تحقيق استقصائي | حصاد العيد… القطاع الفلاحي المغربي بين “الاستشارة الوهمية” ونهب عقارات الدولة

في مشهد يعيد إنتاج أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات، لم يعد القطاع الفلاحي المغربي يعاني فقط من قسوة الجفاف، بل من “وباء إداري” واختلالات هيكلية تلتهم المال العام وتُضعف الأمن الغذائي لملايين المغاربة. في قلب هذه العاصفة، يبرز اسمان رئيسيان: عزيز أخنوش، رئيس الحكومة ووزير الفلاحة الأسبق، وهشام رحالي، المدير العام للمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية (ONCA). هذا التحقيق، الذي يستند إلى وثائق وتقارير رسمية ومعطيات ميدانية، يكشف كيف تحولت مؤسسة “ONCA” من ذراع تقني لدعم الفلاحين إلى إدارة بيروقراطية “مغلقة”، وكيف انعكست سياسات الإستيراد والتصدير سلباً على القدرة الشرائية للمواطنين، في وقت تتصاعد فيه الدعوات لفتح تحقيق برلماني شامل، لكنها تصطدم بجدار عرقلته حكومة أخنوش.
أولاً: هشام رحالي.. مدير عام في قلب الإتهامات بتجاوزات إدارية
منذ تعيينه مديراً عاماً للمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية (ONCA) في 3 مارس 2025، وضعت إدارة هشام رحالي المؤسسة تحت مجهر النقد، وسط اتهامات متتالية من طرف النقابات الممثلة للقطاع بتجاوزات إدارية خطيرة، تطال ملفات شائكة تمس تدبير الموارد البشرية واستغلال الممتلكات العمومية.
أ. “سياسة الإقصاء” وتهم استغلال الممتلكات
في وثيقة خطيرة، اتهم المكتب الجهوي للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي (التابع للإتحاد المغربي للشغل) مديرية الموارد البشرية بالمكتب بما يلي:
-
“الإنفراد بالقرار وتطويع القانون لخدمة مصالح ضيقة”: اتهام مباشر بتجاوز الصلاحيات الإدارية وتهميش الأطر القانونية.
-
التغاضي عن “إستغلال سيارات الدولة وممتلكات المكتب الوطني بالجهات الجنوبية رغم توفر أدلة موثقة”: تهمة خطيرة تنطوي على هدر محتمل للمال العام وإساءة إستغلاله.
-
“سياسة إقصاء ممنهجة” ضد أطر المكتب الأصليين: لصالح عناصر خارجية في خطوة تكرس “منطق الولاء على حساب الكفاءة”، مع تركيز مقلق على حالة الدكتور كريم رباح، ووصفه بـ”رمز النزاهة والمهنية”.
ب. أزمة “سيرو عند الوالي” وإنسداد آفاق الحوار
تجاوزت الإنتقادات حدود الإتهامات العامة، لتتجسد في أزمة ملموسة بإقليم كلميم، حيث إتهمت الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي مسؤولا بالمكتب بإفشال الحوار الاجتماعي وخرق أبجديات التعامل الإداري، بعدم تسلم مراسلة نقابية والتلفظ بعبارة مستفزة: “سيرو عند الوالي”، وهو ما وصفته النقابة بـ”سلوك غير مسؤول”, يضرب عرض الحائط مقتضيات القانون الإداري والتزامات الإدارة تجاه شركائها الإجتماعيين.
ثانياً: ميزانيات بالمليارات مقابل “خدمات وهمية”.. أرقام تكشف الفشل
تكشف الأرقام الصادرة عن المجلس الإقتصادي والإجتماعي والبيئي (CESE) فجوة صارخة بين الأهداف المعلنة والواقع الميداني، وتضع إدارة هشام رحالي أمام تساؤلات حقيقية حول مردودية الميزانيات الضخمة التي تصرف على قطاع الإستشارة الفلاحية.
أ. “كارثة” التأطير: مستشار واحد لـ 5,726 فلاحا!
وفقاً لمعطيات المجلس الإقتصادي والإجتماعي والبيئي، فإن مستشاراً فلاحياً واحداً يؤطر في المتوسط 5,726 فلاحاً، وهو رقم وُصف بـ”غير المستدام”، خاصة في المناطق القروية النائية. هذا الخلل الفادح في النسبة يعني، عملياً، أن مئات الآلاف من الفلاحين الصغار والمتوسطين، الذين هم في أمس الحاجة إلى التوجيه التقني لمواجهة الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج، لا يحصلون على أي دعم يُذكر من المؤسسة العمومية المكلفة بهذه المهمة.
ب. ميزانيات ضخمة بلا أثر ملموس
في الوقت الذي ترتفع فيه ميزانية “ONCA” لتصل إلى أرقام مهمة (بلغت 130 مليون درهم سنة 2018 مقارنة بـ 80 مليون سنة 2013【0†L???】)، وُجهت انتقادات حادة لصرف 1.275 مليون درهم كحملة توعوية فقط حول ترشيد استهلاك المياه، مما أثار تساؤلات حول أولويات الصرف. ويصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً عندما نربط هذا الإنفاق بضعف النتائج الميدانية. فقد بلغ عدد تدخلات المكتب المعلنة خلال سنة 2024 حوالي 48,600 تدخل, لكن هذا الرقم يظل متواضعاً أمام حجم التحديات، خاصة في ظل النسبة الكارثية للتأطير.
ثالثاً: “ONCA” تحت المجهر.. إتهامات متبادلة وأصوات إحتجاجية
لم تقتصر الإنتقادات على الميدان، بل طالت الأوضاع الداخلية للمؤسسة، حيث اتهمت النقابة الوطنية للإستشارة الفلاحية إدارة هشام رحالي بالتراجع عن الإتفاقات السابقة وإفشال الحوار الإجتماعي. وفي 23 ماي 2026، خرجت شغيلة القطاع في وقفتين إحتجاجيتين أمام وزارتي المالية والفلاحة، للمطالبة بـ “النظام الأساسي المنصف” و”الخدمات الإجتماعية للمتقاعدين. وقد حذرت النقابة من “معركة الكرامة والإنصاف لشغيلة القطاع الفلاحي”، داعية إلى “الإنخراط القوي” في هذه الحركة الإحتجاجية.
رابعاً: أزمات متلاحقة… من اللحوم المستوردة إلى أضاحي العيد
لطالما كانت أزمات القطاع الفلاحي مرآة عاكسة لفشل السياسات العمومية وغياب التنسيق المؤسساتي. في هذا السياق، شهد المغرب سلسلة من الإهتزازات العنيفة التي عرّت هشاشة المنظومة بأكملها.
أ. أزمة اللحوم المستوردة: 13 مليار درهم في مهب الريح؟
عاد الجدل بقوة حول مآل غلاف مالي ضخم يناهز 13 مليار درهم، صُرفت على شكل دعم مباشر وتسهيلات جمركية لفائدة 277 مستورداً فقط لاستيراد اللحوم الحمراء خلال الفترة بين 2022 و2025، دون أن تلمس نتائجه الإيجابية في موازنة القدرة الشرائية للمواطنين، أو حتى أن تحدث إنفراجة حقيقية في أسعار الأضاحي.
ب. أزمة أضحية العيد 2026: “الفراقشية” وريع الإستيراد
تأتي فضيحة “الفراقشية” (الأغنام المستوردة) لتعيد إنتاج ذات السيناريو. فرغم أن الحكومة إدعت أن الإستيراد كان بهدف “سد الخصاص”، إلا أن السوق شهد فوضى عارمة في الأسعار خلال موسمي 2025 و2026، واتهامات متبادلة حول تورط برلمانيين ووسطاء في توزيع “بوالص الإستيراد” دون وجه حق. وتزامنت هذه الإضطرابات مع تصريحات وزير الفلاحة الحالي حول ضرورة “تتبع عدد القطيع” و”دعم الكسابة”, وهو ما يؤكد، حسب المنتقدين، ضعف آليات الرقابة والتخطيط المسبق.
ج. أزمة الخضر والزيوت: عندما تُصدر الثروة وتستورد الأزمة
لم تكن الأزمة محصورة في اللحوم، بل شملت مواد أساسية، ووصل سعر زيت الزيتون 100 درهم خلال موسم 2024-2025 بينما تتجه أفضل المنتجات الفلاحية (كالأفوكادو والطماطم الدائرية) نحو التصدير. هذا التناقض في السياسات يخلق ضغطاً على الأسعار الداخلية، ويهدد الأمن الغذائي للمواطن المغربي.
خامساً: أخنوش والبرلمان.. لماذا يُعطّل رئيس الحكومة لجان تقصي الحقائق؟
في خضم هذا المسلسل من الأزمات والإتهامات، برز سؤال جوهري: لماذا لا يتم فتح تحقيق برلماني جاد لكشف هذه الممارسات الخطيرة؟ الجواب، حسب تقارير متطابقة، يكمن في موقف رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي يقف سداً منيعاً في وجه إحداث لجنة تقصي حقائق برلمانية.
-
المناورة بآلية “المهمة الإستطلاعية”: بدلاً من لجنة تقصي حقائق تملك صلاحيات واسعة في التنقيب عن الوثائق وإستدعاء الشهود، سعت الأغلبية الحكومية إلى فرض “مهمة إستطلاعية” بديلة، لا تملك الصلاحيات نفسها.
-
اتهامات المعارضة بـ “التسييس”: وُصفت مبادرات المعارضة بـ”الإثارة السياسية” والتشويش، بينما يرى مراقبون أن التهرب من المساءلة هو الذي يعزز الشكوك ويغذي الإشاعات.
الصندوق الأسود للعقار الفلاحي.. تفويت أراضي “صوجيتا وصوديا”
عند النبش في الأسباب العميقة للاختلالات الفلاحية بالمغرب، لا يمكن القفز على ملف العقار الفلاحي التابع للدولة، وتحديداً الأراضي الخصبة الشاسعة التي كانت تديرها شركتا “صوجيتا” (الشركة الوطنية للإنتاج الفلاحي) و”صوديا” (شركة التنمية الفلاحية).
إن قراءة ملف تفويت هذه الأراضي في عهد تدبير عزيز أخنوش للقطاع تكشف عن معطيات تثير الكثير من الجدل حول الأسماء المستفيدة،و خاصة اذا تعلق الأمر بموالين لحزب التجمع الوطني للأحرار و مقربين من وزير الفلاحة السابقة و رئيس الحكومة الحالي.
-
استفادة “النخبة المحظوظة”: تم تفويت آلاف الهكتارات من أجود الأراضي الفلاحية التابعة للملك الخاص للدولة لفائدة شركات كبرى، ورجال أعمال نافذين، ورؤساء غرف مهنية فلاحية، تحت ذريعة الاستثمار وعصرنة القطاع.
-
تكريس الإقطاعية الفلاحية: في الوقت الذي يئن فيه الشباب القروي تحت وطأة البطالة ويفتقر للبقع الأرضية البسيطة للاستقرار، حاز كبار المنعشين على مساحات شاسعة بأسعار كراء رمزية ولمدد طويلة. هذا الوضع خلق تفاوتاً طبقياً صارخاً؛ حيث تحظى هذه الأراضي المستفيدة بكافة أشكال الدعم العمومي والمياه والامتيازات التصديرية، بينما يُترك المواطن العادي لمواجهة لهيب الأسعار الناتج عن توجيه إنتاج هذه الأراضي نحو الأسواق الخارجية.
-
الخلاصة والإستشراف: “ONCA” نموذجاً مصغراً لمرض أوسع
إن ما كشفه هذا التحقيق يعيدنا إلى سؤال أكبر: هل نحن أمام مجرد “عثرة إدارية” أم أمام “هدم منهجي” لدور الدولة كضامن للأمن الغذائي؟ الأرقام والتقارير الرسمية والنقابية تؤكد وجود إختلالات هيكلية عميقة في تدبير الملف الفلاحي، يتقاسم مسؤوليتها كل من ONCA ووزارة الفلاحة ورئيس الحكومة.
المطلوب فوراً:
-
فتح تحقيق برلماني عاجل وشامل: تحت إشراف لجنة تقصي حقائق حقيقية تملك صلاحيات النفاذ إلى كل الوثائق الإدارية والمالية.
-
مراجعة سياسات الدعم والإستيراد والتصدير: لضمان توجيه الدعم لمستحقيه، وتعزيز الإنتاج المحلي، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
-
تقييم أداء “ONCA” تحت إدارة هشام رحالي: من قبل هيئة رقابية مستقلة، مع محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أي تجاوزات أو إهمال.






