شكايات متبادلة وقضايا أمام القضاء.. هل تكشف ملفات مجلس جماعة فاس حاجة ملحة لافتحاص شامل لتدبير الشأن المحلي؟

تواصل الملفات المرتبطة بتدبير الشأن المحلي بمدينة فاس إثارة نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والحقوقية، في ظل توالي الخلافات بين مكونات مجلس جماعة فاس ووصول عدد من النزاعات والاتهامات المتبادلة إلى ردهات المحاكم، وهو ما يعيد إلى الواجهة تساؤلات متزايدة حول واقع الحكامة المحلية ومدى حاجة المدينة إلى تقييم شامل لعدد من الملفات التي استأثرت باهتمام الرأي العام خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، قررت المحكمة الابتدائية بفاس تأخير النظر في الشكاية المباشرة التي رفعها رئيس مجلس جماعة فاس عبد السلام البقالي ضد أحد المستشارين الجماعيين، على خلفية تصريحات أدلى بها الأخير خلال إحدى دورات المجلس، قبل أن تتحول القضية إلى مسار قضائي ينتظر أن يقول القضاء كلمته النهائية بشأنها.
وتأتي هذه التطورات في ظرفية خاصة تعيشها العاصمة العلمية للمملكة، حيث تزايدت خلال الولاية الجماعية الحالية النقاشات المرتبطة بعدد من الملفات التدبيرية والعمرانية والجبائية، والتي كانت موضوع أسئلة وانتقادات من طرف بعض المنتخبين وفعاليات مدنية ومتابعين للشأن المحلي.
ويرى متابعون أن اللجوء إلى القضاء يظل حقاً قانونياً مكفولاً لجميع الأطراف عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن السمعة أو الطعن في معطيات يعتبرها أحد الأطراف غير صحيحة، غير أن ذلك لا يلغي أهمية النقاش العمومي حول تدبير المرافق المحلية والصفقات العمومية والجبايات الجماعية ومختلف القرارات ذات الأثر المالي على ميزانية الجماعة.
كما يعتبر عدد من الفاعلين أن المرحلة الحالية تستدعي تعزيز آليات الرقابة المؤسساتية وتكريس مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، عبر تمكين هيئات الافتحاص والمراقبة من القيام بأدوارها كاملة في دراسة مختلف الملفات التي تشغل الرأي العام المحلي، بما يضمن تقديم أجوبة دقيقة وموثقة للمواطنين.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الأدوار التي تضطلع بها المؤسسات الرقابية المختصة، سواء تعلق الأمر بالمصالح المركزية لوزارة الداخلية أو بالمجالس العليا المكلفة بالرقابة على تدبير المال العام، وذلك في إطار الاختصاصات المخولة لها قانوناً، بهدف تقييم البرامج والمشاريع والقرارات التدبيرية ومدى مطابقتها للقوانين والمساطر الجاري بها العمل.
وتبقى مدينة فاس، بما تمثله من ثقل تاريخي وحضاري وديمغرافي، في حاجة إلى نقاش مؤسساتي هادئ ومسؤول حول حصيلة التدبير المحلي منذ سنة 2021، وحول مدى تحقيق البرامج المعلنة لأهدافها التنموية، خاصة في ما يتعلق بالبنيات التحتية، والنظافة، والتنقل الحضري، وتدبير الموارد المالية، وجاذبية الاستثمار، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للساكنة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المساطر القضائية الجارية، يبقى الرهان الأساسي هو ترسيخ الثقة في المؤسسات، وضمان حق المواطنين في الوصول إلى المعلومة، وتمكين الرأي العام من معطيات دقيقة وموثقة حول مختلف الملفات التي تثير النقاش داخل العاصمة العلمية، بعيداً عن منطق الاتهامات المتبادلة، وفي إطار احترام القانون والمؤسسات.






