270 مليون أورو تعيد رسم خريطة المطارات المغربية.. وفاس تدخل مرحلة جديدة نحو 3 ملايين مسافر في أفق 2030

دخل قطاع النقل الجوي المغربي مرحلة جديدة من التوسع والتحديث، بعد توقيع اتفاقية تمويل بقيمة 270 مليون أورو بين المغرب والبنك الإفريقي للتنمية، موجهة إلى برنامج متكامل لتوسعة وتحديث البنيات التحتية لأربعة مطارات استراتيجية هي مراكش وأكادير وطنجة وفاس، في خطوة تندرج ضمن الاستعداد للنمو الكبير المرتقب في حركة المسافرين وتعزيز موقع المملكة كمنصة جوية تربط أوروبا بإفريقيا وباقي الأسواق الدولية.
الاتفاقية التي وقعت بالدار البيضاء يوم 29 شتنبر 2026، لفائدة المكتب الوطني للمطارات، لا تهم مجرد توسيع بنايات المطارات، وإنما ترتبط ببرنامج أوسع يروم الرفع من الطاقة الاستيعابية، وتحديث التجهيزات، وتطوير أنظمة الملاحة الجوية، وتقوية شروط السلامة والأمن، وتحديث معالجة الأمتعة، إلى جانب إدخال حلول رقمية من شأنها تسريع مختلف مراحل عبور المسافر داخل المطار.
فاس.. من 2.5 مليون إلى 3 ملايين مسافر
وتبرز فاس بشكل خاص داخل هذا البرنامج، بالنظر إلى أن مطار فاس سايس يتوفر حاليا، وفق المعطيات الرسمية للمكتب الوطني للمطارات، على محطة جوية تبلغ مساحتها 28 ألف متر مربع وطاقة استيعابية تصل إلى 2.5 مليون مسافر سنويا، فيما تستهدف الاستثمارات الجديدة رفع هذه القدرة إلى 3 ملايين مسافر سنويا في أفق 2030.
ويعني ذلك أن المطار الفاسي سيحتاج إلى الانتقال من بنيته الحالية إلى منظومة قادرة على التعامل مع حركة أكبر وأكثر تنوعا، خصوصا أن فاس لم تعد تعتمد فقط على الطلب المحلي، بل أصبحت مرتبطة بعدد مهم من الوجهات الأوروبية، وتشمل الشبكة الحالية مدنا في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وبريطانيا وغيرها.
ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية بالنسبة لفاس ومكناس ومختلف أقاليم جهة فاس مكناس، لأن تطوير المطار لا يرتبط فقط بالنقل الجوي، وإنما يفتح المجال أمام تعزيز السياحة الدولية، وتسهيل تنقل المستثمرين والمهنيين، ودعم الاقتصاد المرتبط بالخدمات والفندقة والنقل، وتقوية جاذبية الجهة بالنسبة للاستثمارات التي تحتاج إلى ربط جوي منتظم وسريع.
مطار فاس أمام سقف جديد
وتكشف الأرقام الرسمية عن الفارق الذي يفصل المطار حاليا عن الهدف الجديد. فالمكتب الوطني للمطارات يحدد الطاقة الاستيعابية الحالية لمطار فاس سايس في 2.5 مليون مسافر سنويا، بينما يرفع برنامج التوسعة هذا السقف إلى 3 ملايين بحلول 2030.
ولا يتوقف الأمر عند زيادة عدد المسافرين الذين يمكن للمطار استقبالهم، إذ يتضمن البرنامج تحديثا للتجهيزات والبنيات الخاصة بوقوف الطائرات وحركة الطيران ومعالجة الأمتعة والسلامة والأمن، بما يسمح للمطار بمواكبة الارتفاع التدريجي في الطلب وتحسين ظروف استقبال المسافرين.
ويأتي ذلك في سياق نمو عام يشهده النقل الجوي بالمغرب؛ فقد سجلت مطارات المملكة خلال سنة 2025 رقما قياسيا بلغ 36.3 مليون مسافر، بزيادة بلغت 11 في المائة مقارنة مع سنة 2024، بحسب المكتب الوطني للمطارات. وربط المكتب هذه الدينامية بالنمو المستمر لحركة النقل الجوي وبالاستعدادات المرتبطة باستراتيجية «مطارات 2030».
أربعة مطارات.. وقدرات أكبر قبل 2030
البرنامج لا يركز على فاس وحدها، وإنما يستهدف أربعة مراكز جوية ذات أدوار مختلفة داخل المنظومة الوطنية. وبحلول سنة 2030، يرتقب أن تصل الطاقة الاستيعابية إلى 14 مليون مسافر بمطار مراكش، و5 ملايين بأكادير، و3.6 ملايين بطنجة، و3 ملايين بمطار فاس.
وتشير هذه الأهداف إلى حجم التحول المنتظر في هذه المطارات، التي تشكل بوابات رئيسية للسياحة والاستثمار والتجارة، وتؤدي أدوارا متكاملة داخل شبكة النقل الجوي الوطنية.
ويشمل البرنامج، بحسب وزارة الاقتصاد والمالية، توسعة وتجديد المحطات الجوية، وتهيئة مناطق وقوف الطائرات ومدارج وممرات حركة الطائرات، إضافة إلى بناء برج جديد للمراقبة الجوية بمراكش، وتحديث معدات السلامة والأمن وأنظمة معالجة الأمتعة.
38 مليار درهم.. الاستثمار الأوسع في «مطارات 2030»
ويأتي تمويل البنك الإفريقي للتنمية ضمن رؤية استثمارية أكبر بكثير، إذ سبق للمغرب والمكتب الوطني للمطارات أن وقعا في يوليوز 2025 بروتوكول اتفاق للفترة الممتدة بين 2025 و2030، بقيمة استثمارية إجمالية تصل إلى 38 مليار درهم.
ويخصص هذا البرنامج 25 مليار درهم لتطوير القدرة الاستيعابية لعدد من المطارات، بما فيها مراكش وأكادير وطنجة وفاس، إلى جانب إنشاء محطة جديدة ومدرج جديد بمطار محمد الخامس، فيما تخصص 13 مليار درهم للصيانة والتحديث واقتناء العقار المرتبط بالشبكة المطارية.
وبذلك، فإن التمويل الجديد البالغ 270 مليون أورو لا يمثل برنامجا معزولا، وإنما يشكل جزءا من منظومة استثمارية أوسع تستهدف إعادة تأهيل شبكة المطارات المغربية ورفع قدرتها على استيعاب الطلب خلال السنوات المقبلة.
فاس في قلب التحول الجوي
بالنسبة لفاس، تبدو دلالة المشروع أكبر من مجرد إضافة نصف مليون مسافر إلى الطاقة الاستيعابية السنوية للمطار. فالرهان الحقيقي يتمثل في تحويل مطار فاس سايس إلى بنية قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والسياحية التي تعرفها المدينة والجهة، خصوصا مع توسع الاستثمارات في البنية التحتية والتهيئة الحضرية والقطاع السياحي.
كما أن رفع القدرة الاستيعابية وتحسين معالجة الأمتعة وتحديث التجهيزات الرقمية والأمنية يمكن أن يساهم في تحسين تجربة المسافر وتقليص زمن الإجراءات، وهي عناصر أصبحت جزءا أساسيا من المنافسة بين الوجهات والمطارات، وليس مجرد تفاصيل تقنية.
ويؤكد المكتب الوطني للمطارات أن مطار فاس سايس يتوفر حاليا على محطة تبلغ مساحتها 28 ألف متر مربع، ومدرج بطول 3200 متر وعرض 45 مترا، إضافة إلى تجهيزات للملاحة الجوية، فيما يتوفر المطار على أربع بوابات للصعود وسبعة مكاتب للتسجيل.
السياحة والاقتصاد.. المستفيد الأكبر
وتتجاوز آثار الاستثمار في المطارات قطاع الطيران نفسه، لأن توسعة القدرة الاستيعابية تعني عمليا إمكانية استقبال أعداد أكبر من السياح والمسافرين، ورفع عدد الرحلات، وتسهيل حركة رجال الأعمال، وتحسين شروط الربط بين المدن المغربية والأسواق الخارجية.
ولهذا يربط البنك الإفريقي للتنمية المشروع بتطوير السياحة والتجارة والأنشطة اللوجستية، إلى جانب تحفيز الاستثمارات العمومية والخاصة المرتبطة بالنقل الجوي. كما يتوقع البرنامج إحداث آلاف فرص العمل خلال مرحلة الإنجاز، مع تركيز خاص على الشباب والنساء.
وتبرز هنا أهمية فاس بشكل خاص، باعتبارها مدينة ذات رصيد سياحي وثقافي كبير، وبوابة لمجموعة واسعة من المواقع التاريخية والطبيعية داخل الجهة، ما يجعل جودة الربط الجوي أحد العوامل التي يمكن أن تؤثر مباشرة في قدرة المدينة على استقطاب المزيد من الزوار والأسواق السياحية.
نحو شبكة مطارات أكثر جاهزية لـ2030
الاستثمار الجديد يعكس توجها واضحا نحو جعل البنية التحتية الجوية مواكبة للطلب المتوقع خلال السنوات المقبلة، في وقت يستهدف فيه المغرب، ضمن استراتيجية «مطارات 2030»، رفع الطاقة الإجمالية لشبكة المطارات من حوالي 34 مليون مسافر إلى 80 مليون مسافر في أفق 2030.
ومن هذه الزاوية، فإن مطار فاس سايس لا يتحرك بمعزل عن التحول الذي تعرفه الشبكة الوطنية، بل يدخل ضمن منظومة متكاملة تستهدف زيادة القدرة الاستيعابية وتحسين الجودة وربط المدن المغربية بشكل أكثر فعالية بالأسواق الدولية.
وبينما ستتجه الاستثمارات إلى مراكش وأكادير وطنجة باعتبارها مراكز ذات حركة جوية وسياحية مهمة، فإن إدراج فاس ضمن البرنامج يؤكد موقعها داخل الرؤية المستقبلية للنقل الجوي بالمغرب، ويمنح مطار فاس سايس سقفا جديدا يصل إلى 3 ملايين مسافر سنويا، في انتظار أن تتحول هذه الاستثمارات إلى مشاريع ميدانية وبنيات وتجهيزات وخدمات أكثر قدرة على مواكبة حاجيات المسافرين والاقتصاد المحلي والجهوي.
وبذلك، فإن الـ270 مليون أورو تمثل حلقة جديدة في مسار طويل لإعادة تشكيل شبكة المطارات المغربية، فيما تفتح لفاس تحديدا مرحلة جديدة عنوانها توسيع الطاقة الاستيعابية، تحديث التجهيزات، تعزيز الربط الجوي، والاستعداد لدور أكبر للمدينة والجهة في حركة السياحة والأعمال والتنقل خلال السنوات المقبلة.





