“هل ينجح منسق ‘البام’ بجهة فاس-مكناس في تحويل الحزب إلى ‘منطقة عبور’ للسياسيين الرحّل؟ تحقيق في الصفقات المغلقة وإقصاء الكفاءات”

بين إخفاقات تمثيل ساكنة دائرة القرية غفساي و فشل تدبير جماعة تمزكانة وصفقات استقطاب “الرحّل”.. هل يُعيد المنسق الجهوي تشكيل الحزب خارج قواعده؟
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، تعيش هياكل حزب الأصالة والمعاصرة بجهة فاس-مكناس حالة غير مسبوقة من الجدل الداخلي، تكاد تتحول معها مسألة إعداد لوائح الترشيحات إلى “اختبار عسير” لمدى قدرة الحزب على احترام أخلاقيات العمل السياسي الداخلي. إذ تتضارب المعطيات حول الدور الذي يلعبه محمد أحجيرة، المنسق الجهوي للحزب، في ظل مؤشرات تشير إلى محاولته توجيه دفة الترشيحات بعيداً عن وجوه حزبية مستقرة، نحو شخصيات وصفت في أوساط سياسية بـ”الرحل” أو قادمة من تنظيمات أخرى، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول مرجعيات الاختيار وأسسه داخل الجهة،و تظهر ان الحزب فشل في بناء هياكله.
تمزكانة كمؤشر: حدود التجربة المحلية ورهاناتها
قبل الولوج في تفاصيل التحركات الجهوية، يبرز ملف تدبير جماعة تمزكانة، التي يترأسها أحجيرة بنفسه، كأول مؤشر يمكن من خلاله قياس مدى جاهزية الرجل لقيادة معركة انتخابية وازنة. فبحسب متابعين للشأن المحلي، فإن حصيلة خمس سنوات من تدبير هذه الجماعة لم تحقق قفزات نوعية تذكر على مستوى المشاريع التنموية أو تحسين الخدمات الأساسية، فيما يذهب بعض المراقبين إلى القول إن هذه التجربة المحلية لم تكن قادرة على إنتاج “قاطرة انتخابية” تدفع بأحجيرة نحو خوض غمار التشريع للمرة الثانية عن دائرة غفساي – القرية بإقليم تاونات.
هذا العائق، الذي أصبح جلياً، دفع أحجيرة –وفق تصريحات غير رسمية لمصادر حزبية– إلى التراجع عن خوض الانتخابات التشريعية في دائرته الأصلية، والبحث عن أدوار أخرى، أبرزها الاشتغال على تركيب اللوائح بدلاً من أن يكون مرشحاً عليها، في تحول لافت للأدوار داخل التنظيم الحزبي.
استقطابات مثيرة للجدل: من أقشيبل إلى “شريك الأزمي”
في هذا السياق، رصدت الجريدة معطيات تشير إلى أن المنسق الجهوي يعمل على استقطاب أسماء ليست بالضرورة من خلفية “بامية”، بل قادمة من تجارب حزبية متعددة، وهو ما أثار موجة من الاستغراب داخل قواعد الحزب بالجهة.
أبرز هذه الأسماء هو ما يروج حاليا و على احجيرة أن يجيب المناضلين خل حقا إستقطب نور الدين أقشيبل، البرلماني الذي تنقل بين حزب العدالة والتنمية (2016) والتجمع الوطني للأحرار (2021)،، ليطرق أبواب الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي و لكن النهاية تم التخلي عنه و رفض بروفايله،بعد ان تم منعه من الترشح مع حزب الاحرار وفق ما تؤكده مصادر متطابقة. اليوم، وبحسب معطيات الجريدة، يحاول أحجيرة إقناع أقشيبل بالترشح باسم “البام” عن دائرة غفساي، في خطوة اعتبرها مراقبون “إعادة تدوير لبروفايل سياسي بات يوصف في الأوساط الحزبية بـ’المستنفذ'”.
غير أن هذه التحركات لا تقف عند أقشيبل، إذ تشير معطيات حصلت عليها الجريدة إلى صفقة سياسية أوسع، تتعلق بشخصية نافذة في عالم المال والأعمال، وهو صديق مقرب من “الأزمي” (أحد المرشحين الذين جرى ترويجهم عن الدائرة الشمالية لفاس والقادم من حزب الحركة الاجتماعية الديموقراطية). هذا الرجل، الذي ينشط في استيراد سلع “الشينوا” مع الازمي و معروف في عالم والعقار، ويمتلك أحد أبرز مطاعم الحوت بفاس، اجتمع –وفق مصادر موثوقة– مع أحجيرة في جلسة مغلقة تم خلالها الاتفاق على ترشيحه باسم الحزب في انتخابات مجلس المستشارين، مقابل دعم لوجستي لتوجهات المنسق الجهوي في باقي الدوائر.
الجريدة لا تتهم أحداً، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً: هل تحولت مقاعد مجلس المستشارين إلى سلعة في إطار صفقات سياسية مغلقة؟ وماذا يعني دخول رجال أعمال ينشطون في قطاعات حساسة (كاستيراد “الشينوا” والعقار) إلى قلب مشهد الترشيحات دون مبررات واضحة تتعلق بالكفاءة أو الانتماء الحزبي التاريخي؟
لائحة “القادمون من الخارج”: خمسة أسماء في قلب العاصفة
في قراءة أولية لخريطة الأسماء التي يجري الترويج لها من طرف المنسق الجهوي، تبرز ظاهرة تستحق التوقف أمامها: خمسة مرشحين محتملين، جميعهم لم ينحدروا من رحم الحزب، بل جاؤوا من تشكيلات سياسية أخرى، ويتعلق الأمر بـ:
-
الأزمي (الدائرة الشمالية فاس): قادم من حزب الحركة الاجتماعية الديموقراطية.
-
أومغار (تازة): قادم من الاتحاد الدستوري.
-
الأنصار (مكناس): شخصية ارتبط اسمها بملف “تشريد عمال سيكوم” في عهد سابق.
-
اشقيق (إفران): كان محسوباً على حزب التجمع الوطني للأحرار.
-
نور الدين أقشيبل (غفساي): قادم من الأحرار، ومن قبلُ من العدالة والتنمية.
هذا التحول، في حال تم اعتماده رسمياً، سيعني عملياً أن حزب الأصالة والمعاصرة بجهة فاس-مكناس أصبح منطقة عبور للسياسيين “الرحّل”، وهو ما قد يقرأه الناخبون على أنه “فقدان للهوية” و”انفتاح غير منضبط” قد يكلف الحزب غالياً في صناديق الاقتراع، خصوصاً في وجه منافسين يمتلكون خطاباً أكثر استقراراً ووضوحاً.
أبوساليم: الورقة المستقرة التي يبدو أنها ليست تخيف مستقبل أحجيرة بالجهة
في مقابل هذه الأسماء القادمة من “خارج البيت البامي”، يبرز اسم عبد الحق أبوساليم، النائب الثاني لرئيس جهة فاس-مكناس، كمرشح طبيعي وأحق بتمثيل الحزب في دائرة غفساي – القرية. فأبوساليم، الذي ظل طوال السنوات الخمس الماضية ملتصقاً بمنطقته، وحقق مشاريع تنموية كبرى لصالح الإقليم، وعمل دون ضجيج داخل مؤسسات الحزب، يمثل نموذجاً للاستمرارية والوفاء. غير أن مصادر الجريدة تؤكد أن المنسق الجهوي لا يضع أبوساليم ضمن حساباته و يحاربه لآنه هو البديل الشرعي ، بل يفضّل استقدام “وجوه جديدة” وإن كانت من خارج التنظيم، في خيار يحمل في طياته تجاوزاً للكفاءات الداخلية.
السؤال الذي تطرحه الجريدة هنا: على أي أساس يتم اختيار المرشحين؟ هل على أساس الولاء للحزب والإنتاج المحلي، أم على أساس “قابلية التنفيذ” للصفقات السياسية المغلقة؟
حدث الأسبوع: اجتماع ملغى وبلاغان في يومين
تعكس الوقائع الأخيرة حجم التوتر الذي يعيشه الفريق الحزبي بالجهة. ففي يوم الخميس 4 يونيو الجاري، دعا أحجيرة إلى اجتماع طارئ لمنتخبي الحزب بالجهة، كان من المفترض أن يصدر عنه بلاغ يتعلق بـ”عضوية إحدى المنتخبات في فعاليات المهرجان العالمي للموسيقى الروحية بباب المكينة” (حيث لم تستفد العضوة من بطائق الريع الذهبية للولوج). لكن تسريب خبر الاجتماع أدى إلى مقاطعته من طرف أغلبية الأعضاء، ليتحوّل المشهد إلى إحراج واضح للمنسق الجهوي. وفي اليوم الموالي (الجمعة 5 يونيو)، اضطر أحجيرة إلى إصدار بلاغ ثانٍ، يتعذر فيه عن عقد الاجتماع بسبب “غياب الأعضاء” و رفضهم المشاركة في لعبة سياسية مقيتة.
بغض النظر عن موضوع الخلاف (بطائق المهرجان)، فإن ما يستوقف المتتبع هو مدى فقدان المنسق الجهوي للقدرة على حشد فريقه، وهو ما يعكس حالة من الشرخ العميق داخل تمثيلية الحزب بالجهة، وتراجعاً في نفوذ أحجيرة حتى داخل مؤسساته الخاصة.
القيادة الجماعية أمام مسؤولية التدخل
ما يجري في جهة فاس-مكناس، وفق قراءة موضوعية، لا يمكن اختزاله في مجرد صراع على التزكيات أو خلافات عابرة. إنه يعكس، في العمق، إشكالاً بنيوياً يتعلق بكيفية إعداد النخب داخل الحزب، ومدى احترام القواعد الداخلية، ومبدأ استحقاق الأطر المخلصة التي عملت لسنوات ضمن التنظيم.
صحيح أن كل حزب له الحق في تجديد دمائه، وصحيح أن الانفتاح على أطر قادمة من تشكيلات أخرى قد يكون إيجابياً في بعض الحالات، لكن ما يحدث في فاس-مكناس يبدو أقرب إلى سياسة “الأبواب المفتوحة” لكل من رُفض في أحزاب أخرى، وهو ما يهدد بتحويل “البام” إلى “فندق سياسي” أو “منطقة عازلة” لمن لا وطن حزبياً لهم.
في انتظار أن تتخذ القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة موقفاً واضحاً من هذه التحركات، تبقى حقيقة واحدة ثابتة: عبد الحق أبوساليم يمثل اليوم الورقة الأكثر جاهزية ونقاءً واستقراراً في دائرة غفساي، وأي إقصاء له لصالح أسماء “رحّالة” سيكون بمثابة رسالة سلبية عن مستقبل الحزب في الجهة. كما أن قضية “الصفقة السياسية” المتعلقة بصديق الأزمي (رجل الأعمال الناشط في استيراد “الشينوا” والعقار ومطاعم الحوت) تحتاج إلى تدقيق أخلاقي وقانوني، خصوصاً إذا تعلق الأمر بوعد بمقعد في مجلس المستشارين مقابل دعم لوجستي و ما غير ذلك.
الجريدة ستواصل تحرياتها، وستنشر في الأيام المقبلة معطيات إضافية وأسماء كاملة حول هذه الملفات، في إطار حرصها على الشفافية والمهنية، وخدمة للرأي العام الذي ينتظر من الأحزاب أن تكون فضاء للكفاءة والنزاهة، لا سوقاً للمزايدات والصفقات المغلقة،و البام اليوم أمام مفترق الطرق إما قرارات صارمة و حازمة لإنهاء الوجوه المحروقة سياسيا إما إنتظار ليلة الاقتراع بشتنبر 2026 و الوقوف على صدمة النتائج.






