بولمان تفتح معركة المقاعد الثلاثة.. 14 مرشحاً في سباق انتخابي ساخن والسلطات تستنفر لضمان الحياد وتكافؤ الفرص

دخل إقليم بولمان، منذ الساعات الأولى من يوم الخميس 10 شتنبر 2026، أجواء الحملة الانتخابية الرسمية استعداداً للاستحقاقات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر الجاري، وسط منافسة سياسية لافتة على ثلاثة مقاعد مخصصة للدائرة الانتخابية المحلية، في سباق يشارك فيه 14 مرشحاً، فيما تتجه الأنظار بشكل خاص إلى أربعة أسماء تبدو، وفق المعطيات السياسية والانتخابية المتداولة، الأكثر حضوراً في واجهة المنافسة، في انتظار أن تحسم صناديق الاقتراع وحدها مآل المقاعد الثلاثة.
وتكتسي دائرة بولمان أهمية خاصة داخل جهة فاس-مكناس، ليس فقط بالنظر إلى عدد المقاعد المحدود مقارنة بعدد المتنافسين، وإنما أيضاً بسبب طبيعة الأسماء الحزبية التي اختارت خوض غمار هذه المحطة، وفي مقدمتها محمد شوكي عن حزب التجمع الوطني للأحرار، ومحند العنصر عن الحركة الشعبية، ورشيد حموني عن حزب التقدم والاشتراكية، إلى جانب محمد الميري عن حزب الأصالة والمعاصرة، وهي أسماء راكم بعضها تجربة انتخابية وبرلمانية سابقة بالدائرة، ما يجعل السباق مفتوحاً على منافسة قوية بين التجربة السياسية، والرصيد الانتخابي السابق، والقدرة التنظيمية والميدانية للأحزاب.
وفي انتخابات 2026، تعود المنافسة إلى واجهة أكثر سخونة مع ترشيح محند العنصر، الوزير السابق والأمين العام السابق للحركة الشعبية، في مواجهة محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، بينما يسعى رشيد حموني إلى الحفاظ على المقعد الذي ظفر به في 2021، في الوقت الذي يدخل فيه حزب الأصالة والمعاصرة عبر محمد الميري بطموح استعادة موقعه في الدائرة. وبذلك، فإن أربعة أسماء تفرض نفسها بقوة في الحسابات السياسية الحالية، دون أن يعني ذلك بأي حال أن النتيجة محسومة مسبقاً، خصوصاً أن 14 مرشحاً يتنافسون رسمياً على ثلاثة مقاعد فقط.
وبالتزامن مع انطلاق الحملة، كانت السلطات الإقليمية ببولمان قد رفعت من مستوى الاستعداد والمواكبة، إذ ترأس عامل الإقليم علال الباز، مساء الأربعاء 9 شتنبر، بمقر العمالة بمدينة ميسور، اجتماعاً تواصلياً مع وكلاء اللوائح الانتخابية وممثليهم، بحضور وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بميسور، ورئيس القسم الإقليمي للشؤون الداخلية ونائبه، إلى جانب الباشوات ورؤساء الدوائر والقياد وعدد من المسؤولين الأمنيين. ويعكس هذا الحضور المؤسساتي طبيعة المرحلة وحجم التنسيق المطلوب لضمان مرور الحملة في إطار قانوني ومنظم.
وشكل الاجتماع الذي عقده عامل الإقليم مناسبة لتذكير جميع المتنافسين بالقواعد القانونية والتنظيمية المؤطرة للحملة الانتخابية، خاصة ما يرتبط بتنظيم التجمعات واللقاءات التواصلية والجولات الميدانية، وتوزيع المنشورات والوثائق الانتخابية، واستعمال الفضاءات العمومية، مع التشديد على ضرورة احترام مبدأ تكافؤ الفرص والحياد التام للإدارة والمرافق والمؤسسات العمومية، وعدم توظيف الوسائل والإمكانيات التابعة للدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية لخدمة أي طرف سياسي.
كما حضر الجانب القضائي بقوة في هذا اللقاء، من خلال مشاركة وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بميسور، الذي قدم التوضيحات المتعلقة بالإطار القانوني المؤطر للعملية الانتخابية، والضمانات التي يكفلها القانون للمرشحين والناخبين، إلى جانب التذكير بالمقتضيات القانونية والزجرية التي يمكن أن تترتب عن ممارسات من شأنها التأثير على حرية الناخبين أو المساس بنزاهة الاقتراع ونتائجه. ويأتي ذلك في سياق حرص المؤسسات القضائية والأمنية والإدارية على مواكبة الحملة كل من موقعه، وفق الاختصاصات التي يحددها القانون.
ومن الجانب الأمني، يواكب مختلف المصالح الأمنية بالإقليم هذه المرحلة الانتخابية من خلال الحضور ضمن منظومة التنسيق الإقليمي، بما يضمن احترام النظام العام وتأمين الأنشطة والتجمعات الانتخابية ومواكبة مختلف المحطات الميدانية، مع ضرورة الحفاظ على الأجواء الهادئة التي تسمح للمرشحين بالتواصل مع المواطنين وعرض برامجهم، وللناخبين بممارسة حقهم في الاختيار بحرية ودون ضغط أو تأثير غير مشروع.
وتزداد خصوصية الاستحقاق في بولمان بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية والديموغرافية للإقليم، الذي يعد من أقاليم جهة فاس-مكناس ذات الطابع القروي البارز. ووفق المعطيات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط الخاصة بالإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، يبلغ عدد سكان إقليم بولمان 205 آلاف و411 نسمة، من بينهم 205 آلاف و377 مغربياً و34 أجنبياً، موزعين على 48 ألفاً و509 أسر. كما تشير المعطيات نفسها إلى أن الوسط الحضري يضم 76 ألفاً و63 نسمة، بينما يعيش الجزء الأكبر من السكان في الوسط القروي، وهو عامل يفرض على المرشحين خوض حملات ميدانية واسعة بالنظر إلى الامتداد الجغرافي للإقليم وتعدد مراكزه وجماعاته.
ويمتد إقليم بولمان على مساحة تقارب 14,395 كيلومتراً مربعاً، ويتكون ترابياً من 21 جماعة ترابية، منها أربع جماعات حضرية و17 جماعة قروية، موزعة على ثلاث دوائر، وهو ما يجعل المعركة الانتخابية مختلفة في طبيعتها عن الدوائر ذات التركيز الحضري الكبير، بالنظر إلى المسافات الجغرافية والتوزيع المتباعد للساكنة والحاجة إلى الوصول إلى مختلف المناطق والمراكز والقرى.
وتضم جماعات الإقليم كلاً من بولمان، ميسور، أوطاط الحاج وإيموزار مرموشة، إضافة إلى جماعات كيكو، أنجيل، سكورة-مداز، آيت بازة، ألميس مرموشة، تالزمت، آيت المان، سرغينة، المرس، القصابي-ملوية، ويزغت، سيدي بوطيب، أولاد علي يوسف، العرجان، تيساف، الرميلة وفريطيسة. وتظهر معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى تفاوتاً واضحاً في الحجم الديموغرافي بين هذه الجماعات، إذ تعد ميسور من أكبر المراكز السكانية بـ28 ألفاً و408 نسمة، وأوطاط الحاج بـ20 ألفاً و673 نسمة، وكيكو بـ24 ألفاً و677 نسمة، فيما تتوزع باقي الساكنة على عدد كبير من الجماعات القروية ذات الكثافة السكانية المتفاوتة.
وبينما انطلقت الحملة رسمياً، يبقى العامل الميداني حاسماً في هذه الدائرة، بالنظر إلى اتساع الإقليم وتنوع جماعاته ووزن العالم القروي في بنيته الديموغرافية. ولذلك ينتظر أن تشهد الأيام المقبلة لقاءات تواصلية وجولات ميدانية مكثفة، خصوصاً أن الفترة الانتخابية تمتد إلى غاية منتصف ليلة 22 شتنبر، قبل يوم الاقتراع المقرر في 23 شتنبر.
وفي المقابل، سيكون على السلطات الإقليمية والأجهزة القضائية والأمنية مواصلة مواكبة مختلف مراحل العملية الانتخابية وفق منطق الحياد وتكافؤ الفرص وتطبيق القانون، وهي الرسائل التي حملها اجتماع عامل الإقليم علال الباز مع وكلاء اللوائح عشية انطلاق الحملة. وتبقى قوة هذه المقاربة في قدرتها على ضمان فصل واضح بين الإدارة والمنافسة السياسية، وتأمين شروط متساوية أمام جميع المرشحين، وصون حق الناخبين في الاختيار الحر بعيداً عن أي ضغط أو استغلال غير مشروع للإمكانيات العمومية.
وهكذا تدخل بولمان مرحلة انتخابية حاسمة، عنوانها الأبرز ثلاثة مقاعد فقط في مواجهة 14 مرشحاً، وحضور قوي لأسماء سياسية وازنة، في دائرة سبق أن أثبتت نتائجها أن موازين القوى يمكن أن تتغير بسرعة بين محطة وأخرى. ومع انطلاق الحملة، تنتقل المنافسة من مرحلة الترشيحات والاستعدادات إلى مرحلة الميدان، حيث ستبدأ الأحزاب والمرشحون في اختبار قدرتهم الفعلية على التواصل والتعبئة، قبل أن تكون الكلمة الأخيرة لصناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر.






