مجالس وطنية استثنائية للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة.. قرارات المشاركة في حكومة المنصوري بين الحسم السياسي والشرعية التنظيمية

تتجه أربعة أحزاب سياسية مغربية، هي التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة، إلى عقد مجالسها الوطنية الاستثنائية، في سياق سياسي يتسم بتسارع المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة التي كلف الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، برئاستها، عقب تصدر حزبها نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر الماضي، في محطة تفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة التحالفات السياسية وتحديد ملامح الأغلبية الحكومية المقبلة.
وتأتي هذه الاجتماعات التنظيمية في توقيت متزامن مع انطلاق المشاورات الرسمية لتشكيل الحكومة، حيث تستعد الأحزاب المعنية لعرض مواقفها بشأن المشاركة في التجربة الحكومية المقبلة أو التوجه إلى المعارضة، وسط مؤشرات سياسية تفيد باستعداد عدد من هذه التشكيلات للانخراط في الأغلبية التي تقودها المنصوري، وهو ما يجعل هذه المجالس محطات مؤسساتية لتثبيت المواقف السياسية وإضفاء الطابع التنظيمي على القرارات المرتبطة بالمرحلة الجديدة.
وفي هذا السياق، يعقد حزب التجمع الوطني للأحرار مجلسه الوطني الاستثنائي بالرباط، بعدما عبر مكتبه السياسي، برئاسة محمد شوكي، عن استعداد الحزب للمشاركة في الحكومة المقبلة، معتبرا أن مواصلة الإسهام من موقع المسؤولية تتيح استكمال الأوراش والإصلاحات المفتوحة والمساهمة في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية. وقد أحال المكتب السياسي الحسم النهائي في قرار المشاركة على المجلس الوطني، وفق المساطر التنظيمية المعتمدة داخل الحزب، بعد المشاورات التي أجراها وفده مع رئيسة الحكومة المعينة.
أما حزب الاستقلال، الذي حل ثالثا في الانتخابات التشريعية بحصوله على 65 مقعدا، فيتجه بدوره إلى عقد مجلسه الوطني الاستثنائي للتداول في موقعه ضمن الخريطة السياسية الجديدة، وتحديد موقفه من المشاركة في الحكومة المقبلة، وذلك بعد اللقاء الذي جمع الأمين العام نزار بركة بفاطمة الزهراء المنصوري في إطار المشاورات الحكومية. وقد أكد الحزب أن قراره سيصدر عن مؤسساته التقريرية، في وقت تظل فيه مشاركته المحتملة مرتبطة أيضا بمسار المفاوضات بشأن تشكيل الأغلبية والبرنامج الحكومي المقبل.
وبدوره، يستعد حزب الحركة الشعبية لعقد مجلسه الوطني الاستثنائي، من أجل التداول في مستقبله السياسي خلال الولاية التشريعية الجديدة، وتحديد موقفه من الانضمام إلى الحكومة أو الاصطفاف في المعارضة، في ظل توجهه إلى مواصلة حضوره في المشهد المؤسساتي، ومواكبة التحولات التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة. ويأتي هذا الاجتماع في سياق مشاورات شملت عددا من الأحزاب الممثلة في البرلمان، بما فيها الحركة الشعبية، التي باتت مطالبة بتحديد موقعها من الأغلبية المرتقبة وأولوياتها السياسية والتنموية.
وفي المقابل، يعقد حزب الأصالة والمعاصرة مجلسه الوطني بمدينة الصخيرات، في محطة تنظيمية تكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى تصدره الانتخابات التشريعية بحصوله على 97 مقعدا من أصل 395 مقعدا بمجلس النواب، فضلا عن التكليف الملكي لفاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة الجديدة. ومن المنتظر أن يتداول المجلس في نتائج الاستحقاقات الانتخابية، وتقييم الحصيلة السياسية والتنظيمية للحزب، إلى جانب مناقشة مستجدات المرحلة المقبلة، وتفويض أو تثبيت التوجهات المتعلقة بالمشاورات الرامية إلى بناء أغلبية حكومية قادرة على ضمان الاستقرار المؤسساتي وتنفيذ البرنامج الحكومي.
وتكتسب اجتماعات هذه الأحزاب أهميتها من كونها تأتي بعد مشاورات أولية جمعت المنصوري بممثلي عدد من التشكيلات السياسية، وفي مقدمتها التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية، فضلا عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، في إطار مساع لتوسيع دائرة التوافق حول تركيبة الحكومة المقبلة. كما أن نتائج الانتخابات، التي منحت الأصالة والمعاصرة 97 مقعدا، مقابل 66 مقعدا للتجمع الوطني للأحرار و65 مقعدا لحزب الاستقلال، تجعل تشكيل الأغلبية رهينا بتحالفات متعددة، بالنظر إلى عدم تمكن أي حزب من الحصول على الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا.
مجالس استثنائية في سياق توجهات سياسية متبلورة
ورغم الطابع المؤسساتي لهذه الاجتماعات، فإن تزامنها مع مشاورات تشكيل الحكومة، والمواقف التي عبرت عنها بعض القيادات الحزبية قبل انعقاد مجالسها الوطنية، يطرح تساؤلات حول طبيعة الدور الفعلي الذي ستضطلع به هذه الهيئات في اتخاذ القرار، ومدى قدرتها على مناقشة الخيارات المطروحة بصورة مفتوحة، في ظل وجود مؤشرات على تبلور توجهات سياسية داخل القيادات المركزية بشأن المشاركة في الأغلبية المقبلة.
فإعلان المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار استعداده للمشاركة، وإحالة القرار النهائي على المجلس الوطني، يعكسان وجود توجه معلن داخل القيادة، في انتظار استكمال المسطرة التنظيمية. كما أن تصريحات قيادة حزب الاستقلال بشأن إحالة مسألة المشاركة على المجلس الوطني تضع الاجتماع في موقع المؤسسة المخول لها إضفاء الشرعية التنظيمية على القرار النهائي، بينما تظل المواقف الرسمية للحركة الشعبية مرتبطة بما ستسفر عنه مداولات مجلسها الوطني.
ويعيد هذا المسار إلى الواجهة النقاش حول حدود الديمقراطية الداخلية في الأحزاب المغربية، ومدى التوازن بين صلاحيات القيادات السياسية والاختصاصات الممنوحة للمؤسسات التقريرية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقرارات استراتيجية من قبيل المشاركة في الحكومة أو الانتقال إلى المعارضة. فالمجالس الوطنية ليست مجرد محطات شكلية بحكم طبيعتها، بل تشكل، من الناحية التنظيمية، فضاءات للتداول والمصادقة على التوجهات السياسية، غير أن القيمة الديمقراطية لهذه الاجتماعات تظل مرتبطة بمدى توفر النقاش الحقيقي، وتعدد الآراء، وإمكانية التأثير الفعلي للأعضاء في القرار النهائي.
وفي الوقت الذي قد تنظر فيه بعض القراءات السياسية إلى هذه الاجتماعات باعتبارها محطات لتزكية اختيارات سبق أن تبلورت لدى القيادات، فإن الحسم في كونها شكلية أو ذات أثر فعلي يظل رهينا بما ستكشف عنه أشغالها، وطبيعة القرارات التي ستصدر عنها، ومدى انعكاس مداولاتها على مسار المفاوضات الحكومية. كما أن مجرد إعلان الاستعداد للمشاركة لا يعني بالضرورة أن جميع تفاصيل الانضمام إلى الأغلبية قد حسمت، إذ تبقى المفاوضات المتعلقة بالحقائب الوزارية، والأولويات البرنامجية، وآليات التنسيق بين مكونات الحكومة، عناصر مؤثرة في القرار النهائي.
الأصالة والمعاصرة أمام مسؤولية قيادة المرحلة
ويجد حزب الأصالة والمعاصرة نفسه أمام وضع سياسي جديد، بعدما انتقل من موقع المشاركة في الأغلبية السابقة إلى موقع الحزب المتصدر للانتخابات، مع تولي منسقته الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة بتكليف ملكي. ويضع هذا التحول الحزب أمام مسؤولية تدبير مشاورات تشكيل أغلبية منسجمة، قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين، ومواكبة الأوراش الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، في ظل تحديات ترتبط بالتشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والتنمية المجالية.
ويشكل المجلس الوطني المنعقد بالصخيرات فرصة أمام الحزب لمناقشة دلالات النتائج الانتخابية، وتحديد الأولويات السياسية والتنظيمية للمرحلة المقبلة، خصوصا أن تصدر الانتخابات لا يمنح الحزب بمفرده أغلبية مريحة داخل مجلس النواب، ما يفرض عليه الانفتاح على شركاء محتملين وبناء توافقات بشأن البرنامج الحكومي وتوزيع المسؤوليات.
كما أن تولي المنصوري رئاسة الحكومة يضع الحزب أمام اختبار الانتقال من الخطاب الانتخابي إلى التدبير التنفيذي، بما يستلزمه ذلك من تنسيق بين القيادة الحزبية والفريق الحكومي، وضمان الانسجام بين الالتزامات السياسية والقرارات العمومية. ومن شأن مخرجات المجلس الوطني أن تحدد الإطار التنظيمي والسياسي الذي سيؤطر مشاركة الحزب في مفاوضات تشكيل الحكومة، ويضبط علاقته بباقي مكونات الأغلبية المرتقبة.
الأغلبية المقبلة واختبار الممارسة الديمقراطية
وتكشف هذه الاجتماعات المتزامنة عن مرحلة دقيقة في الحياة السياسية المغربية، لا تقتصر على تحديد الأحزاب التي ستشارك في الحكومة، بل تمتد إلى اختبار الممارسة الديمقراطية داخل التنظيمات الحزبية، ومدى احترام المؤسسات التقريرية في تدبير الخيارات الكبرى. فالمواطنون، الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع في 23 شتنبر، ينتظرون أن تفضي المشاورات إلى حكومة قادرة على ترجمة الالتزامات الانتخابية إلى برامج وإجراءات ملموسة، في وقت يظل فيه تعزيز الثقة في المؤسسات السياسية أحد الرهانات المطروحة أمام مختلف الفاعلين.
وفي هذا الإطار، لن تقاس أهمية المجالس الوطنية الاستثنائية بمجرد انعقادها أو إصدار بيانات ختامية تعلن المشاركة في الحكومة، بل بما ستتيحه من نقاش حول طبيعة التحالفات، وأولويات المرحلة، ومسؤولية الأحزاب في مراقبة العمل الحكومي أو المشاركة فيه. كما أن وضوح القرارات الصادرة عن هذه الهيئات، وتحديد مبرراتها السياسية والبرنامجية، من شأنهما تعزيز الشفافية التنظيمية وإبراز مدى استقلالية المؤسسات الحزبية في اتخاذ القرار.
وبين توجهات القيادات المركزية ومداولات المجالس الوطنية، تتجه الأنظار إلى مخرجات اجتماعات التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة، باعتبارها محطات ستسهم في توضيح معالم الأغلبية الحكومية المقبلة، وتحديد طبيعة التوازنات السياسية التي ستؤطر الولاية التشريعية الجديدة، في انتظار استكمال المشاورات والإعلان عن التركيبة النهائية للحكومة وبرنامجها.






