قضايا

فاس تحت لهيب “الشركي”: صيف حارق يذكي غضب الساكنة وسط غياب المسابح وعجز المجالس الجماعية

مع إطلالة الأيام الأولى من شهر يوليوز 2026، تحولت العاصمة العلمية للمملكة وأقاليم جهتها إلى ما يشبه “فرناً مفتوحاً” تحت وطأة موجة حرارة استثنائية مبكرة، حوّلت حياة الساكنة إلى جحيم يومي، وأعادت إلى الواجهة معضلة التدبير الجماعي لملف الترفيه والعدالة المجالية في توفير منافذ جيدة للتخفيف من قيظ الصيف.

جهة فاس-مكناس في “المنطقة الحمراء”: أرقام قياسية ومخاطر بيئية

أفادت المديرية العامة للأرصاد الجوية في نشرة إنذارية من مستوى يقظة برتقالي، بأن موجة الحر التي تجتاح المنطقة دفعت بمحارير درجات الحرارة إلى مستويات قياسية لامست 43 درجة مئوية في الظل بكل من فاس ومكناس. هذه الأجواء اللاهبة لم تكن مجرد أرقام تُسجل، بل رافقتها تحذيرات بيئية بالغة الخطورة؛ حيث صنفت الوكالة الوطنية للمياه والغابات 6 أقاليم تابعة لجهة فاس-مكناس ضمن مستويات الخطورة القصوى (المستوى الأحمر والبرتقالي) المهددة بـاندلاع حرائق الغابات، مما يضع الرصيد الغابوي للجهة تحت تهديد حقيقي يستلزم الاستنفار والحيطة.

غياب وتأخر المسابح البلدية: أزمة متكررة والشباب في مواجهة “برك الموت”

في الوقت الذي تفرض فيه هذه الظروف المناخية القاسية توفير فضاءات مائية عمومية كمتنفس أساسي للأسر والشباب، تعيش مدينة فاس على وقع مفارقة صارخة تتمثل في استمرار إغلاق، تأخر، أو غياب المسابح البلدية التابعة للجماعة. هذا العجز الهيكلي في توفير بدائل آمنة للاستجمام فجّر موجة عارمة من الاستياء لدى الساكنة التي تجد نفسها بين خيارين أحلاهما مر: إما تحمل تكاليف المسابح الخاصة والنوادي التي تفوق القدرة الشرائية للفئات الهشة والمتوسطة، أو الارتماء في أحضان المخاطر.

ولعل الفاجعة الأخيرة التي هزت المدينة غرقاً لـطفل يبلغ من العمر 11 سنة داخل بركة مائية بحديقة “اللاتينية” بملعب الخيل، تلخص المأساة الحقيقية؛ حيث تتحول النافورات العمومية والبرك العشوائية والوديان غير الآمنة في محيط المدينة إلى “مسابح اضطرارية” تتربص بأرواح الأطفال والشباب الهاربين من لفحات “الشركي”.

المجالس الجماعية في قفص الاتهام: وعود معطلة وسوء تدبير للشأن المحلي

توجّه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى المجالس الجماعية والمنتخبين بمدينة فاس والجهة، بسبب ما يصفه الفاعلون المحليون بـ “الفشل” في تسيير هذا المرفق الحيوي. فالحديث عن إعادة تأهيل المسابح العمومية وافتتاحها في الموعد المحدد بات أسطوانة مشروخة تتكرر كل سنة دون أثر ملموس على أرض الواقع.

تنتقد الساكنة غياب رؤية استباقية لدى المجلس الجماعي لفاس لمواجهة فصل الصيف، حيث تفتقر الأحياء الشعبية ذات الكثافة السكانية العالية (مثل بنسودة، زواغة، سهب الورد، وسيدي بوجيدة) إلى أدنى شروط العدالة المجالية في توزيع البنيات التحتية الترفيهية، ما يطرح تساؤلات حارقة حول أوجه صرف ميزانيات التنمية المحلية وغياب تفعيل شروط السلامة والصيانة في الحدائق والفضاءات المفتوحة.

 إن حرارة الصيف الحارقة بجهة فاس لا توازي لظاها إلا حرارة الاحتقان الاجتماعي الناجم عن تقصير المجالس المنتخبة. إن توفير المسابح العمومية والحدائق المهيأة بإنصاف لم يعد ترفاً ترفيهياً، بل هو واجب تنموي وإنساني مستعجل لإنقاذ شباب المدينة وحفظ كرامتهم، وتفادي تكرار مآسي الغرق التي تدمي قلوب العائلات مع بداية كل موسم صيف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى