سياسة

قبيلة أجزناية التابعة لإقليم تازة في ذكرى جيش التحرير.. ذاكرة وطنية تنتظر الإنصاف والتنمية

لم تكن منطقة أجزناية، ولا جماعات أجدير وتيزي وسلي وبورد والمجالات المجاورة لها، مجرد فضاء جغرافي عابر في تاريخ المغرب الحديث، بل كانت واحدة من أبرز ساحات الكفاح الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، ومنها انطلقت شرارة عمليات جيش التحرير بشمال المملكة في الثاني من أكتوبر سنة 1955، في محطة تاريخية ما زالت شاهدة إلى اليوم على حجم التضحيات التي قدمها أبناء المنطقة دفاعا عن حرية الوطن واستقلاله وسيادته.

وفي الذكرى الواحدة والسبعين لانطلاق العمليات الأولى لجيش التحرير بشمال المملكة، عادت أجزناية إلى واجهة المشهد الوطني من بوابة الذاكرة والمقاومة، بعدما نظمت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، بتعاون مع عمالة إقليم تازة، يوم الجمعة 2 أكتوبر 2026، مجموعة من الأنشطة التي أشرف عليها المندوب السامي مصطفى الكثيري وعامل إقليم تازة رشيد بنشيخي، وشملت زيارة مقابر الشهداء بتغزراتين في جماعة أجزناية الجنوبية، وبتيزي وسلي وأجدير، إلى جانب تنظيم مهرجان خطابي وتكريم عدد من أفراد أسرة المقاومة وتوزيع إعانات اجتماعية ومالية على عدد من المنتمين إليها.

غير أن عودة هذه الذكرى إلى الواجهة تطرح سؤالا أكبر من حدود المراسم الرسمية، سؤالا يتعلق بما إذا كانت منطقة دفعت من أبنائها ودمائها ثمنا باهظا من أجل استقلال المغرب قد نالت، بعد أكثر من سبعة عقود، نصيبها العادل من التنمية والإنصاف المجالي والاعتراف المستمر بتضحيات رجالها ونسائها.

فالمنطقة، رغم التحولات التي عرفتها خلال السنوات الأخيرة، ما تزال تعيش مظاهر من التهميش والهشاشة، وما تزال أجزاء واسعة من قبيلة أجزناية تحمل آثار عقود من التأخر في التجهيز والتنمية، فيما لا تزال أسرة المقاومة نفسها في حاجة إلى مزيد من العناية والإنصاف، خصوصا أن الحديث عن تخليد الذاكرة الوطنية لا يمكن أن يكتمل بمجرد زيارة المقابر وإلقاء الكلمات وتوزيع بعض الإعانات، بينما توجد ملفات اجتماعية وتنموية وتاريخية تحتاج إلى معالجة عميقة ومستدامة.

إن ملف أسرة المقاومة في أجزناية يستحق أن يفتح من جديد، ليس فقط من زاوية التكريم الرمزي، وإنما من زاوية جرد الذاكرة الوطنية وتوثيق أسماء المقاومين والشهداء والبحث في مساراتهم وأسرهم وأوضاع من بقي منهم، لأن عددا من أبناء المنطقة الذين حملوا السلاح وواجهوا المستعمر الفرنسي وسقط بعضهم شهداء، لا يزالون في حاجة إلى إنصاف تاريخي واجتماعي أكبر، كما أن جزءا من هذه الذاكرة ظل خارج دائرة التعريف والتوثيق بالشكل الذي يليق بمكانة المنطقة في تاريخ الاستقلال.

ولا يمكن اختزال تاريخ أجزناية في مناسبة سنوية أو في زيارة رسمية لمقبرة الشهداء، لأن هذه الأرض كانت مسرحا لمواجهات جعلت اسم بورد وتيزي وسلي وأجدير مرتبطا في الذاكرة الوطنية بمرحلة حاسمة من الكفاح المسلح، ولذلك فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من تخليد الذكرى إلى بناء ذاكرة وطنية حية، تحفظ أسماء الرجال والنساء الذين ساهموا في المقاومة، وتجمع شهادات أسرهم ووثائقهم وصورهم ومذكراتهم، وتقدم للأجيال الجديدة تاريخ المنطقة باعتباره جزءا أصيلا من تاريخ المغرب.

وتكتسي هذه الدعوة أهمية أكبر بالنظر إلى أن المغفور له الملك محمد الخامس خص تازة بزيارة تاريخية يوم 14 يوليوز 1956، بعد الاستقلال، لتفقد مراكز جيش التحرير والترحم على أرواح الشهداء، في رسالة ملكية واضحة تعكس مكانة هذه المنطقة في مسار الكفاح الوطني. ومن ثم فإن المنطقة ليست مجرد محطة تحضر إليها الوفود الرسمية مرة كل سنة لإحياء ذكرى، وإنما هي جزء من ذاكرة الوطن، ومن الواجب أن يتحول هذا الاعتراف التاريخي إلى سياسات تنموية ومؤسساتية مستمرة.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل ما تحقق خلال المرحلة التي قاد فيها مصطفى المعزة عمالة إقليم تازة، حيث ساهمت السلطة الإقليمية آنذاك في الدفع بمسار التأهيل المجالي وإخراج عدد من المناطق والجماعات من دائرة الإقصاء، وبرز ذلك بشكل خاص في جماعات أجدير وتيزي وسلي وبورد، التي استفادت، لأول مرة بشكل ملموس، من أوراش مرتبطة بالتأهيل الحضري وتحسين البنيات الأساسية وربط عدد من المناطق بشبكات الماء والكهرباء.

وقد شكل هذا المسار، مهما كانت حدوده، تحولا مهما بالنسبة لمناطق ظلت لسنوات طويلة خارج أولويات التأهيل الترابي، وأثبت أن تجاوز التهميش في جماعات الريف لا يحتاج إلى شعارات، وإنما إلى إرادة إدارية ومشاريع ميدانية واستمرارية في التتبع، وهو ما يجعل الحفاظ على المكتسبات واستكمالها مسؤولية المرحلة الحالية.

ومن هنا تبرز مسؤولية عامل إقليم تازة رشيد بنشيخي، ليس باعتباره المسؤول الترابي الحالي فقط، وإنما باعتباره مؤتمنا على استكمال مسار تأهيل جماعات الريف بالإقليم، والدفع نحو تحقيق عدالة مجالية تجعل أجدير وتيزي وسلي وبورد وأجزناية الجنوبية وغيرها من المناطق تستفيد من المشاريع العمومية بما يتناسب مع موقعها التاريخي وحاجاتها الاجتماعية والمجالية.

فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية تتجاوز معالجة الحاجيات الآنية، نحو برنامج متكامل لتأهيل جماعات الريف بإقليم تازة، يشمل الطرق والمسالك، والماء والكهرباء، والصحة والتعليم، والنقل، والمرافق الرياضية والثقافية، ودعم الاقتصاد المحلي، وخلق ظروف تمكن الشباب من البقاء والاستقرار في مناطقهم بدل استمرار النزيف الديمغرافي والهجرة نحو المدن.

كما أن التنمية لا ينبغي أن تكون منفصلة عن الذاكرة، بل يمكن تحويل تاريخ المنطقة إلى رافعة للتنمية الثقافية والسياحية والتربوية، عبر تثمين مواقع المقاومة، وتأهيل المقابر التاريخية، ووضع مسارات للذاكرة، وإنشاء فضاءات للتوثيق والعرض، وربط هذه المواقع بالمؤسسات التعليمية والثقافية، حتى تتحول أجزناية من منطقة تستقبل وفدا رسميا في ذكرى وطنية إلى وجهة دائمة للتعريف بتاريخ المقاومة المغربية.

وفي هذا الإطار، فإن مبادرة تشييد فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بجماعة أجدير، التي تمت معاينة القطعة الأرضية المخصصة لها خلال أنشطة هذه الذكرى، تعد مبادرة مهمة وقيمة، لأنها يمكن أن تشكل مؤسسة حقيقية لحفظ ذاكرة المنطقة وتوثيق بطولات أبنائها، غير أن قيمتها ستظل أكبر إذا جاءت ضمن رؤية تنموية متكاملة تجعل الذاكرة جزءا من مشروع شامل للنهوض بالمنطقة.

فالمنطقة تحتاج إلى دار للذاكرة، نعم، لكنها تحتاج قبل ذلك وبالتوازي معها إلى تنمية تجعل سكانها يشعرون بأن تضحيات آبائهم وأجدادهم لم تذهب سدى، وأن أبناء منطقة شاركت في معركة الاستقلال لا يمكن أن يستمروا في مواجهة مظاهر التهميش لعقود طويلة بعد أن تحقق الاستقلال.

إن إنصاف الشهداء لا يكون فقط بوضع الزهور على قبورهم في الثاني من أكتوبر، وإنما أيضا ببناء المدارس والمراكز الصحية والطرق والمرافق العمومية، وتحسين ظروف عيش أحفادهم، وحماية الذاكرة الجماعية للمنطقة، وفتح المجال أمام شبابها، وربط جماعاتها بمحيطها الاقتصادي، وتحويل تاريخ المقاومة إلى مصدر اعتزاز وفرص تنموية حقيقية.

كما أن على السلطات الإقليمية والمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير والمجالس المنتخبة أن ترفع مستوى الترافع من أجل تاريخ المنطقة، وأن تعمل على إدماج أجزناية ومراكز المقاومة بإقليم تازة ضمن المشاريع الوطنية المرتبطة بالذاكرة التاريخية، لأن ما وقع هنا لم يكن حدثا محليا محدودا، بل كان جزءا من المعركة التي ساهمت في كسر شوكة الاستعمار وفتح الطريق أمام استقلال المغرب.

وتشير الوثائق التاريخية إلى أن عمليات جيش التحرير التي انطلقت في شمال البلاد وصلت في 2 أكتوبر 1955 إلى مراكز بورد وأكنول وتيزي وسلي، ضمن المجال الذي اشتهر لاحقا باسم “مثلث الموت”، حيث واجه المقاومون المغاربة القوات الاستعمارية في ظروف صعبة، وساهموا في خلق ضغط عسكري وسياسي كان له أثر في تسريع مسار إنهاء الحماية الفرنسية.

ولهذا فإن أجزناية لا ينبغي أن تكون مجرد عنوان موسمي للذاكرة، ولا ينبغي أن يختزل حضورها الوطني في يوم واحد من السنة. إنها صفحة من صفحات تاريخ المغرب، وأرض قدمت الشهداء والمقاومين، ومن حق سكانها اليوم أن يروا أثر ذلك التاريخ في واقعهم، من خلال تنمية متوازنة وإنصاف مجالي ومشاريع قادرة على تغيير حياة الناس.

إن تخليد الذكرى الواحدة والسبعين لانطلاق عمليات جيش التحرير مناسبة مهمة لاستحضار أمجاد المقاومة، لكن الأهم هو أن تكون هذه الذكرى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الترافع المؤسساتي حول المنطقة، وأن تتحول الرسالة الوطنية التي تحملها مقابر الشهداء في تغزراتين وأجدير وتيزي وسلي إلى التزام عملي تجاه السكان.

فأجزناية لا تطلب امتيازا لأنها منطقة مقاومة، وإنما تطلب إنصافا يليق بمكانتها في تاريخ الوطن. وأجدير وتيزي وسلي وبورد ليست مجرد جماعات ترابية تنتظر مشاريع متفرقة، وإنما فضاء تاريخي كان في صلب معركة الاستقلال، ويستحق اليوم أن يكون في صلب معركة جديدة عنوانها التنمية والكرامة والعدالة المجالية.

وبين ذاكرة الشهداء وحاجات السكان، تقف السلطات الإقليمية اليوم أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في استكمال ما بدأته مراحل سابقة من تأهيل، وتوسيع المشاريع التنموية، وتقوية البنيات الأساسية، والترافع من أجل هذه المناطق، حتى لا تبقى أجزناية حاضرة بقوة في كتب تاريخ المقاومة وغائبة نسبيا عن خرائط التنمية.

فالوفاء الحقيقي لرجال المقاومة ليس فقط أن نتذكر أسماءهم، وإنما أن نجعل المناطق التي دافعوا عنها تعيش حياة أفضل، وأن نحفظ ذاكرة أبنائها، وأن نضمن لأحفادهم مستقبلا يليق بوطن ضحوا من أجله. وتلك، في نهاية المطاف، هي أعمق رسالة يمكن أن تحملها ذكرى الثاني من أكتوبر 1955.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى