اقتصاد

فاس تدخل عصر المراقبة الذكية بـ600 كاميرا من الجيل الجديد.. «فاس الجهة للتهيئة» تقود أكبر تحول في منظومة الأمن الحضري استعداداً لـ2030

تدخل مدينة فاس ابتداءً من شتنبر 2026 مرحلة جديدة في مجال المراقبة والأمن الحضري، مع إطلاق مشروع متكامل للمراقبة بالفيديو يرتقب أن يعزز المجال الحضري بحوالي 600 كاميرا من الجيل الجديد، موزعة على مختلف أنحاء المدينة، في ورش تقني وأمني متعدد المؤسسات، تقوده تنفيذياً شركة فاس الجهة للتهيئة SFRA، ويجمع بين جماعة فاس ومجلس جهة فاس-مكناس وولاية فاس والمديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، في خطوة تروم الانتقال بفاس إلى مستوى متقدم من المراقبة الذكية وتدبير المجال الحضري.

ولا يتعلق المشروع بمجرد تركيب كاميرات إضافية في الشوارع، وإنما بإرساء منظومة متكاملة للمراقبة بالفيديو تشمل نقاط التقاط الصور، والبنية التحتية وشبكات الألياف البصرية، ومراكز المراقبة والبيانات، والخوادم وأنظمة التسجيل، ومنصة مركزية لإدارة الفيديو والصور وتدبير صلاحيات الولوج، بما يجعل المشروع واحداً من الأوراش التقنية التي يمكن أن تحدث تحولاً واضحاً في طريقة تدبير الأمن الحضري ومواكبة الحركة داخل مدينة فاس.

600 كاميرا تغطي المدينة العتيقة والمحاور والساحات والمواقع الحساسة

وتنص الورقة التقنية للمشروع، المؤرخة في شتنبر 2026، على تجهيز مختلف أنحاء مدينة فاس بمنظومة تضم حوالي 600 كاميرا، تستهدف على الخصوص المدينة العتيقة، والمحاور الطرقية الرئيسية، والمدارات، والساحات العمومية والمواقع الحساسة، مع اعتماد ثلاثة أصناف رئيسية من التجهيزات، هي الكاميرات الثابتة عالية الدقة، والكاميرات القبابية المتحركة PTZ، وكاميرات القراءة الآلية للوحات ترقيم السيارات LAPI.

وتكشف المعطيات التفصيلية الخاصة بتوزيع الأعمدة عن حجم كبير للمنظومة، إذ تسجل الوثيقة 264 عموداً ثابتاً، و558 تجهيزاً من نوع PTZ، و78 كاميرا LAPI، إضافة إلى 21 عنصراً تقنياً إضافياً ضمن المجموع المسجل في جدول التوزيع، وهي أرقام تعكس اتساع المشروع وتشعب مكوناته التقنية عبر عدد كبير من المحاور والنقاط الاستراتيجية.

وتتوزع التجهيزات، وفق الورقة التقنية، على عدد من المحاور الرئيسية، من بينها شارع القوات المسلحة الملكية – شارع الأمير الحسن، طريق إموزار – مطار فاس سايس، شارع بهنيني – بيج، المركب، عين الشقف – الطريق الدائري الجنوبي، طريق صفرو، طريق مكناس، الملاح، البطحاء – واد الزهون، البطحاء – الرصيف، البطحاء – جنان السبيل، إضافة إلى أعمدة مرتبطة بحلقة DGST وأخرى خارج حلقة الألياف البصرية.

وتظهر الأرقام الواردة في جدول التوزيع حجم التركيز على المحاور الكبرى؛ إذ يضم محور شارع القوات المسلحة الملكية – شارع الأمير الحسن 42 عموداً ثابتاً و97 تجهيزاً PTZ و15 من تجهيزات LAPI، فيما يضم محور طريق إموزار – مطار فاس سايس 39 عموداً ثابتاً و81 PTZ و10 LAPI، بينما تشمل منطقة عين الشقف – الطريق الدائري الجنوبي 26 عموداً ثابتاً و64 PTZ و8 LAPI.

كما تشمل المنظومة طريق صفرو بـ24 عموداً ثابتاً و55 PTZ و10 LAPI، وطريق مكناس بـ13 عموداً ثابتاً و40 PTZ و8 LAPI، فيما تتوزع تجهيزات أخرى على الملاح والبطحاء وواد الزهون والرصيف وجنان السبيل، إلى جانب التجهيزات الموجودة خارج حلقة الألياف البصرية.

PTZ وLAPI.. المراقبة تتجاوز الصورة الثابتة

ومن أبرز عناصر المشروع اعتماد كاميرات PTZ القبابية المتحركة، وهي تجهيزات تتيح للمشغل التحكم في اتجاه الكاميرا ومتابعة مجال واسع من المشهد، مع قدرة على التكبير البصري، بما يسمح للمصالح المختصة بالحصول على صور أكثر تفصيلاً عند الحاجة.

أما كاميرات LAPI، فتخصص للقراءة الآلية للوحات ترقيم السيارات، وهو مكون بالغ الأهمية في منظومة المراقبة الحديثة، لأنه يضيف إلى الصورة المرئية معطيات مرتبطة بالمركبات، ويمكن أن يدعم عمليات البحث والتتبع والتحقق التي تقوم بها المصالح الأمنية وفق الاختصاصات والإجراءات القانونية المعمول بها.

أما الكاميرات الثابتة، فتتميز، وفق المعطيات التقنية، بالدقة العالية وإمكانية الرؤية الليلية، بما يسمح باستمرار المراقبة في مختلف الظروف الزمنية والإضاءة.

وتحمل التجهيزات مواصفات تقنية من بينها مطابقة معايير ONVIF المتعلقة بالتوافق بين تجهيزات وأنظمة المراقبة الشبكية، فضلاً عن تصنيفي IP66 للحماية من عوامل الغبار والمياه، وIK10 لمقاومة الصدمات، وهي مواصفات مهمة بالنظر إلى كون جزء كبير من التجهيزات سيعمل في المجال الحضري وعلى مدار الساعة.

الألياف البصرية.. العمود الفقري للمنظومة

وإذا كانت الكاميرات تمثل الواجهة الظاهرة للمشروع، فإن شبكة الألياف البصرية تشكل العمود الفقري الحقيقي للمنظومة، إذ تنص الورقة التقنية على نشر حلقات للألياف البصرية وتمرير الكابلات ولحام وربط الألياف الخاصة بالأعمدة، مع إنشاء وصلات مخصصة نحو DGSN وDGST.

كما يشمل المشروع تركيب محولات شبكية صناعية تعمل بتقنية PoE وخزائن تقنية، بما يسمح بنقل البيانات والطاقة إلى التجهيزات عبر البنية الشبكية المناسبة، مع ربط مختلف نقاط التقاط الصور بالمراكز المعنية.

وتتضمن الأشغال كذلك جانباً مهماً من الهندسة المدنية، يشمل إنجاز الخنادق والقنوات وغرف سحب وتمرير الكابلات، وتوريد وتركيب الأعمدة والدعامات والحوامل، وتركيب الصناديق على الأعمدة، والتوصيل بالأرضي، وتركيب الحماية من الصواعق، فضلاً عن الربط الكهربائي لنقاط التقاط الصور والمراقبة.

وبذلك، فإن المشروع لا يقوم على شراء الكاميرات فقط، بل يتطلب إنشاء بنية تحتية كاملة تحت الأرض وفوقها لضمان استمرارية عمل المنظومة وحماية تجهيزاتها وضمان جودة نقل الصور والبيانات.

مركز بيانات متطور ومنصة VMS لإدارة الفيديو

ومن المكونات الأكثر أهمية في المشروع مركز المراقبة ومركز البيانات، حيث تنص الوثيقة التقنية على تهيئة فضاءات المراقبة التابعة للمصالح الأمنية المعنية، إلى جانب إنشاء مركز بيانات مجهز بأنظمة التكييف، وUPS لضمان استمرارية الطاقة، وأنظمة الإطفاء الآلي.

كما تتضمن المنظومة جدراناً لعرض الصور، ومشغلات، وخوادم لتسجيل الفيديو، بما يسمح بتجميع تدفقات الصور الواردة من مختلف نقاط المدينة في بيئة مركزية للمراقبة والتدبير.

وتتولى منصة VMS، أي نظام إدارة الفيديو، مهمة إدارة منظومة المراقبة، وتنظيم تدفقات الفيديو، وتدبير التسجيلات والصور، إلى جانب تحليل الصور وتدبير صلاحيات الولوج، وهو ما ينقل المشروع من مجرد شبكة كاميرات إلى منظومة رقمية متكاملة لإدارة الفيديو.

وهذه النقطة تحديداً تمنح المشروع بعده المرتبط بالمراقبة الذكية، لأن القيمة الحقيقية لا تكمن في عدد الكاميرات وحده، وإنما في قدرة البنية المركزية على استقبال الصور وإدارتها وتسجيلها وإتاحتها للمستخدمين المخولين وفق الصلاحيات المحددة.

منظومة أمنية مرتبطة بـDGSN وDGST

وتعكس هندسة المشروع طبيعة التنسيق المؤسساتي والأمني الذي يواكبه، إذ تتولى المديرية العامة للأمن الوطني DGSN تحديد الاحتياجات العملياتية واستغلال تدفقات الفيديو، بينما تتكلف المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني DGST بتحديد الاحتياجات التقنية والمصادقة على مواقع تثبيت التجهيزات.

وتشمل مواقع الإشراف والمناطق المرتبطة بالمشروع كلاً من DGSN وDGST وولاية فاس ومنطقة دار الدبيبغ الأمنية وشرطة فاس المدينة ومنطقة عين قادوس ومنطقة بنسودة، بما يعكس اتساع دائرة الاستفادة والتنسيق المرتبطة بالمنظومة الجديدة.

أما ولاية فاس فتتولى، باعتبارها السلطة المحلية، الترخيص باحتلال الملك العمومي والتنسيق، في الوقت الذي يساهم فيه مجلس جهة فاس-مكناس في تمويل المشروع في إطار اتفاقية شراكة.

«فاس الجهة للتهيئة».. الذراع التنفيذي للمشروع

وفي قلب هذه الهندسة المؤسساتية تبرز شركة فاس الجهة للتهيئة SFRA باعتبارها صاحب المشروع المنتدب والجهة المفوض إليها تنفيذ المشروع، حيث تتولى قيادة المشروع وإبرام الصفقات وتتبع تنفيذها.

ويمنح هذا الدور شركة فاس الجهة للتهيئة موقعاً مركزياً في تنزيل أحد أكثر المشاريع التقنية تعقيداً في المدينة، بالنظر إلى تعدد مكوناته وتداخل الأشغال المدنية والشبكات والأنظمة المعلوماتية والتجهيزات الأمنية.

كما أن طبيعة المشروع تفرض تنسيقاً مستمراً بين شركة فاس الجهة للتهيئة وباقي الشركاء، خصوصاً جماعة فاس باعتبارها صاحب المشروع والجهة المشرفة ومالكة المنشآت المنجزة، ومجلس جهة فاس-مكناس باعتباره شريكاً في التمويل، والسلطات الأمنية التي تحدد الاحتياجات العملياتية والتقنية.

وبهذا الدور، تؤكد شركة فاس الجهة للتهيئة موقعها كذراع تنفيذي للأوراش التي تتطلب تعبئة تقنية ومؤسساتية متعددة، وتحويل المشاريع الكبرى من تصورات واتفاقيات إلى منشآت وأنظمة تشتغل فعلياً على الأرض.

من الأمن التقليدي إلى «المدينة التي ترى وتستجيب»

ويمنح هذا المشروع فاس قدرة إضافية على مراقبة الفضاء الحضري، خصوصاً في المحاور التي تعرف حركة كثيفة، والمداخل والمخارج، والساحات، والمناطق الحساسة، والمدينة العتيقة، بما يسمح بدعم المصالح المختصة في رصد الوقائع وتوثيقها والرجوع إلى التسجيلات عند الحاجة.

كما يمكن للمنظومة أن تساهم في تسريع الاستجابة للحوادث، ودعم التحقيقات الأمنية، ومراقبة حركة المركبات، وتدبير بعض الأحداث والتجمعات الكبرى، وتحسين مراقبة حركة السير والجولان، فضلاً عن توفير صورة آنية وأوسع عن المجال الحضري.

وبالنسبة إلى الساكنة، فإن الرهان الأساسي يتمثل في تحويل التكنولوجيا إلى أداة لتحسين السلامة في الفضاء العام، وليس فقط زيادة عدد الكاميرات، بحيث يصبح الأمن الحضري مدعوماً بشبكة معلوماتية تستطيع المصالح المختصة الاستفادة منها في الوقت المناسب.

وفي المقابل، فإن اتساع هذه المنظومة يفرض احترام القواعد القانونية المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية، وضبط صلاحيات الولوج إلى الصور والتسجيلات، وتحديد شروط استخدامها والاحتفاظ بها، بما يحافظ على التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الحياة الخاصة.

مشروع يندرج في ورش إعادة تشكيل فاس استعداداً لـ2030

ولا يأتي مشروع المراقبة بالفيديو معزولاً عن التحولات الكبرى التي تعرفها فاس، بل يتقاطع مع ورش واسع لإعادة تأهيل المدينة وتحديث بنياتها استعداداً للاستحقاقات الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.

فمدينة تستعد لاستقبال جماهير وزوار ووفود خلال تظاهرات دولية لا تحتاج فقط إلى منشآت رياضية حديثة وطرق وشبكات نقل، وإنما تحتاج كذلك إلى منظومة أمنية ورقمية قادرة على مواكبة الحركة المتزايدة داخل المجال الحضري، والتعامل مع الأحداث الكبرى بكفاءة أكبر.

ومن هذه الزاوية، فإن منظومة المراقبة الجديدة تشكل جزءاً من تصور أوسع لفاس الجديدة، حيث تتقاطع إعادة تأهيل البنية التحتية، وتحديث الفضاءات، وتطوير الشبكات، وتحسين الأمن الحضري، والانتقال الرقمي في اتجاه مدينة أكثر جاهزية لرهانات السنوات المقبلة.

إنها عملياً إحدى اللبنات التي يمكن أن تدعم الانتقال نحو مدينة ذكية تعتمد على التكنولوجيا والبيانات في جزء من عملية تدبير المجال، وتوفر للمصالح المختصة أدوات متطورة للرصد والمراقبة والتدخل.

600 كاميرا ليست سوى واجهة لمنظومة أكبر

واللافت في المشروع أن الحديث عن 600 كاميرا لا يعكس وحده حجمه الحقيقي؛ فخلف هذه الكاميرات توجد أعمدة ودعامات وصناديق حماية وتجهيزات كهربائية وحماية من الصواعق، وشبكة ألياف بصرية، ومحولات صناعية بتقنية PoE، وخزائن تقنية، ومراكز مراقبة، ومركز بيانات، وخوادم تسجيل، وجدران عرض، ومنصة VMS لإدارة الفيديو والصور وصلاحيات الولوج.

وهذا التكامل بين المكونات هو الذي يمنح المشروع قيمته الاستراتيجية، لأنه يحول المراقبة بالفيديو من تجهيزات متفرقة إلى منظومة حضرية موحدة يمكن أن تشكل قاعدة تقنية متقدمة لدعم المخطط الأمني للمدينة.

ومع تولي شركة فاس الجهة للتهيئة قيادة التنفيذ وإبرام الصفقات وتتبع الأشغال، وبمواكبة جماعة فاس وولاية فاس ومجلس جهة فاس-مكناس وDGSN وDGST، تدخل العاصمة العلمية مرحلة جديدة من التحديث الأمني والرقمي.

فاس، التي تستعد لتغيير جزء كبير من صورتها الحضرية خلال السنوات المقبلة، تراهن الآن أيضاً على تغيير الطريقة التي تتم بها مراقبة مجالها العام؛ 600 كاميرا من الجيل الجديد، PTZ متحركة، LAPI لقراءة لوحات السيارات، ألياف بصرية، مراكز بيانات، خوادم، VMS، وتجهيزات أمنية وتقنية متطورة، في مشروع تتولى شركة فاس الجهة للتهيئة ذراعه التنفيذي، ويراد له أن يكون إحدى الركائز التقنية لفاس أكثر أمناً وذكاءً وجاهزية لاستحقاقات 2030.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى