سياسة

بنكيران يعلن «عودة المصباح» من الرباط.. من 13 مقعداً إلى حلم الريمونتادا في انتخابات 2026

من مسرح محمد الخامس بالرباط، اختار عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، أن يعلن بداية الحملة الانتخابية لحزبه برسالة سياسية شديدة الوضوح: «المصباح» لم ينته، والهزيمة التي مني بها في انتخابات 2021 لم تعد، في نظر زعيمه، عنوان المرحلة. بل إن بنكيران ذهب أبعد من ذلك عندما قال إن حزبه «انتصر» في الانتخابات المقررة يوم 23 شتنبر، معبراً عن تفاؤله بأداء الحزب قبل أن تفتح صناديق الاقتراع أبوابها.

كان مهرجان الرباط، أمس السبت، بمثابة إعلان رسمي عن عودة بنكيران إلى واجهة المعركة الانتخابية، ليس فقط باعتباره أميناً عاماً لحزب خرج من أسوأ انتكاسة انتخابية في تاريخه، وإنما باعتباره الزعيم الذي يريد إعادة بناء «المصباح» من تحت أنقاض نتيجة 2021، عندما هوى الحزب من 125 مقعداً في مجلس النواب إلى 13 مقعداً فقط.

وفي خطابه، لم يكتف بنكيران بتقديم برنامجه أو دعوة الناخبين إلى المشاركة، وإنما اختار مهاجمة الحكومة الحالية برئاسة عزيز أخنوش، متهماً إياها بالافتقار إلى «الأمانة والكفاءة»، وربط بين ما اعتبره ضعفاً في الأداء الحكومي وتراجع منسوب الثقة، وبين الاحتجاجات الاجتماعية التي عرفتها البلاد. كما حذر من العزوف الانتخابي، معتبراً أن عدم المشاركة يمثل «هدية على طبق من ذهب للمفسدين».

ورفع بنكيران سقف خطابه بشكل أكبر عندما تحدث عن طريقة تدبير السلطة والثروة، متهماً بعض المسؤولين بأنهم لم يصلوا إلى مواقع القرار بهدف حل مشاكل المغاربة، وإنما للاستفادة من أموال الدولة والمجتمع لفائدة أنفسهم وأقاربهم ومن يرتبطون بهم سياسياً. كما أعاد استعمال مفهوم «الافتراس» في وصف ما اعتبره تحولاً في ممارسة السياسة، موجهاً بذلك واحدة من أقسى الرسائل إلى خصومه السياسيين والحكومة الحالية.

ولم يكن هجوم بنكيران على الحكومة منفصلاً عن روايته الخاصة بشأن سقوط حزبه في انتخابات 2021. فقد أعاد التأكيد على أن خصوم العدالة والتنمية اعتقدوا أن الحزب انتهى بعد حصوله على 13 مقعداً، وأنهم تصوروا أن الساحة السياسية أصبحت خالية من قوة قادرة على مواجهتهم. لكن بنكيران قدم ما حدث خلال السنوات الخمس الماضية باعتباره مرحلة تعافٍ تدريجي، مؤكداً أن الحزب استعاد حضوره وأنه عاد إلى الحياة السياسية من جديد.

وهنا بالضبط تبدأ المعركة الحقيقية لبنكيران.

فالرجل الذي دخل انتخابات 2011 بصفته زعيم حزب صاعد، وتمكن آنذاك من قيادة العدالة والتنمية إلى 107 مقاعد ثم رفع الرقم إلى 125 مقعداً في انتخابات 2016، يعود اليوم إلى الساحة من الموقع المعاكس تماماً. لم يعد يقود حزباً خرج لتوه من المعارضة نحو الحكومة، وإنما حزباً حكم البلاد لولايتين، ثم تعرض لعقاب انتخابي قاسٍ في 2021، فقد خلاله أكثر من مائة مقعد دفعة واحدة.

وبين الرقمين، 125 و13، تختزل قصة صعود وسقوط سياسية نادراً ما شهدها المشهد الحزبي المغربي بهذه السرعة.

بنكيران الذي صنع الصعود وانتهى عند «البلوكاج»

لم يكن بنكيران في سنوات الصعود مجرد أمين عام لحزب سياسي، بل كان جزءاً أساسياً من العلامة الانتخابية للعدالة والتنمية. شخصيته، لغته المباشرة، قدرته على تحويل الخصومة السياسية إلى مواجهة جماهيرية، وجرأته في استعمال عبارات صادمة، كلها عوامل جعلت منه واحداً من أكثر السياسيين المغاربة حضوراً وتأثيراً في العقد الماضي.

في انتخابات 2011، استفاد «المصباح» من السياق السياسي الذي أعقب حراك 20 فبراير ودستور 2011، وحصل على 107 مقاعد، ليقود بنكيران أول حكومة في تاريخ الحزب. وبعد خمس سنوات، تمكن من رفع رصيده إلى 125 مقعداً في انتخابات 2016، في نتيجة وضعت العدالة والتنمية مرة أخرى في صدارة المشهد السياسي.

لكن الانتصار الانتخابي الثاني لم يتحول إلى ولاية حكومية ثانية لبنكيران. فقد دخلت مشاورات تشكيل الحكومة في حالة من الجمود، وانتهت في مارس 2017 بإعفاء بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة وتكليف سعد الدين العثماني بالمهمة.

وكانت تلك اللحظة نقطة تحول حاسمة في المسار السياسي للرجل. فقد خرج من رئاسة الحكومة، ثم ابتعد عن المؤسسات، قبل أن يعود لاحقاً إلى قيادة الحزب في أعقاب زلزال انتخابات 2021.

لكن عودته هذه المرة كانت مختلفة تماماً.

من 125 مقعداً إلى 13.. الهزيمة التي أعادت بنكيران إلى الواجهة

جاءت انتخابات 2021 لتكشف أن أزمة العدالة والتنمية لم تكن مجرد أزمة قيادة، وإنما كانت أزمة انتخابية وتنظيمية وسياسية عميقة. الحزب الذي تصدر الانتخابات في 2011 و2016 لم يحصل سوى على 13 مقعداً، وانتقل من موقع الحزب الأول إلى موقع هامشي تقريباً داخل مجلس النواب. وكانت النتيجة بمثابة انهيار انتخابي أعاد طرح السؤال حول مستقبل التنظيم برمته.

لكن المفارقة السياسية أن هذه الهزيمة نفسها كانت المدخل الذي أعاد بنكيران إلى القيادة.

اختار الحزب الرجل الذي ارتبطت به أقوى سنوات صعوده، وكأن الرهان كان واضحاً: إذا كان بنكيران قد استطاع في السابق بناء قوة انتخابية ضخمة حول «المصباح»، فربما يستطيع اليوم إعادة الحزب من القاع إلى المنافسة.

ومنذ عودته إلى الأمانة العامة، اختار بنكيران استعادة أدواته القديمة: الخطاب المباشر، مهاجمة الخصوم، الدفاع عن صورة الحزب باعتباره قوة سياسية مستقلة، وتحويل الصراع مع الحكومة إلى وسيلة لإعادة تعبئة القاعدة.

وهو ما ظهر بوضوح في مهرجان الرباط أمس.

بنكيران أمام امتحان مختلف

غير أن انتخابات 2026 ليست انتخابات 2011، وهذه هي النقطة التي تجعل مهمة بنكيران أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

في 2011، كان يقدم نفسه باعتباره زعيم حزب جديد نسبياً على السلطة، ويحمل خطاب الإصلاح ومحاربة الفساد، ويواجه أحزاباً تقليدية من موقع المعارضة. أما اليوم، فإن بنكيران يعود بعد تجربة حكومية كاملة، وبعد أن أصبح حزبه جزءاً من تاريخ تدبير السلطة في المغرب.

وهذا يعني أن «المصباح» لا يدخل الانتخابات فقط لمحاسبة الحكومة الحالية، وإنما يدخلها أيضاً وهو مطالب بالإجابة عن أسئلة تتعلق بتجربته السابقة في الحكم.

فالحزب الذي يهاجم اليوم ارتفاع الأسعار أو أوضاع المحروقات أو السياسات الاجتماعية، سبق له أن اتخذ خلال فترة قيادته للحكومة قرارات وإصلاحات كانت موضع جدل واسع، من بينها تحرير أسعار المحروقات وإصلاح منظومة التقاعد، وهي ملفات لا يمكن ببساطة محوها من الذاكرة الانتخابية للمغاربة.

ومن هنا فإن بنكيران يواجه معركة مزدوجة: معركة ضد الحكومة الحالية، ومعركة أخرى لاستعادة ثقة ناخبين سبق أن عاقبوا حزبه بقوة في 2021.

لكن الظروف السياسية الحالية تمنحه في المقابل مساحة جديدة للمواجهة.

فالحكومة الحالية أصبحت بدورها صاحبة حصيلة، ولم تعد أمامها ميزة كونها جديدة على السلطة. وبعد خمس سنوات من التدبير، بات الناخب قادراً على مقارنة الوعود بالنتائج، وهو ما يمنح المعارضة، بما فيها العدالة والتنمية، مادة سياسية للهجوم والمساءلة.

ولهذا بدا خطاب بنكيران في الرباط مصمماً على استثمار هذا المعطى إلى أقصى الحدود.

«العدالة والتنمية عاد».. ولكن بأي حجم؟

إعلان بنكيران أن الحزب «انتصر» قبل موعد الاقتراع يحمل في حد ذاته دلالة سياسية أكثر من كونه نتيجة انتخابية، لأن الصناديق لم تقل كلمتها بعد. وهو خطاب موجه أساساً إلى القاعدة الحزبية التي عاشت منذ 2021 حالة من الانكماش والإحباط.

الرجل يريد أن يقول لمناضلي الحزب وأنصاره إن مرحلة 13 مقعداً انتهت، وإن الحزب الذي اعتقد خصومه أنه انتهى لا يزال قادراً على المنافسة.

لكن السؤال الذي سيحسمه يوم 23 شتنبر ليس ما إذا كان «المصباح» قد عاد سياسياً، وإنما حجم هذه العودة.

فاستعادة جزء من الحضور البرلماني ستكون بالنسبة للحزب خروجاً من منطقة الانهيار، أما استعادة الصدارة أو الاقتراب منها فستكون بمثابة «ريمونتادا» انتخابية نادرة في التاريخ السياسي المغربي.

ذلك أن الانتقال من 13 مقعداً إلى موقع يسمح بقيادة الحكومة المقبلة لا يحتاج فقط إلى شخصية بنكيران، وإنما إلى إعادة بناء واسعة للثقة والتنظيم والمرشحين والقدرة على إقناع شرائح انتخابية واسعة بأن الحزب تغير بما يكفي لاستعادة ثقتها.

بنكيران.. هل يكفي «اللسان» لصناعة الريمونتادا؟

لا شك أن بنكيران ما زال يمتلك واحدة من أهم الأدوات التي صنعت صعوده السياسي: القدرة على التواصل المباشر مع الجمهور.

الرجل في الثانية والسبعين من عمره، ولم يعد ذلك السياسي الذي كان يملأ المنابر الحكومية بربطة العنق والبذلة، لكنه احتفظ بما يمكن اعتباره علامته السياسية الأبرز: لسانه الحاد، وقدرته على تحويل الخطاب السياسي إلى مواجهة مباشرة مع الخصوم.

غير أن السياسة الانتخابية تغيرت كثيراً منذ 2011.

الناخب المغربي اليوم أكثر ارتباطاً بقضايا المعيشة والدخل وفرص الشغل والصحة والتعليم والخدمات، كما أن الأجيال الجديدة لا تحمل بالضرورة الذاكرة نفسها التي صنعت شعبية بنكيران قبل خمسة عشر عاماً.

ولهذا فإن التحدي أمامه لا يكمن فقط في إقناع الناخبين بأن الحكومة الحالية أخطأت، وإنما في إقناعهم أيضاً بأن العدالة والتنمية يمتلك جواباً عملياً عن الأسئلة التي فشل الحزب في تقديم أجوبة مقنعة عنها خلال تجربته الحكومية.

وهنا يبرز اختيار الحزب تقديم برنامج انتخابي يقوم على خمسة محاور و467 إجراءً، مع التركيز على الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومحاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما اختار الحزب عدم تقديم وعود مالية ضخمة أو أرقام مستقبلية محددة في عدد من الملفات، مقدماً ذلك باعتباره ابتعاداً عن «الوعود غير الواقعية».

الأزمي يساند الهجوم.. والحزب يدخل معركة «المشروعين»

لم يكن بنكيران وحده في معركة الرباط. فقد جاء خطاب إدريس الأزمي، النائب الأول للأمين العام للحزب، ليمنح الحملة بعداً أكثر تنظيماً، من خلال تقديم الانتخابات باعتبارها مواجهة بين مشروعين سياسيين متناقضين.

الأزمي هاجم ما وصفه بالوعود غير القابلة للتحقيق، وانتقد شعارات التحالف الحكومي، وربط بين تجربة السنوات الخمس الماضية وما اعتبره تضارباً في المصالح والريع والفساد وتراجع الثقة، داعياً في المقابل إلى مشروع إصلاحي وتنموي يجعل الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة الفساد في صدارة تدبير الشأن العام.

كما اختار الحزب تقديم «ميثاق المنتخب» باعتباره آلية لربط منتخبيه بالحزب وبمبادئ الأمانة والنزاهة والشفافية، في محاولة لإعطاء حملته الانتخابية بعداً تنظيمياً وأخلاقياً يتجاوز مجرد الخطاب السياسي.

لكن الرهان الأكبر سيظل في الشارع، حيث يحتاج الحزب إلى تحويل الحضور الجماهيري والخطاب القوي إلى أصوات حقيقية يوم الاقتراع.

من «البلوكاج» إلى «الريمونتادا»؟

المفارقة الكبرى في مسار بنكيران أن الرجل الذي انتهى مشواره الحكومي سنة 2017 بسبب «البلوكاج» عاد اليوم ليقود حزباً يحاول تجاوز «بلوكاج» انتخابي أكبر بكثير.

في السابق، كان السؤال هو: هل يستطيع بنكيران تشكيل الحكومة؟

أما اليوم، فالسؤال أصبح أكثر قسوة: هل يستطيع بنكيران إعادة العدالة والتنمية إلى قلب المنافسة السياسية بعد أن حصل الحزب على 13 مقعداً فقط؟

وبين السؤالين، تغير المغرب، وتغيرت الأحزاب، وتغير الناخبون، وتغير بنكيران نفسه.

لكن ما لم يتغير هو إصرار الرجل على خوض المعركة.

ومن الرباط، أمس، أعلن بنكيران أن «المصباح» عاد، وأن خصومه الذين اعتقدوا أن الحزب انتهى أخطأوا في الحساب. وفي المقابل، تظل الكلمة الأخيرة خارج القاعات والمنابر والمهرجانات، وستكون يوم 23 شتنبر داخل صناديق الاقتراع.

فإذا تمكن العدالة والتنمية من الانتقال من 13 مقعداً إلى موقع متقدم، فسيكون بنكيران قد حقق بالفعل واحدة من أكبر عمليات العودة السياسية في تاريخ المغرب الحديث. أما إذا بقي الحزب في دائرة النتائج المحدودة، فسيكون خطاب «العودة» قد نجح في إنعاش الروح التنظيمية، لكنه لم ينجح في تحويل شعبية الزعيم إلى قوة انتخابية.

وهنا تكمن المعركة الحقيقية لبنكيران: ليس أن يثبت أن صوته ما زال مسموعاً، فهذا أمر لا يحتاج إلى انتخابات لإثباته، وإنما أن يثبت أن هذا الصوت ما زال قادراً على تحويل الغضب السياسي إلى أصوات، وتحويل الحنين إلى سنوات الصعود إلى ثقة انتخابية جديدة.

وفي 23 شتنبر، لن تكون المعركة فقط بين العدالة والتنمية وخصومه، بل ستكون أيضاً اختباراً شخصياً لبنكيران نفسه: هل يستطيع الرجل الذي قاد «المصباح» من 107 إلى 125 مقعداً، أن يقوده من 13 مقعداً إلى بداية صعود جديد؟

إذا حدث ذلك، فلن تكون مجرد عودة حزبية، بل «ريمونتادا» سياسية ستجد طريقها حتماً إلى كتب التاريخ الانتخابي المغربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى