سياسة

ملف الأحد: مشروع تجنيس الصحراويين يصعّد التوتر مع مدريد.. هل يفرض المغرب التأشيرة على الإسبان ويراجع قواعد الشراكة؟

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

لم يعد مشروع القانون الإسباني القاضي بفتح مسطرة الحصول على الجنسية الإسبانية أمام فئات من الصحراويين الذين وُلدوا خلال فترة الإدارة الاستعمارية الإسبانية للصحراء، مجرد مبادرة تشريعية داخلية، بل أصبح تطوراً سياسياً يفرض على المغرب إعادة قراءة طبيعة العلاقة مع مدريد، وحدود التفاهمات التي حكمت الشراكة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.

ففي الوقت الذي تؤكد فيه إسبانيا دعمها لمخطط الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب باعتباره الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع، يأتي مشروع الجنسية ليعيد إلى الواجهة سؤالاً حساساً حول مدى انسجام هذا التشريع مع روح ذلك التحول، وحول ما إذا كانت مدريد تريد الجمع بين دعم الموقف المغربي في الصحراء، وفتح مسارات قانونية قد تمنح خصوم الوحدة الترابية أدوات جديدة للتحرك داخل الفضاء الأوروبي.

ومن هنا يبرز مقترح فرض التأشيرة على المواطنين الإسبان باعتباره أحد الخيارات السيادية التي يمكن للمغرب أن يدرسها، لا باعتباره قراراً اتُخذ فعلاً، وإنما كورقة سياسية مشروعة لإعادة التوازن إلى العلاقة الثنائية، وإيصال رسالة واضحة مفادها أن الشراكة مع الرباط لا يمكن أن تقوم على المصالح المشتركة من جهة، وعلى مبادرات أحادية الجانب تمس الملفات السيادية من جهة أخرى.

80 ألفاً؟ الرقم المتداول يحتاج إلى تدقيق

أثار مشروع القانون الذي صادق عليه مجلس النواب الإسباني، يوم 10 شتنبر 2026، نقاشاً واسعاً داخل إسبانيا وخارجها. وتفيد المعطيات المنشورة بأن النص يفتح الباب أمام منح الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين المولودين قبل 29 شتنبر 1977، خلال فترة الإدارة الإسبانية، مع إمكانية استفادة أبنائهم وفق شروط قانونية محددة.

غير أن الحديث عن 80 ألف مستفيد ينبغي التعامل معه باعتباره تقديراً متداولاً، وليس رقماً رسمياً نهائياً للمجنسين. كما أن المشروع لم يصبح قانوناً نهائياً بعد، إذ ما يزال يحتاج إلى استكمال مساره التشريعي داخل مجلس الشيوخ الإسباني. ولا يتعلق الأمر بتجنيس جماعي تلقائي لكل الصحراويين، بل بفتح مسطرة قانونية أمام فئات محددة تتوفر فيها الشروط.

لكن الأرقام، مهما اختلفت تقديراتها، لا تلغي أهمية البعد السياسي. فالمبادرة تأتي في سياق إقليمي حساس، وفي ظل استمرار النزاع حول الصحراء المغربية، ما يجعل أي تشريع إسباني يرتبط بالهوية القانونية لسكان الإقليم محل اهتمام خاص من جانب الرباط.

من دعم الحكم الذاتي إلى تشريع الجنسية.. تناقض يفرض التوضيح

شكل التحول الإسباني في مارس 2022، حين أعلن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز دعم مخطط الحكم الذاتي المغربي، محطة مفصلية في العلاقات بين البلدين. فقد ساهم ذلك الموقف في إنهاء أزمة دبلوماسية حادة اندلعت بعد استقبال مدريد لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، وفتح الباب أمام استئناف التعاون السياسي والأمني والاقتصادي بين الرباط ومدريد.

ومنذ ذلك الحين، ظل المغرب يتعامل مع إسبانيا باعتبارها شريكاً استراتيجياً وجاراً تربطه به مصالح متشابكة، من الهجرة والأمن إلى التجارة والطاقة والاستثمار. لكن مشروع الجنسية يفرض سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل تستطيع مدريد الحفاظ على دعمها السياسي لمخطط الحكم الذاتي، وفي الوقت نفسه تمرير تشريع قد يُفهم على أنه يعيد إنتاج وضعية قانونية خاصة بفئات مرتبطة بالصحراء؟

لا توجد، في المعطيات المنشورة، أدلة مباشرة تثبت أن الهدف المعلن للمشروع هو الضغط على المغرب أو إسكات مطالبته باسترجاع سبتة ومليلية والجزر المحتلة. غير أن من حق الرباط أن تطرح هذا السؤال سياسياً، وأن تطلب من مدريد توضيحات بشأن الانعكاسات المحتملة للتشريع على العلاقات الثنائية وعلى قضية الوحدة الترابية.

فرض التأشيرة على الإسبان.. خيار سيادي يستحق الدراسة

في ظل هذه التطورات، يبرز مقترح فرض التأشيرة على الإسبان باعتباره أحد الخيارات التي يمكن للمغرب أن يضعها على طاولة المراجعة، إذا تبين أن المصالح الوطنية تقتضي إعادة النظر في بعض قواعد التعامل مع مدريد.

فالتأشيرة ليست إجراءً خارجاً عن قواعد السيادة، بل أداة تعتمدها الدول لتنظيم دخول الأجانب إلى أراضيها، ويمكن مراجعة شروطها وفق اعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية. ولذلك، فإن طرح فرض التأشيرة على الإسبان لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دعوة إلى القطيعة، بل باعتباره رسالة سياسية مفادها أن العلاقات الاستراتيجية لا تعني التنازل عن أدوات الضغط المشروعة، ولا تمنح أي طرف حق اتخاذ مبادرات أحادية الجانب تمس المصالح الوطنية المغربية دون احتساب تبعاتها.

وقد يكون من المناسب أن تدرس الرباط، في إطار تقييم شامل للعلاقة الثنائية، خيارات متعددة، من بينها مراجعة نظام التأشيرات، وإعادة تقييم بعض أوجه التعاون، وتشديد شروط الولوج إلى التراب الوطني عند الاقتضاء، مع الحفاظ على قنوات الحوار الدبلوماسي مفتوحة.

لكن هذا الخيار ينبغي أن يُدرس بعناية، لأن العلاقات المغربية الإسبانية تشمل مصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية واسعة، ولأن أي قرار من هذا النوع يجب أن يكون جزءاً من استراتيجية متكاملة، لا مجرد رد فعل على مشروع قانون لم يستكمل بعد مساره التشريعي.

الدبلوماسية الملكية.. قوة المغرب ليست في التصعيد وحده

لا ينطلق المغرب من موقع ضعف في مواجهة هذه التطورات. فقد نجحت الدبلوماسية الملكية، خلال السنوات الأخيرة، في بناء شبكة واسعة من الشراكات والتحالفات مع قوى دولية كبرى، وفي تحويل قضية الصحراء المغربية إلى ملف يحظى بدعم متزايد لمخطط الحكم الذاتي.

وقد اعتمد هذا التوجه على تنويع الشراكات، وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا ودول إفريقية وعربية، وتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني، بما جعل المغرب أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحه داخل المنظومة الدولية. كما أن المواقف الدولية المؤيدة لمخطط الحكم الذاتي تعكس، في جانب منها، نجاح الرباط في بناء شبكة من المصالح والتحالفات التي تجعل موقفها حاضراً في الحسابات الاستراتيجية للدول الكبرى.

وهنا تكمن قوة الدبلوماسية الملكية: القوة لا تقاس بحدة التصريحات، وإنما بقدرة الدولة على بناء موازين قوى تجعل مصالحها حاضرة في حسابات الآخرين.

فالمغرب الذي راكم هذه المكتسبات ليس مضطراً إلى الدخول في معركة انفعالية مع مدريد، لكنه في الوقت نفسه ليس مطالباً بقبول كل المبادرات الإسبانية دون مساءلة. إن الشراكة الحقيقية تقوم على الاحترام المتبادل، وعلى وضوح المواقف، وعلى إدراك كل طرف أن مصالح الآخر ليست قابلة للتجاوز.

المغرب قدم اليد لإسبانيا.. لكن الشراكة ليست شيكاً على بياض

لقد ظل المغرب حريصاً على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع إسبانيا، رغم الخلافات التي عرفتها العلاقات الثنائية. كما أن التعاون المغربي الإسباني في ملفات الهجرة والأمن ومكافحة الجريمة المنظمة يمثل مصلحة مشتركة، وليس امتيازاً أحادي الجانب.

لكن استمرار التعاون لا يعني أن الرباط مطالبة بتقديم تنازلات متواصلة. فالمغرب قدم، خلال السنوات الأخيرة، مبادرات وشراكات وتعاوناً أمنياً واقتصادياً مهماً، وكان دائماً حريصاً على استقرار العلاقة مع مدريد، غير أن ذلك لا يمكن أن يتحول إلى شيك على بياض.

ومن هذا المنطلق، فإن مشروع الجنسية يفرض على المغرب إعادة تقييم عدد من جوانب العلاقة الثنائية، خصوصاً ما يتعلق بالتنسيق السياسي حول قضية الصحراء، وبكيفية تعامل مدريد مع الملفات التي تمس المصالح الوطنية المغربية، وبضرورة وضوح المواقف الرسمية وعدم ترك المجال مفتوحاً أمام قراءات متناقضة.

سبتة ومليلية والجزر.. ملفات السيادة لا تسقط بالتقادم

تظل سبتة ومليلية والجزر المحتلة جزءاً من الملفات المرتبطة بالسيادة الوطنية المغربية، وإن كانت الرباط تتعامل معها ضمن مقاربة دبلوماسية هادئة ومتدرجة، تقوم على عدم التفريط في الحقوق التاريخية والوطنية، وعلى تجنب التصعيد غير المحسوب.

ومن الخطأ أن يُفهم ضبط النفس المغربي على أنه تخلي عن هذه المطالب. فالدبلوماسية لا تعني التخلي عن الحقوق، بل تعني اختيار الوسائل والتوقيتات التي تخدم المصلحة الوطنية. كما أن العلاقات مع إسبانيا لا تلغي وجود ملفات سيادية عالقة، ولا تمنع المغرب من مواصلة طرحها في الإطار الذي يراه مناسباً.

لكن الربط المباشر بين مشروع تجنيس الصحراويين وبين رغبة إسبانيا في إسكات المطالب المغربية بشأن سبتة ومليلية والجزر، يظل استنتاجاً سياسياً غير مثبت في المعطيات المنشورة. ولذلك فإن الأجدى هو التعامل مع كل ملف وفق معطياته، مع الحفاظ على وحدة الرؤية الاستراتيجية للمصالح الوطنية.

المجنسون الجدد.. يقظة أمنية دون تعميم أو اتهام جماعي

أما المخاوف المرتبطة بإمكانية استغلال بعض الحاصلين على الجنسية الإسبانية لدخول المغرب وتنفيذ أنشطة انفصالية أو تخريبية أو إرهابية، فإنها تستدعي يقظة أمنية ومؤسساتية، لا تعميماً أو اتهاماً جماعياً.

فالجنسية الإسبانية لا تعني، في حد ذاتها، الانتماء إلى جبهة البوليساريو، ولا تثبت وجود أي نشاط انفصالي أو إرهابي. كما أن أي إجراء أمني يجب أن يستند إلى معلومات موثوقة، وإلى القانون، وإلى سلوك الأشخاص المعنيين، وليس إلى أصلهم أو جنسيتهم.

وفي المقابل، فإن من حق المغرب، مثل أي دولة، أن يراقب المخاطر الأمنية المحتملة، وأن يعزز آليات التحقق من هوية الأشخاص الذين يدخلون ترابه الوطني، وأن يتعامل بحزم مع أي نشاط يثبت ارتباطه بالتخريب أو الإرهاب أو المساس بأمن المملكة. لكن ذلك ينبغي أن يتم عبر الأجهزة المختصة، وبناءً على أدلة، وفي إطار احترام القانون.

المغرب أمام اختبار جديد.. والحزم لا يعني التسرع

إن مشروع الجنسية الإسبانية للصحراويين يفتح نقاشاً سياسياً وقانونياً حساساً، خصوصاً في ظل تاريخ إسبانيا الاستعماري بالصحراء، والتحول الذي عرفه موقف مدريد من قضية الصحراء المغربية منذ سنة 2022.

لكن الرد المغربي الأقوى لا يكمن في الانفعال أو في إطلاق الاتهامات، بل في تثبيت الموقف الوطني، ومساءلة مدريد دبلوماسياً، وتعزيز التحالفات الدولية، وتوظيف أدوات السيادة بحكمة، مع الحفاظ على المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة.

ومن هذا المنطلق، فإن فرض التأشيرة على الإسبان يمكن أن يكون خياراً سيادياً مشروعاً للدراسة، إذا رأت الدولة المغربية أن الظرف السياسي يقتضي إعادة التوازن إلى العلاقة الثنائية. غير أن هذا الخيار، مثل غيره من أدوات الضغط، ينبغي أن يخضع لحسابات دقيقة، وأن يكون جزءاً من استراتيجية واضحة، لا مجرد رد فعل ظرفي.

فالمغرب الذي نجح، بفضل الدبلوماسية الملكية، في بناء علاقات استراتيجية مع قوى دولية كبرى، وفي جعل قضية الصحراء المغربية تحظى بدعم متزايد لمخطط الحكم الذاتي، ليس مضطراً إلى الدخول في معركة ردود فعل متسرعة. بل إن قوته الحقيقية تكمن في قدرته على تحويل كل أزمة إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتحصين المكتسبات، وتوسيع هامش المناورة الدبلوماسية.

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تستطيع مدريد الحفاظ على شراكة استراتيجية مع الرباط، وفي الوقت نفسه تمرير مبادرات قد تُفهم على أنها تمس جوهر التفاهمات السياسية حول الصحراء؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً بقوة، بعيداً عن المبالغة، وبمنطق دولة تعرف مصالحها، وتدافع عنها بثبات، وتختار أدواتها بعناية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى