سياسة

تازة تفتح معركة المقاعد الخمسة.. انطلاق الحملة وسط تعبئة قوية ورسائل حازمة من الإدارة والقضاء

انطلقت، صباح الخميس 10 شتنبر 2026، الحملة الانتخابية الرسمية الخاصة بالاستحقاقات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر الجاري بإقليم تازة، لتدخل الدائرة الانتخابية رسمياً مرحلة التنافس المفتوح على خمسة مقاعد بمجلس النواب، وسط مشاركة 20 لائحة انتخابية، وحضور عدد من الأسماء السياسية والانتخابية الوازنة التي تراهن على إعادة ترتيب الخريطة التي أفرزتها انتخابات 2021.

وجاء انطلاق الحملة بعد يوم واحد فقط من اجتماع مؤسساتي موسع احتضنه الإقليم، الأربعاء 9 شتنبر، عشية فتح باب التنافس الانتخابي، وجمع مختلف المتدخلين في العملية الانتخابية، وفي مقدمتهم عامل إقليم تازة رشيد بنشيخي، ومسؤولو النيابة العامة، إلى جانب ممثلي السلطات المحلية والمصالح الأمنية والإدارية، فضلاً عن المرشحين ووكلاء اللوائح وممثلي الهيئات السياسية المشاركة في الاستحقاق.

وشكل الاجتماع محطة أساسية للانتقال من مرحلة الإعداد الإداري والقانوني للانتخابات إلى مرحلة الحملة الانتخابية، كما عكس مستوى التعبئة المؤسساتية التي ترافق هذا الاستحقاق، خصوصاً في دائرة واسعة تضم 38 جماعة ترابية وتعرف تنافساً بين عدد كبير من اللوائح والأسماء السياسية.

رشيد بنشيخي.. الإدارة أمام اختبار الحياد وتكافؤ الفرص

وحمل اللقاء الذي ترأسه عامل إقليم تازة رشيد بنشيخي رسالة واضحة إلى مختلف المتنافسين، مفادها أن الحملة الانتخابية تدخل مرحلة دقيقة تستوجب احترام القانون والضوابط المؤطرة للعملية الانتخابية، وضمان شروط التنافس الشريف وتكافؤ الفرص بين مختلف اللوائح.

ويأتي ذلك في سياق تضع فيه الإدارة الترابية نفسها أمام اختبار مؤسساتي حساس، يتمثل في مواكبة الحملة وتأمين ظروفها التنظيمية والأمنية، مع الحفاظ على الحياد تجاه جميع الأحزاب والمرشحين، وعدم السماح بتحويل المرافق أو الوسائل العمومية إلى أدوات في المنافسة الانتخابية.

وتكتسي هذه المسؤولية أهمية مضاعفة بإقليم تازة بالنظر إلى امتداده الترابي وتعدد جماعاته ومراكزه الحضرية والقروية، وما يفرضه ذلك من تعبئة واسعة للسلطات المحلية والمصالح الإدارية والأمنية من أجل مواكبة اللقاءات والتجمعات والجولات الانتخابية إلى غاية إغلاق الحملة ليلة 22 شتنبر.

ويأتي هذا التوجه منسجماً مع التعبئة الوطنية التي عرفتها مختلف العمالات والأقاليم عشية انطلاق الحملة، حيث عقد الولاة والعمال لقاءات مع وكلاء اللوائح بحضور مسؤولي النيابة العامة، بهدف التأكيد على احترام القواعد القانونية والتنظيمية المؤطرة للاستحقاقات.

حضور النيابة العامة.. القانون فوق المنافسة

ولم يكن حضور وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بتازة في الاجتماع مجرد حضور بروتوكولي، بل عكس الحضور المباشر للسلطة القضائية في منظومة المواكبة المؤسساتية للعملية الانتخابية، في مرحلة ترتفع فيها وتيرة التنافس وتصبح فيها مراقبة احترام القانون جزءاً أساسياً من ضمان سلامة الاستحقاق.

وتركزت التوجيهات القضائية، في إطار الاجتماع، على ضرورة احترام المقتضيات القانونية المنظمة للحملة الانتخابية، والابتعاد عن كل الممارسات التي يمكن أن تمس بحرية اختيار الناخبين أو نزاهة المنافسة، مع التأكيد على أن أي تجاوز يظل خاضعاً للمقتضيات القانونية والجهات المختصة.

وتكتسي هذه الرسالة أهمية خاصة في دائرة تعرف منافسة قوية بين أسماء ذات تجارب سياسية وانتخابية مختلفة، إذ لا يتعلق الأمر فقط بالصراع على خمسة مقاعد، وإنما أيضاً باختبار قدرة الأحزاب والمرشحين على إدارة حملة انتخابية منضبطة، تحترم القانون وتبتعد عن الأساليب التي يمكن أن تؤثر بصورة غير مشروعة على إرادة الناخبين.

اجتماع موسع بحضور الأمن والسلطات والمرشحين

وعكس الحضور الوازن لمختلف المتدخلين في اجتماع الأربعاء طبيعة المرحلة التي دخلها الإقليم. فقد اجتمع في فضاء واحد ممثلو الإدارة الترابية والسلطات المحلية والمصالح الأمنية والقضائية، إلى جانب وكلاء اللوائح والمرشحين وممثلي الهيئات السياسية، في مشهد يعكس حجم الاستعداد المؤسساتي لمواكبة الحملة.

كما شكل اللقاء مناسبة أمام المرشحين للاطلاع على القواعد التي يتعين احترامها خلال فترة الحملة، سواء تعلق الأمر بتنظيم التجمعات واللقاءات أو باستعمال الفضاءات العمومية أو بالوسائل الدعائية والتواصلية، فضلاً عن احترام النظام العام وحقوق باقي المتنافسين.

ويأتي هذا الاجتماع في لحظة سياسية دقيقة، إذ لم تعد المنافسة مجرد ترتيبات حزبية أو اتصالات داخلية، وإنما انتقلت ابتداء من صباح الخميس إلى الشارع والفضاءات العمومية والمجالس والقرى والمدن، حيث ستسعى كل لائحة إلى تقديم مرشحيها وبرامجها ومحاولة إقناع الناخبين بالتصويت لفائدتها.

20 لائحة في مواجهة خمسة مقاعد

وتدخل دائرة تازة هذه المعركة الانتخابية بحصيلة تنافسية لافتة، تتمثل في 20 لائحة تتنافس على خمسة مقاعد فقط، ما يجعل هامش المناورة السياسية ضيقاً ويرفع من حدة التنافس بين مختلف التنظيمات.

وتبرز ضمن المشهد أسماء ذات حضور برلماني وسياسي، من بينها خليل الصديقي عن التجمع الوطني للأحرار، ومنير شنتير عن حزب الاستقلال، وأحمد العبادي عن التقدم والاشتراكية، ومحمد أمغار عن الأصالة والمعاصرة، وخالد البوقرعي عن العدالة والتنمية، وحميد كوسكوس عن الحركة الشعبية، إلى جانب عدد كبير من المرشحين الذين يخوضون التجربة الانتخابية بأجندات وأهداف مختلفة.

وكانت دائرة تازة قد أفرزت في انتخابات 2021 خمسة فائزين يمثلون الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية، وهو ما يجعل الاستحقاق الحالي اختباراً حقيقياً لقدرة هذه الأحزاب على الحفاظ على مواقعها، في مواجهة أحزاب أخرى تسعى إلى العودة إلى واجهة المنافسة.

تازة.. أكثر من نصف مليون نسمة وثقل قروي كبير

وتزداد أهمية هذه المنافسة بالنظر إلى الثقل الديموغرافي للإقليم. فحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، يبلغ عدد سكان إقليم تازة 500 ألف و971 نسمة، منهم 212 ألفاً و713 نسمة بالوسط الحضري و288 ألفاً و258 نسمة بالوسط القروي، موزعين على 126 ألفاً و23 أسرة.

وتعني هذه التركيبة أن المعركة الانتخابية لا يمكن اختزالها في مدينة تازة، مهما كان وزنها السكاني والسياسي، لأن أكثر من نصف سكان الإقليم يعيشون في الوسط القروي، الأمر الذي يجعل الجماعات والدوائر القروية إحدى أهم ساحات المنافسة خلال الأيام المقبلة.

كما يتكون الإقليم من 38 جماعة ترابية، بينها أربع جماعات حضرية و34 جماعة قروية، وهو ما يمنح الحملة الانتخابية امتداداً جغرافياً واسعاً، ويفرض على المرشحين والأحزاب مجهوداً ميدانياً كبيراً للوصول إلى مختلف المناطق والناخبين.

من اجتماع الأربعاء إلى اختبار الحملة

وبينما كان اجتماع الأربعاء يحمل الطابع المؤسساتي والقانوني، فإن صباح الخميس فتح الباب أمام الاختبار السياسي والميداني الحقيقي.

فابتداء من اليوم، ستتجه الأحزاب واللوائح إلى تنظيم لقاءاتها وتجمعاتها والتواصل المباشر مع الناخبين، فيما ستظل السلطات مطالبة بمواكبة هذه الأنشطة وفق القانون، وضمان احترام النظام العام وتكافؤ الفرص، مع استمرار حضور المصالح الأمنية والقضائية كلما اقتضت الضرورة القانونية والتنظيمية ذلك.

وهنا تبرز أهمية الرسائل التي حملها اجتماع الأمس، لأن نجاح الحملة لا يقاس فقط بحجم الحضور في التجمعات أو عدد الملصقات واللقاءات، وإنما كذلك بمدى احترام قواعد المنافسة، وقدرة مختلف المتنافسين على تقديم برامجهم دون تجاوز الخطوط القانونية التي تؤطر العملية الانتخابية.

وتدخل تازة بذلك مرحلة انتخابية حاسمة، بعدما اكتملت تقريباً كل عناصر المشهد: لوائح الترشيح، المرشحون، خمسة مقاعد، إدارة ترابية مستنفرة، حضور قضائي وأمني، وكتلة انتخابية واسعة تنتظر من مختلف المتنافسين تقديم برامجهم واختياراتهم.

الحسم يوم 23 شتنبر

وتبقى الأيام الممتدة من 10 إلى 22 شتنبر موعداً مع واحد من أكثر السباقات الانتخابية إثارة داخل جهة فاس-مكناس، في ظل تنافس 20 لائحة على خمسة مقاعد، وعودة أسماء ذات تجربة برلمانية، ودخول فاعلين محليين إلى السباق، وتغيرات شهدتها بعض التزكيات والترشيحات مقارنة مع انتخابات 2021.

لكن، ورغم قوة الأسماء وحجم التعبئة الحزبية، فإن لا أحد يملك مسبقاً مفاتيح المقاعد الخمسة، لأن الحسم النهائي لن يكون في الاجتماعات الحزبية ولا في التجمعات الانتخابية، وإنما داخل صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر.

وبينما تتولى الإدارة الترابية، بقيادة عامل الإقليم رشيد بنشيخي، مسؤولية توفير شروط الحملة الآمنة والمنظمة والمحايدة، وتضطلع النيابة العامة بدورها في ضمان احترام القانون، وتواكب المصالح الأمنية مختلف مراحل العملية، تنتقل الكرة الآن إلى ملعب الأحزاب والمرشحين لإقناع الناخبين، في اختبار انتخابي ستكون نتائجه كفيلة بإعادة رسم جزء مهم من الخريطة السياسية بإقليم تازة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى