سياسة

198 مقعداً تصنع معادلة الحكومة الجديدة.. لماذا أصبحت خريطة التحالفات أهم من ترتيب الانتخابات؟

لم تُغلق نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026 الباب أمام المنافسة السياسية، بل فتحت مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بكيفية تحويل الخريطة البرلمانية الجديدة إلى أغلبية حكومية قادرة على الحصول على ثقة مجلس النواب. فتصدر حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات بـ97 مقعداً من أصل 395 لم يمنحه أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة منفرداً، بينما تحتاج الحكومة، عند عرض برنامجها أمام مجلس النواب، إلى الحصول على ثقة الأغلبية المطلقة، أي 198 صوتاً على الأقل.

وهكذا انتقل مركز الثقل السياسي، مباشرة بعد إعلان النتائج، من سؤال «من تصدر الانتخابات؟» إلى سؤال أكثر تركيباً: «كيف ستتجمع المقاعد داخل أغلبية حكومية قادرة على ضمان التنصيب البرلماني؟». وبين الرقمين 97 و198 توجد مساحة واسعة من التفاوض السياسي، تجعل التحالفات والبرامج والتفاهمات بين الأحزاب عاملاً حاسماً في تحديد شكل الحكومة المقبلة.

من 97 مقعداً إلى 198.. مسافة سياسية لا تحسمها الصدارة

تكشف الأرقام الأولية للخريطة الجديدة حجم التحدي أمام الحزب المتصدر. فقد حصل الأصالة والمعاصرة على 97 مقعداً، مقابل 66 للتجمع الوطني للأحرار، و65 لحزب الاستقلال، و54 لحزب العدالة والتنمية، بينما توزعت المقاعد المتبقية على عدد من الأحزاب الأخرى.

وبالحساب البرلماني البسيط، فإن الحزب المتصدر يحتاج إلى شركاء للوصول إلى عتبة الأغلبية المطلقة. وحتى الجمع بينه وبين أي واحد من الأحزاب الثلاثة التالية في الترتيب لا يصل، وفق النتائج المعلنة، إلى 198 مقعداً؛ إذ يبلغ مجموع مقاعده مع التجمع الوطني للأحرار 163، ومع الاستقلال 162، ومع العدالة والتنمية 151.

وفي المقابل، فإن جمع مقاعد الأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية الحكومية السابقة، أي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، يصل إلى 228 مقعداً، وهو رقم يتجاوز عتبة الأغلبية المطلقة، لكنه يمثل فقط إمكانية حسابية لا تعني بالضرورة أن هذه التركيبة ستتكرر، لأن تشكيل الحكومة يظل نتيجة لمشاورات سياسية وبرنامج مشترك وتفاهمات بين الأطراف المعنية.

وهنا تكمن أهمية المرحلة الحالية: الأرقام تشرح الإمكانات، لكنها لا تحدد وحدها التحالفات.

الدستور يحدد نقطة البداية.. والمفاوضات ترسم بقية الطريق

تنطلق عملية تشكيل الحكومة من قاعدة دستورية واضحة، إذ ينص الفصل 47 على تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، فيما يتم تعيين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيس الحكومة. وبعد ذلك، يتعين على الحكومة عرض برنامجها أمام البرلمان والحصول على ثقة مجلس النواب وفق الشروط المنصوص عليها في الفصل 88.

وتكتسب هذه المقتضيات أهمية خاصة في المرحلة الراهنة، لأنها تميز بين مرحلتين مختلفتين: الأولى مرتبطة بتعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر، والثانية مرتبطة ببناء أغلبية برلمانية قادرة على دعم البرنامج الحكومي.

وبمعنى آخر، فإن الفوز بالمرتبة الأولى يمنح الحزب موقعاً أساسياً في عملية تشكيل الحكومة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى التفاوض مع بقية القوى السياسية داخل البرلمان.

المشاورات.. عندما تتحول المقاعد إلى برنامج سياسي

انطلاق المشاورات خلال الأيام الأخيرة نقل المشهد السياسي إلى مستوى جديد، حيث بدأت اللقاءات بين رئيسة الحكومة المكلفة وعدد من الأحزاب الممثلة في البرلمان. وتشير المعطيات المنشورة حول هذه المشاورات إلى تعدد الخيارات المطروحة أمام قيادة الحكومة الجديدة، في ظل عدم امتلاك أي حزب للأغلبية منفرداً.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بتجميع 198 مقعداً، لأن أي أغلبية حكومية تحتاج أيضاً إلى حد أدنى من الانسجام السياسي والقدرة على الاتفاق حول برنامج العمل الحكومي.

فالحكومة ليست مجرد مجموع حسابي للأحزاب، وإنما إطار سياسي ومؤسساتي يفترض تحديد الأولويات، وتوزيع المسؤوليات، والاتفاق على الإصلاحات الكبرى، وتحديد كيفية التعامل مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية والاستثمارية.

ولهذا فإن المفاوضات الحالية تحمل بعداً يتجاوز توزيع الحقائب، لأنها ستحدد كذلك طبيعة البرنامج الذي ستقدمه الحكومة الجديدة أمام البرلمان.

خريطة التحالفات أهم من ترتيب الأحزاب؟

توضح نتائج 23 شتنبر أن ترتيب الأحزاب أعطى الحزب المتصدر أفضلية سياسية ودستورية، لكنه لم يمنحه القدرة العددية على التحكم منفرداً في مسار تشكيل الحكومة.

ومن هنا تكتسب الخريطة البرلمانية أهمية خاصة، لأن كل حزب أصبح يمتلك قيمة تفاوضية تختلف بحسب عدد مقاعده وموقعه السياسي ومدى قدرته على الانضمام إلى أغلبية منسجمة.

وهذا ما يجعل المرحلة الحالية مختلفة عن مرحلة الحملة الانتخابية. ففي الانتخابات كان التنافس يتمحور حول الحصول على أصوات الناخبين واحتلال المراتب الأولى، بينما أصبح التحدي بعد النتائج مرتبطاً بالقدرة على بناء توافقات داخل المؤسسة التشريعية.

وتظهر هذه المعادلة بوضوح في الحسابات الحالية: فهناك تركيبات تتجاوز 198 مقعداً حسابياً، وأخرى لا تبلغها، لكن العامل السياسي هو الذي سيحدد أي تفاهمات يمكن تحويلها إلى أغلبية فعلية.

التجمع والاستقلال والعدالة والتنمية.. أرقام تصنع مساحة تفاوض

الحزب المتصدر لا يتفاوض في فراغ، بل أمام خريطة حزبية تضم قوى برلمانية متفاوتة الحجم.

فالتجمع الوطني للأحرار، بـ66 مقعداً، يمثل رقماً برلمانياً مهماً في أي عملية حسابية لتكوين الأغلبية، بينما يحتل الاستقلال موقعاً قريباً منه بـ65 مقعداً، ويعود العدالة والتنمية إلى البرلمان بـ54 مقعداً، إلى جانب الأحزاب الأخرى التي تمتلك بدورها عدداً من المقاعد يمكن أن يصبح مؤثراً في الحسابات النهائية.

لكن قيمة هذه الأرقام لا تقاس فقط بعدد المقاعد، وإنما كذلك بالمواقف السياسية التي ستتخذها الأحزاب خلال المشاورات، وبمدى استعدادها للاتفاق حول برنامج حكومي مشترك.

وهنا يتحول البرلمان الجديد إلى فضاء للتفاوض السياسي، بحيث لا يعود السؤال متعلقاً فقط بمن حل أولاً أو ثانياً، وإنما بمن يستطيع بناء قاعدة برلمانية مستقرة للحكومة المقبلة.

الحكومة المقبلة أمام مرحلة مختلفة

وتأتي هذه المفاوضات في سياق وطني يتسم بارتفاع حجم الأوراش الاقتصادية والاستثمارية والاستعدادات المرتبطة باستحقاقات كبرى، ما يجعل الحكومة المقبلة أمام ملفات متعددة تتطلب وضوحاً في الأولويات وقدرة على التنسيق بين مختلف القطاعات.

ومن بين الملفات المنتظرة قضايا التشغيل والاستثمار والحماية الاجتماعية والتعليم والصحة، إلى جانب مواصلة المشاريع الكبرى المرتبطة بالبنية التحتية والاستعدادات التنظيمية والاقتصادية للاستحقاقات الدولية التي سيحتضنها المغرب.

ولهذا فإن أهمية تشكيل الأغلبية لا تكمن في الرقم البرلماني وحده، وإنما في قدرة هذه الأغلبية، بعد تشكيلها، على توفير الاستقرار السياسي والمؤسساتي اللازم لتنفيذ البرنامج الحكومي.

198 صوتاً.. الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الاتفاق

حتى بعد انتهاء المشاورات والوصول إلى تركيبة حكومية، يبقى الاختبار البرلماني قائماً. فالفصل 88 من الدستور ينص على أن الحكومة لا تعتبر منصبة إلا بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس. وبوجود 395 نائباً، تعني هذه الأغلبية 198 صوتاً على الأقل.

وهذا يجعل الرقم 198 أكثر من مجرد عتبة حسابية؛ إنه الرقم الذي يحول التفاهمات السياسية إلى أغلبية برلمانية قادرة على منح الحكومة الثقة.

ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت التحالفات أهم من مجرد ترتيب النتائج. فالانتخابات تحدد الخريطة، لكن المشاورات تحدد كيفية اشتغال هذه الخريطة، والبرنامج الحكومي يحدد مضمون التوافق، ثم يأتي التصويت البرلماني ليمنح الحكومة أساسها المؤسساتي.

درس 2017 يعود إلى الواجهة

التجربة الدستورية المغربية تقدم بدورها سابقة توضح أن تشكيل الحكومة يمكن أن يكون مساراً تفاوضياً معقداً. ففي انتخابات 2016 تصدر حزب العدالة والتنمية، وكُلف رئيسه آنذاك بتشكيل الحكومة، قبل أن يتم لاحقاً تكليف شخصية أخرى من الحزب نفسه بعد تعثر المفاوضات، وانتهى الأمر بتشكيل ائتلاف حكومي ضم ستة أحزاب.

ولا يعني استحضار هذه التجربة أن السيناريو نفسه سيتكرر في 2026، وإنما يوضح أن النتائج الانتخابية تمثل بداية المسار، بينما تحدد المفاوضات السياسية والقدرة على بناء الأغلبية شكل الحكومة النهائي.

مرحلة ما بعد الصندوق

المشهد الحالي يعكس، في نهاية المطاف، طبيعة النظام البرلماني الذي يجعل الانتخابات نقطة انطلاق لمسار سياسي ومؤسساتي متكامل. فقد حدد الناخبون ترتيب القوى السياسية، ومنحوا الحزب المتصدر موقعاً متقدماً داخل الخريطة الجديدة، لكنهم لم يمنحوا أي حزب أغلبية منفردة.

وبذلك أصبحت الـ198 مقعداً هي الرقم الذي يدور حوله الجزء الأكبر من الحسابات البرلمانية المقبلة، بينما ستحدد المشاورات السياسية كيفية الوصول إليها، وعلى أي أساس سيتم بناء الأغلبية.

والأهم أن نجاح أي صيغة حكومية لن يقاس فقط بقدرتها على جمع العدد المطلوب من النواب، وإنما بمدى قدرتها على إنتاج برنامج واضح، وتحقيق الانسجام بين مكوناتها، وتحويل الأغلبية العددية إلى أغلبية سياسية ومؤسساتية قادرة على العمل.

وفي انتظار اكتمال المشاورات، تبقى الخريطة مفتوحة على أكثر من إمكانية حسابية، فيما تظل الكلمة السياسية الفاصلة مرتبطة بالتفاهمات التي ستخرج بها المفاوضات، وبالبرنامج الذي ستقدمه الحكومة الجديدة أمام مجلس النواب، قبل أن يحسم التصويت البرلماني السؤال النهائي حول تنصيبها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى