح العلبة السوداء لملف الاستيراد ونشر لائحة المستفيدين من الدعم والإعفاءات الجمركية بشفافية تامة أمام الرأي العام،و فتح تحقيق قضائي واسع بعد أن فشلت اللجان البرلمانية.
-
تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة تجاه المسؤولين عن صياغة سياسات استيراد فاشلة أهدرت المال العام ولم تحمِ القدرة الشرائية.
-
توجيه الدعم المباشر نحو الكساب الصغير والأعلاف الوطنية، بدلاً من ضخ السيولة في حسابات الشركات الكبرى المشرفة على الاستيراد.
-
إعادة هيكلة مسالك التوزيع عبر خلق أسواق نموذجية تتيح البيع المباشر من المربي إلى المستهلك وقطع دابر الوسطاء.






