الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس: في قلب رهان الأمن المائي و جهود متواصلة لإنقاذ إقليم بولمان من العطش

تواصل المملكة المغربية، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تعزيز بنيتها التحتية المائية لمواجهة تحديات الجفاف المتزايدة وضمان الأمن المائي للمواطنين. وفي هذا السياق، تبرز جهود الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس (SRM-FM) التي انطلقت في يوليوز 2025، لتعكس إرادة سياسية واضحة في تدبير الموارد المائية بكفاءة واستدامة، وفق رؤية استباقية تستشرف المستقبل وتستجيب لندرة المياه.
الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس.. قفزة نوعية في تدبير الماء والكهرباء والتطهير السائل
تعتبر الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس (SRM-FM) الفاعل الوحيد المكلف بتدبير الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل في كل من عمالات فاس ومكناس، وأقاليم صفرو والحاجب ومولاي يعقوب وإفران وبولمان وتازة وتاونات، وهو مجال جغرافي يمتد على 9 أقاليم وعمالات، يضم أكثر من 194 جماعة ترابية، ويقطنه أزيد من 4 ملايين نسمة. وقد صادق مجلس إدارة الشركة، المنعقد يوم الاثنين 29 دجنبر 2025، برئاسة والي جهة فاس-مكناس، على برنامج استثماري طموح للفترة 2026-2030 بقيمة إجمالية تقدر بـ 9,9 ملايير درهم، تم تخصيص ميزانية سنوية قدرها ملياري درهم برسم سنة 2026.
وتهدف هذه الاستثمارات الضخمة بالأساس إلى دعم وتحديث البنيات التحتية الأساسية، وتحسين مردودية شبكات التوزيع، وتعزيز قدرات التخزين المائي، فضلاً عن إدخال حلول مستدامة لإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، مع إيلاء أهمية خاصة للعالم القروي من خلال فك العزلة وتوسيع شبكات التوزيع بالدوائر الترابية لتقليص الفوارق المجالية والارتقاء بتنمية جهوية متوازنة وشاملة.
تأتي هذه الدينامية تحت الإشراف والتتبع المباشر لوالى جهة فاس-مكناس، وعامل إقليم بولمان ، في إيطار رؤية استباقية تستشرف تحديات ندرة المياه وتعمل على حشد كل الإمكانيات التقنية والمالية لمواجهتها. ويعكس هذا الزخم الاستثماري تحولاً جذرياً في مقاربة تدبير الماء بإقليم بولمان الذي عانى لعقود من العجز المائي المزمن، حيث تنتقل الاستراتيجية من سياسة الترقب والتسيير اليومي للأزمة إلى معركة ميدانية شاملة تراهن على تنويع المصادر وتأهيل البنى التحتية وإدماج الحلول التكنولوجية الحديثة.
استثمارات ميدانية: أربعة مشاريع مائية مهيكلة لإنقاذ بولمان
وفي إطار هذه الجهود المتواصلة، تم إطلاق أربعة مشاريع مائية مهيكلة، تشمل:
-
إعادة تأهيل وتجديد وتقوية شبكة توزيع الماء الصالح للشرب بمدينة أوطاط الحاج.
-
إعادة تأهيل وتجديد وتقوية شبكة توزيع الماء بمدينة ميسور.
-
إعادة هيكلة شبكة توزيع الماء الصالح للشرب بدواوير آيت حمزة – كيكو.
-
مشاريع موازية لإعادة الهيكلة بالمراكز القروية المجاورة.
إقليم بولمان.. إجهاد مائي غير مسبوق ومشاريع استعجالية تحت إشراف العامل علال الباز
لم يكن إقليم بولمان بمنأى عن تداعيات الجفاف المسلط على معظم جهات المغرب، خاصة مع استنزاف الموارد الجوفية جراء سنوات الجفاف المتتالية. غير أن تدخلات عامل الإقليم علال الباز، الذي عينه صاحب الجلالة على رأس العمالة في أكتوبر 2024، شكلت مفترق طرق حاسماً في مقاربة التدبير، حيث تحولت الاستراتيجية من الترقب إلى معركة ميدانية يومية لضمان الاستمرارية في التزويد، مع تسخير كل الإمكانيات التقنية والأمنية لمواكبة الوضع. وفي هذا الإطار، ترأس اجتماعاً تقنياً وأمنياً طارئاً بمدينة ميسور يوم الاثنين فاتح يونيو 2026، حضره المدير الجهوي للشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس وعدد من رؤساء المصالح التقنية، لتدارس السبل الكفيلة بإنهاء الانقطاعات والاضطرابات في التزويد بالماء الشروب، خاصة بمركز ميسور وأوطاط الحاج والدواوير المجاورة التي كانت تعرف عجزاً في التدفق.
