سياسة

بين بنكيران والعدل والإحسان.. هل تبخرت رهانات التقارب قبل انتخابات 2026 أم أن الخلاف أعاد رسم حدود المشهد السياسي؟

قبل أشهر قليلة من احتدام الاستعدادات للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، عاد الجدل ليطفو على سطح الساحة السياسية المغربية بين حزب حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان، في تطور يطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل العلاقة بين أكبر تنظيم إسلامي معارض وأبرز حزب ذي مرجعية إسلامية خاض تجربة تدبير الشأن العام من داخل المؤسسات.

فالخرجة الأخيرة التي أعادت فتح النقاش حول مرحلة ما بعد حراك 2011 لم تكن مجرد سجال عابر بين طرفين اختلفا في قراءة الماضي، بل كشفت عن عمق التباين القائم بين مشروعين سياسيين ظلا لعقود يلتقيان في بعض المرجعيات الفكرية ويختلفان في الرؤية والمنهج والوسائل.

وخلال السنوات الأخيرة، راهن العديد من المتابعين على إمكانية حدوث تقارب غير مباشر بين الطرفين، خاصة في ظل التحولات التي شهدها المشهد السياسي المغربي بعد انتخابات 2021، وما تلاها من تراجع انتخابي غير مسبوق لحزب العدالة والتنمية. كما اعتبر البعض أن الحزب بقيادة عبد الإله ابن كيران كان يعول على استعادة جزء من زخمه الشعبي من خلال استقطاب فئات من المتعاطفين مع الجماعة أو المستفيدين من امتداداتها المجتمعية الواسعة.

غير أن التطورات الأخيرة أعادت إلى الواجهة حقيقة قديمة مفادها أن العلاقة بين الطرفين لم تكن يوماً علاقة تحالف سياسي، بل علاقة تقاطع ظرفي في بعض المحطات واختلاف جوهري في أخرى.

وتفجرت موجة الجدل عقب استحضار الأمين العام لجماعة العدل والإحسان لمحطة سنة 2011 وتقييمه لتجربة مشاركة العدالة والتنمية في الحكومة، وهي التصريحات التي فهمت من طرف عدد من المتابعين على أنها انتقاد مباشر لخيار المشاركة السياسية الذي تبناه الحزب. وسرعان ما رد عبد الإله ابن كيران بلهجة حادة، مدافعاً عن حصيلة حزبه ومعتبراً أن تجربة المشاركة السياسية أثبتت مشروعيتها، في مقابل انتقاد ما اعتبره غياب مشروع سياسي واضح لدى الجماعة.

لكن اللافت في هذه التطورات ليس فقط مضمون التصريحات المتبادلة، بل توقيتها السياسي أيضاً. فالمغرب يعيش على إيقاع حراك سياسي مبكر استعداداً للاستحقاقات المقبلة، والأحزاب بدأت فعلياً في إعادة ترتيب أوراقها وصياغة خطابها الانتخابي واستعادة مواقعها داخل المشهد العام.

ويرى متابعون أن خروج قيادات من العدل والإحسان لتوضيح خلفيات تصريحات الأمين العام للجماعة يعكس رغبة في احتواء الجدل ومنع تحويله إلى مواجهة مفتوحة مع العدالة والتنمية، خصوصاً أن الجماعة تؤكد باستمرار أنها لا تشارك في العملية الانتخابية ولا تعتبر نفسها طرفاً في المنافسة الحزبية التقليدية.

في المقابل، يكشف السجال حجم الحساسية التي أصبحت تحيط بالعلاقة بين الفاعلين الإسلاميين في المغرب، خاصة في ظل المتغيرات التي عرفتها المنطقة خلال العقد الأخير، وما أفرزته من مراجعات سياسية وفكرية وتنظيمية داخل العديد من الحركات والأحزاب.

ويرى مراقبون أن ما جرى يعيد طرح سؤال قديم متجدد: هل كان حزب العدالة والتنمية يراهن فعلاً على تعاطف أو دعم غير مباشر من القواعد الاجتماعية القريبة من جماعة العدل والإحسان خلال المرحلة المقبلة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل جاءت هذه التطورات لتقوض مثل هذه الرهانات؟

الواقع أن الجماعة ظلت على امتداد سنوات تؤكد موقفها الرافض للمشاركة في الانتخابات وفق الصيغة الحالية، وهو ما يجعل الحديث عن دعم انتخابي مباشر أمراً غير محسوم سياسياً أو تنظيمياً. ومع ذلك، فإن ثقلها المجتمعي وحضورها داخل عدد من الفضاءات المدنية والنقابية والطلابية يجعل مواقفها محط متابعة من مختلف الفاعلين السياسيين.

ومن زاوية أخرى، يبرز هذا النقاش حجم التحولات التي يعرفها المشهد الحزبي المغربي مع اقتراب موعد الانتخابات. فالأحزاب الكبرى تسعى إلى توسيع قواعدها الانتخابية واستعادة ثقة الناخبين، بينما تتزايد أهمية المعارك المرتبطة بالخطاب السياسي والقدرة على إقناع الرأي العام وتقديم البدائل.

وفي خضم هذه التحولات، يبدو أن السجال بين ابن كيران والعدل والإحسان يتجاوز حدود الرد على تصريحات أو تقييم تجربة سياسية معينة، ليعكس صراعاً أعمق حول قراءة مرحلة كاملة من التاريخ السياسي المغربي، وحول جدوى المشاركة المؤسساتية وحدود الإصلاح من داخل المؤسسات.

وبينما يواصل كل طرف الدفاع عن اختياراته وقناعاته، يبقى المؤكد أن المشهد السياسي المغربي دخل مرحلة جديدة من إعادة التموضع وإعادة رسم التحالفات والتموقعات. أما ما إذا كانت رهانات التقارب قد تبخرت بالفعل أم أن الأمر لا يعدو أن يكون سحابة صيف سياسية عابرة، فذلك سؤال ستجيب عنه الأشهر المقبلة مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية وتبلور ملامح التنافس السياسي القادم.

لكن الأكيد أن النقاش الذي اندلع هذه الأيام أعاد تسليط الضوء على أحد أكثر الملفات حساسية داخل الحقل السياسي المغربي، وأكد أن مرحلة ما قبل الانتخابات لن تكون فقط معركة برامج ومشاريع، بل أيضاً معركة تأويلات وقراءات متباينة للماضي والحاضر والمستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى