قضايا

وزارة الداخلية توقف نزيف القروض وتفضح عبث رؤساء جماعات غارقين في الفساد

وجهت المصالح المركزية بوزارة الداخلية صفعة موجعة إلى عدد من رؤساء الجماعات، الذين كانوا يستعدون لبرمجة مشاريع ميزانيات 2026، بعد رفض التأشير على ملفات طلبات قروضهم لدى صندوق التجهيز الجماعي “بنك الجماعات”. القرار جاء بعدما تبين أن تلك الملفات، التي تمت المصادقة عليها في دورات استثنائية للمجالس المنتخبة، لا تستوفي الشروط القانونية والاقتصادية الضرورية لتمويل مشاريع تنموية ذات أولوية.

مصادر مطلعة أوضحت أن الإدارة المركزية استندت في قرارها إلى تقارير دقيقة كشفت حجم الاختلالات المالية، بل ورصدت شبهات فساد خطيرة تحوم حول بعض الرؤساء، الذين حاولوا توظيف هذه القروض لخدمة مصالح شخصية، عبر تمرير صفقات مشبوهة لمكاتب دراسات ومقاولات محددة مقابل عمولات دسمة. هذه المعطيات عجلت بتوصيات تقضي بإحالة ملفات على القضاء بصفة استعجالية، لقطع الطريق أمام العبث المالي والابتزاز السياسي.

التقارير ذاتها سجلت تجاوزات صارخة، أبرزها القفز على المساطر القانونية وخطوط التمويل التي تفرض رؤية شمولية واستراتيجية طويلة الأمد للمشاريع الاستثمارية. فالأمر لا يتعلق بتمويل نزوات انتخابوية آنية، بل بمشاريع حقيقية تستجيب لحاجيات اجتماعية واقتصادية مُلحّة، وتراعي معايير النجاعة والأقل تكلفة. لذلك جاء رفض الداخلية كتأكيد على أن زمن الفوضى في تدبير المال العام بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة.

وعلى سبيل المثال، رصدت تقارير رسمية تناقضات خطيرة في ميزانيات جماعات بجهة الدار البيضاء-سطات، خاصة بتراب إقليم برشيد، حيث قفز بند “الباقي استخلاصه” إلى 9 مليارات سنتيم من المداخيل غير المحصلة، مقابل ارتفاع غير مبرر في النفقات، ما أثار نقاشات حادة داخل المجالس حول سوء تدبير الموارد وتراكم ديون ميؤوس من تحصيلها.

القانون التنظيمي 113/14 واضح في هذا الباب، إذ ينص على خضوع مالية الجماعات لرقابة المجالس الجهوية للحسابات، فضلاً عن التدقيق السنوي الذي تباشره المفتشية العامة للمالية أو المفتشية العامة للإدارة الترابية، أو حتى بشكل مشترك. وهي أجهزة رقابية تمثل صمام الأمان لحماية المال العام، وتُحمل المسؤولية كاملة للرؤساء الذين يصرون على إدارة الشأن المحلي بعقلية الغنيمة والريع.

ولم يقتصر الأمر على وقف التأشير على القروض فقط، بل إن وزارة الداخلية شرعت فعلياً في إعادة هيكلة مساطر الدعم والتمويل، من خلال ربطها بالنجاعة المالية والالتزام بالقوانين، بما فيها القروض من صندوق التجهيز الجماعي أو حصص الضريبة على القيمة المضافة. في المقابل، بادر وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت إلى توجيه مراسلات صارمة للولاة والعمال ورؤساء الجماعات، شدد فيها على ضرورة تحسين مردودية تحصيل الرسوم المحلية، وضبط تكاليف المنازعات القضائية، وترشيد النفقات، بما يحفظ المال العام ويوقف نزيف الهدر.

إن ما جرى ليس مجرد رفض إداري عابر، بل رسالة قوية من وزارة الداخلية مفادها أن زمن العبث بمالية الجماعات الترابية انتهى، وأن ربط المسؤولية بالمحاسبة لم يعد شعاراً، بل أصبح واقعاً يفرض نفسه على كل من اعتقد أن رئاسة الجماعة تفويض على بياض للنهب والاغتناء غير المشروع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى