تقرير رسمي يدق ناقوس الخطر قبل مونديال 2030.. العنف والفوضى وتراجع السلوك المدني تكشف الوجه الآخر للفضاء العمومي بالمغرب

في وقت يواصل فيه المغرب استعداداته لاستضافة أكبر التظاهرات الرياضية العالمية خلال السنوات المقبلة، وعلى رأسها كأس العالم 2030، أطلق المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تحذيرا صريحا بشأن واقع السلوك المدني داخل الفضاءات العمومية، معتبرا أن الرهان لم يعد مرتبطا فقط بالبنيات التحتية والمشاريع الكبرى، بل أصبح رهانا مجتمعيا يهم صورة البلاد وجودة العيش المشترك ومستوى المواطنة داخل المجتمع.
ففي تشخيص وطني معمق، رسم المجلس صورة مزدوجة للمشهد العام بالمغرب؛ فمن جهة هناك وعي متزايد لدى المواطنين بأهمية احترام الفضاء العام وترسيخ قيم المواطنة، ومن جهة أخرى ما تزال مظاهر الفوضى والعنف والتخريب والتحرش وعدم احترام القانون تحضر بقوة في الحياة اليومية، بما يطرح أسئلة حقيقية حول نجاعة السياسات العمومية في مجال التربية المدنية والتنشئة الاجتماعية.
أرقام مقلقة خلف صورة التحسن
ورغم أن 59 في المائة من المواطنين المستجوبين يعتبرون أن السلوك المدني بالمغرب عرف تحسنا نسبيا خلال السنوات الأخيرة، فإن المعطيات التفصيلية الواردة في التقرير تكشف واقعا أكثر تعقيدا.
فما يزال رمي النفايات وتخريب الممتلكات العمومية يتصدران قائمة السلوكيات السلبية بنسبة بلغت 77 في المائة، في مؤشر يعكس استمرار ضعف الإحساس الجماعي بملكية الفضاء العام. كما يأتي العنف اللفظي والجسدي والتحرش في المرتبة الثانية بنسبة 74 في المائة، بينما تحتل الفوضى وعدم احترام قانون السير المرتبة الثالثة بنسبة 40 في المائة.
وتكشف هذه الأرقام أن المشكل لا يتعلق بحوادث معزولة أو سلوكيات فردية محدودة، بل بظاهرة مجتمعية متجذرة ما تزال تؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية للمواطنين وعلى صورة المدن المغربية.
العنف الحضري.. أرقام تثير القلق
ومن بين أخطر المؤشرات التي توقف عندها التقرير الارتفاع اللافت لقضايا العنف المسجلة على الصعيد الوطني.
ففي ظرف سنة واحدة فقط، انتقل عدد قضايا العنف من 46 ألفا و553 قضية سنة 2023 إلى أكثر من 60 ألفا و54 قضية سنة 2024، وهو ارتفاع يعكس تنامي التوتر داخل الفضاءات العمومية وتزايد السلوكيات العدوانية بمختلف أشكالها.
أما قضايا التحرش، فقد سجلت بدورها ارتفاعا مقلقا، حيث بلغت 2657 قضية خلال سنة 2024، وهو رقم يطرح تحديات حقيقية مرتبطة بحماية النساء والفتيات داخل الفضاء العام وضمان الشعور بالأمن والطمأنينة في الشوارع ووسائل النقل والمرافق العمومية.
وتؤكد هذه المعطيات أن بناء مجتمع متوازن لا يمر فقط عبر تشييد الطرق والمنشآت والملاعب، بل يقتضي أيضا بناء ثقافة احترام الآخر وترسيخ قيم التعايش والسلوك المسؤول.
حرب الطرقات.. نزيف مستمر
وفي جانب لا يقل خطورة، سلط التقرير الضوء على استمرار أزمة السلامة الطرقية بالمغرب، حيث بلغ معدل الوفيات الناتجة عن حوادث السير 10.5 حالات لكل مائة ألف نسمة خلال سنة 2024.
وتكشف الأرقام أن الراجلين ومستعملي الدراجات النارية يمثلون أكثر من ثلثي الضحايا، بنسبة تفوق 66 في المائة، ما يعكس هشاشة كبيرة في حماية الفئات الأكثر عرضة للخطر داخل الفضاء الطرقي.
ويرى متابعون أن هذه الأرقام تؤكد أن أزمة السير بالمغرب ليست مجرد إشكال تقني أو مرتبط بالبنية التحتية فقط، بل ترتبط أيضا بثقافة الاستعمال المشترك للطريق، واحترام القانون، والوعي الجماعي بمخاطر السلوك المتهور.
الملاعب بين الشغف الرياضي والعنف
ولم تغب الملاعب الرياضية عن تشخيص المجلس، خاصة في ظل اقتراب المواعيد الرياضية الكبرى التي سيحتضنها المغرب خلال السنوات المقبلة.
فالتقرير يشير إلى تسجيل 643 قضية مرتبطة بالشغب والعنف الرياضي سنة 2023، توبع على إثرها أكثر من ألف شخص، قبل أن ينخفض العدد إلى 353 قضية سنة 2024.
ورغم هذا التراجع النسبي، فإن الظاهرة ما تزال تثير قلق المؤسسات الرسمية، خصوصا أن جزءا مهما منها يرتبط بفئات شابة تعاني من الهشاشة الاجتماعية وصعوبات الاندماج داخل المدرسة وسوق الشغل.
ويؤكد الخبراء أن الملاعب ينبغي أن تتحول إلى فضاءات للتنافس الرياضي والتعبير الحضاري، لا إلى ساحات للتوتر والعنف وتصفية الاحتقانات الاجتماعية.
أزمة تنشئة أم أزمة سياسات؟
أحد أهم الاستنتاجات التي خلص إليها التقرير يتمثل في أن أزمة السلوك المدني لا يمكن اختزالها في الجانب الأمني أو القانوني فقط.
فالمجلس يرى أن التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة أثرت بشكل مباشر على منظومة التنشئة التقليدية، حيث تراجع دور الأسرة والمدرسة تدريجيا أمام التأثير المتنامي للفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي.
كما سجل التقرير محدودية فعالية عدد من التدخلات العمومية بسبب غياب التنسيق بين القطاعات المختلفة، وضعف آليات المراقبة والتتبع، فضلا عن تأخر إخراج بعض النصوص القانونية إلى حيز التنفيذ.
ويعتبر عدد من المختصين أن المغرب يحتاج اليوم إلى مشروع مجتمعي متكامل يعيد الاعتبار للتربية على المواطنة داخل المدرسة والإعلام والأسرة والفضاءات الرقمية، بدل الاكتفاء بالمقاربات الزجرية وحدها.
مونديال 2030.. امتحان السلوك قبل البنية التحتية
ويبدو أن الرسالة الأبرز التي يحملها التقرير هي أن نجاح المغرب في تنظيم التظاهرات الدولية الكبرى لن يقاس فقط بجودة الملاعب والفنادق والطرق والمطارات، بل كذلك بمدى قدرة المجتمع على تقديم صورة حضارية تعكس قيم الاحترام والانضباط والعيش المشترك.
فالدول التي نجحت في ترسيخ مكانتها الدولية لم تعتمد فقط على قوة اقتصادها أو بنيتها التحتية، بل بنت أيضا ثقافة مدنية تجعل احترام القانون والفضاء العام سلوكا يوميا يمارسه المواطن بشكل تلقائي.
ومن هذا المنطلق، يدعو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى إطلاق ميثاق وطني للسلوك المدني وإرساء إصلاحات مؤسساتية وتشريعية عميقة، باعتبار أن معركة التنمية الحقيقية لا تبدأ من الإسمنت والحديد فقط، بل من الإنسان نفسه.
وفي أفق سنة 2030، يبدو أن المغرب أمام فرصة تاريخية ليس فقط لتنظيم حدث عالمي استثنائي، بل أيضا لإطلاق ورش مجتمعي كبير يعيد بناء العلاقة بين المواطن والفضاء العام، ويجعل من السلوك المدني ركيزة أساسية لمغرب أكثر انضباطا وتضامنا وتنافسية.






