27 سنة من التحول.. كيف انتقل المغرب من اقتصاد تقليدي إلى قوة إقليمية تراهن على الصناعة والاستثمار والريادة الإفريقية؟

يشكل الاحتفال بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد مناسبة للوقوف عند واحدة من أكبر التحولات الاقتصادية التي عرفتها المملكة خلال العقود الأخيرة، بعدما انتقل المغرب من اقتصاد يعتمد بشكل كبير على القطاعات التقليدية إلى نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً وانفتاحاً، يقوم على الصناعة، والاستثمار، والبنيات التحتية، والطاقات المتجددة، والاقتصاد الرقمي، مع ترسيخ مكانته كشريك استراتيجي في القارة الإفريقية وحوض البحر الأبيض المتوسط.
فمنذ سنة 1999، لم تقتصر الرؤية الملكية على تحقيق نسب نمو ظرفية، بل انصبت على بناء اقتصاد قادر على الصمود أمام الأزمات، وأكثر قدرة على جذب الاستثمارات الكبرى وخلق القيمة المضافة، وهو ما تُرجم في إطلاق مشاريع هيكلية غيرت وجه المملكة وربطت مختلف جهاتها بشبكات حديثة من الطرق السيارة، والسكك الحديدية، والموانئ، والمطارات، والمناطق الصناعية واللوجستية.
ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء نتيجة اعتماد استراتيجية طويلة المدى جعلت من البنية التحتية مدخلاً أساسياً لتحقيق التنمية الاقتصادية، حيث أصبح المغرب اليوم يتوفر على واحد من أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، وشبكة طرق سيارة تمتد لآلاف الكيلومترات، وأول قطار فائق السرعة في القارة، إلى جانب مناطق صناعية متخصصة تستقطب كبريات الشركات العالمية في قطاعات السيارات والطيران والإلكترونيات وصناعة البطاريات.
وفي أقل من ثلاثة عقود، تحول المغرب إلى منصة صناعية إقليمية، بعدما أصبحت صادراته الصناعية تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، وتراجعت تدريجياً هيمنة القطاعات التقليدية على الميزان التجاري. كما نجحت المملكة في استقطاب استثمارات أجنبية مباشرة بفضل الاستقرار السياسي، والإصلاحات الاقتصادية، وتحسين مناخ الأعمال، وتوقيع عشرات اتفاقيات التبادل الحر مع شركاء دوليين.
كما شهد قطاع الفوسفاط تحولاً استراتيجياً، إذ لم يعد دوره مقتصراً على تصدير المادة الخام، بل أصبح يعتمد على التصنيع وإنتاج الأسمدة ذات القيمة المضافة، مع توسع الحضور المغربي داخل الأسواق الإفريقية عبر شراكات واستثمارات عززت الأمن الغذائي في عدد من الدول، ورسخت مكانة المغرب كفاعل اقتصادي مؤثر داخل القارة.
وعلى مستوى الطاقات المتجددة، تمكنت المملكة من بناء تجربة أصبحت تحظى باهتمام المؤسسات الدولية، من خلال الاستثمار في الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر، في إطار رؤية تستهدف تقليص التبعية الطاقية، وتعزيز الأمن الطاقي، وجعل المغرب مركزاً إقليمياً لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة نحو أوروبا وإفريقيا.
وفي موازاة التحولات الاقتصادية، عرفت المملكة توسعاً غير مسبوق في برامج الحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية، والدعم الاجتماعي المباشر، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وهي أوراش جعلت البعد الاجتماعي جزءاً أساسياً من التنمية الاقتصادية، انطلاقاً من قناعة مفادها أن النمو لا يقاس بالأرقام فقط، بل بمدى انعكاسه على حياة المواطنين وجودة الخدمات الأساسية.
كما عزز المغرب حضوره الاقتصادي في إفريقيا، حيث أصبح من أبرز المستثمرين داخل القارة، مستفيداً من سياسة التعاون جنوب–جنوب التي أطلقت مشاريع كبرى في قطاعات الأبناك، والاتصالات، والطاقة، والأسمدة، والبنيات التحتية، ما جعل المملكة شريكاً موثوقاً للعديد من الاقتصادات الإفريقية الصاعدة.
وتستعد المملكة اليوم لمرحلة جديدة من النمو، مدفوعة بالأوراش المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، والتي لا تقتصر على البنيات الرياضية، بل تشمل تحديث المطارات، وتوسيع شبكات النقل، وتأهيل المدن، وتسريع الرقمنة، وتعزيز الاستثمار في السياحة والخدمات، وهي مشاريع ينتظر أن تخلق آلاف مناصب الشغل وتضخ استثمارات بمليارات الدراهم في مختلف جهات المملكة.
ورغم هذه المكتسبات، فإن الاقتصاد الوطني لا يزال يواجه تحديات حقيقية تفرض تسريع وتيرة الإصلاح. فالتقلبات المناخية المتكررة، وتوالي سنوات الجفاف، والاضطرابات الجيوسياسية العالمية، وارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأولية، كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر على النمو الاقتصادي، وتفرض بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وأقل ارتباطاً بالظروف المناخية.
كما أن المرحلة المقبلة تقتضي الرفع من جودة التعليم والتكوين المهني، وربطهما بشكل أكبر باحتياجات سوق الشغل، وتعزيز الابتكار والبحث العلمي، وتشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتحسين إنتاجية القطاعات ذات القيمة المضافة، حتى يتمكن المغرب من الحفاظ على تنافسيته في ظل اقتصاد عالمي يشهد تحولات متسارعة.
وبالموازاة مع ذلك، تبرز الحاجة إلى تسريع الإصلاحات الإدارية، وتبسيط المساطر، وتعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى تتحول الاستثمارات الكبرى إلى فرص تنموية يستفيد منها المواطن بشكل مباشر، سواء عبر التشغيل أو تحسين الخدمات أو تقليص الفوارق المجالية.
لقد أظهرت السنوات السبع والعشرون الماضية أن التنمية الاقتصادية في المغرب لم تعد رهينة القرارات الظرفية، بل أصبحت قائمة على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، جعلت المملكة تنتقل تدريجياً من اقتصاد يعتمد على الإمكانات التقليدية إلى اقتصاد يصنع مستقبله بالاستثمار والصناعة والابتكار والانفتاح الدولي.
ومع اقتراب محطة 2030، يبدو المغرب أمام فرصة تاريخية لتسريع هذا التحول، ليس فقط عبر استكمال الأوراش الكبرى، وإنما بتحويلها إلى رافعة حقيقية لتحقيق نمو أكثر شمولاً، وعدالة مجالية أكبر، واقتصاد أكثر تنافسية، بما يعزز مكانة المملكة كإحدى القوى الاقتصادية الصاعدة في إفريقيا والفضاء المتوسطي.