وبحسب مصادر ميدانية، أكد عامل الإقليم خلال هذا الاجتماع على ضرورة تكثيف الجهود، وتسريع وتيرة تنفيذ الحلول المعتمدة، ضماناً لتزويد الساكنة بهذه المادة الحيوية في ظروف مستقرة، وذلك إلى حين استكمال مشروع الربط المائي بسد ميدلت الذي تنتظر السلطات انتهاء أشغاله في الأسابيع القليلة المقبلة، بما سيشكل منعطفاً حاسماً في تعزيز الأمن المائي بالإقليم.
خمسة مشاريع مائية كبرى بغلاف مالي يناهز 50 مليون درهم.. تعزيز للبنية التحتية وترشيد للموارد
في خطوة تعكس الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنزيل الميداني، أشرف عامل إقليم بولمان علال الباز على إعطاء الانطلاقة الفعلية لخمسة مشاريع مائية كبرى جديدة، تحت شعار “الأمن المائي المستدام”، بغلاف مالي إجمالي يقارب 50 مليون درهم، وذلك تنزيلاً لمخرجات الاجتماع المذكور المنعقد بتاريخ 2 يونيو 2026.
هذه المشاريع الهيكلية، التي تروم تعزيز وتأهيل البنيات التحتية المائية بالإقليم عبر إعادة تأهيل القنوات وصيانة الشبكات الحالية، ستعمل على تحسين مردودية توزيع الماء بشكل كبير، ورفع نجاعة استغلال الموارد المائية المتاحة عبر تقليص نسبة الضياع وتأمين حاجيات الساكنة من هذه المادة الحيوية في أحسن الظروف، لا سيما في ظل الضغط المتواصل على الفرشة المائية جراء الجفاف الذي تشهده المنطقة. ومن المتوقع أن تساهم هذه المشاريع في تثبيت استقرار الخدمة بالمناطق التي تعاني من شح التزويد، فضلاً عن مواكبة التوجهات الوطنية الكبرى الهادفة إلى تحقيق الأمن المائي واستدامة الموارد.
محطة تحلية مياه ميسور.. تقنية مبتكرة لتأمين المياه لآلاف السكان
قبل أيام من هذه الدينامية الاستثمارية، كان عامل الإقليم قد أشرف يوم الجمعة 6 مارس 2026 على تدشين واستغلال محطة تحلية المياه الجوفية المالحة بمدينة ميسور، وهو المشروع الذي يكتسي أهمية بالغة في استراتيجية تعزيز الأمن المائي بالمنطقة. وتمتد مسؤولية إنجازه كآمر مقاول مفوض للشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس (SRM-FM)، وذلك في إطار اتفاقية شراكة تجمع وزارة الداخلية بجهة فاس-مكناس والشركتين المذكورتين. وتصل الطاقة الإنتاجية لهذه المحطة إلى 3 لترات في الثانية، مما يمكنها من تلبية احتياجات أزيد من 5 آلاف نسمة، أي حوالي 18% من سكان المدينة، وذلك عبر معالجة المياه الجوفية المالحة وتحويلها إلى مياه صالحة للشرب وفق المواصفات الجاري بها العمل.
هذا النموذج، الذي تم إنجازه بواسطة شركة “شيل ماروك” بمساعدة مكتب الدراسات “نوفيك”، يعتمد على تكنولوجيا التناضح العكسي الحديثة المعترف بفعاليتها في تحلية المياه المالحة. وسيساهم هذا الابتكار التقني في تحسين خدمات التزويد بالماء الصالح للشرب وتحقيق الأمن المائي لساكنة المدينة في مواجهة الندرة المتزايدة، فضلاً عن دعم التنمية المحلية وتحسين ظروف العيش، وهو ما يعكس قدرة المغرب على استيعاب الحلول التكنولوجية المتقدمة لتجاوز التحديات المائية.
مشروع الربط بسد الحسن الأول بميدلت.. طوق النجاة المنتظر لإنهاء أزمة العطش
بالتزامن مع هذه الجهود، تنتظر ساكنة مدينتي ميسور وأوطاط الحاج بفارغ الصبر استكمال مشروع الربط المائي بسد الحسن الثاني بميدلت، والذي طالته بعض التأخيرات والتعثرات في الإنجاز، رغم توفر الاعتمادات المالية اللازمة. وحسب مصادر متطابقة، فإن الأشغال بهذا المشروع الاستراتيجي من المنتظر أن تنتهي مع متم شهر يونيو الجاري، مما سينهي معاناة سنوات من العجز وعدم الاستقرار في التزويد بهذه المادة الحيوية.
غير أن الملاحظين يرون أن تأخر إنجاز هذا المشروع على هذا النحو يطرح علامات استفهام حول نجاعة تدبير المشاريع الكبرى المرتبطة بالماء، خاصة في مناطق تعاني إجهاداً مائياً حاداً، ويؤكد أن التنسيق بين مختلف المتدخلين (الوزارات الوصية، الشركة الجهوية، عمالة الإقليم، وكالة الحوض المائي) يحتاج إلى مزيد من الفعالية لتفادي مثل هذه العثرات مستقبلاً.
رهانات الأمن المائي كأولوية للتنمية
إن الاستثمارات المعلنة من طرف الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس، سواء تعلق الأمر بمشاريع تأهيل الشبكات أو محطات التحلية أو الربط بالسدود، تحمل دلالات اقتصادية عميقة تتجاوز مجرد ضمان حاجيات الساكنة اليومية:
-
أولاً، حماية القدرة الشرائية: مع ارتفاع تكاليف نقل المياه عبر الصهاريج في فترات الانقطاع (والتي كانت تصل إلى أرقام باهظة)، فإن تأمين التزويد بشكل مستقر سيرفع العبء المالي عن كاهل الأسر الأكثر هشاشة.
-
ثانياً، تعزيز الاستثمار الخاص: إن استقرار الخدمات الأساسية (كالماء والكهرباء) يشكل شرطاً مسبقاً لجذب المستثمرين في قطاعات الفلاحة والصناعة والسياحة. فغياب الماء أو تذبذب التزويد يردع المبادرين ويعطل المشاريع الاقتصادية.
-
ثالثاً، تنمية العالم القروي: إيلاء الشركة الجهوية اهتماماً بالاستثمار في المناطق القروية القروية سيساهم في تخفيف الضغط على المدن، ويخلق فرصاً للشغل ويساعد على استقرار السكان في دواويرهم، مما يحد من النزوح القروي.
ولعل تجربة بولمان تظهر بوضوح نموذجاً لتدبير الأزمات بطريقة استباقية، تعتمد على تظافر جهود مختلف المتدخلين (السلطات المحلية، الشركة الجهوية، الوكالات المانحة)، وإدماج الحلول التكنولوجية الحديثة (كالتناضح العكسي) ضمن منظومة متكاملة لمواجهة آثار التغيرات المناخية.
من الترقب إلى التفعيل
في المحصلة، يمكن القول إن دينامية قطاع الماء بإقليم بولمان تعكس إرادة سياسية أكيدة للانتقال من “سياسة الترقب إلى التفعيل الفوري”، في مواجهة إكراهات الجفاف. ومع اعتماد مقاربة تقوم على الاستباقية (عقد الاجتماعات الطارئة قبل فوات الأوان)، والجدولة العاجلة (إطلاق 5 مشاريع كبرى دفعة واحدة)، وتنويع الحلول (تحلية المياه الجوفية، الربط بالسدود، تأهيل الشبكات)، يستطيع إقليم بولمان أن يشكل نموذجاً يحتذى به في مقاربة الأمن المائي، شرط أن تترافق هذه المجهودات مع تكثيف حملات التوعية بترشيد الاستهلاك، ورفع نجاعة تدبير صيانة الشبكات، وتفعيل آليات رقابية صارمة لضمان جودة الخدمات المسداة للمواطن.






