سياسة

هل يجرؤ أخنوش على مواجهة حيتان الفساد أم يكتفي بمطاردة الموظف البسيط؟ من خلال لقاءه مع رئيس النزاهة و الشفافية

في الوقت الذي تتزايد فيه فضائح تضارب المصالح داخل بعض دوائر الحكومة، استقبل رئيس الحكومة عزيز أخنوش، أمس الثلاثاء 21 أكتوبر 2025 بالرباط، محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، في لقاء قيل إنه مخصص لإعطاء “نفس جديد” لورش محاربة الفساد بالمغرب.
لكن السؤال الذي يتردد اليوم على ألسنة المواطنين: هل يملك أخنوش الشجاعة السياسية لفتح الملفات الثقيلة داخل حكومته؟ أم أن الحرب على الفساد ستبقى موجّهة نحو “الأسماك الصغيرة” فيما تسبح “الحيتان الكبيرة” في أمان؟

البيان الرسمي تحدث عن “تعزيز الوقاية من الفساد وإضفاء دينامية جديدة على مؤسسات الحكامة”، لكن الواقع يقول إن الفساد لم يعد مجرد سلوك فردي بل منظومة متكاملة تحظى بالحماية داخل دواليب السلطة.
فكيف يمكن لحكومة يشتبه في تضارب مصالح بعض وزرائها أن تكون هي نفسها من يُشرف على “تطهير” الإدارة؟
أليس من الأولى أن يبدأ رئيس الحكومة بمراجعة ملفات الصفقات العمومية التي تحوم حولها شبهات؟
أم أن مكافحة الفساد ستبقى شعاراً سياسياً يُستعمل عند الحاجة لتلميع الصورة الخارجية؟

الحديث عن “إحداث الأكاديمية المغربية للنزاهة” و”المختبر الوطني لمحاربة الفساد” جميل من حيث الشكل، لكنه لا يُقنع الشارع المغربي الذي يرى أن المعركة الحقيقية ليست في خلق مؤسسات جديدة، بل في كسر جدار الحصانة غير المعلنة حول الحيتان الكبيرة.
فالمغاربة اليوم لا يريدون لجاناً جديدة أو خططاً رقمية، بل يريدون أن يروا محاسبة حقيقية للمتورطين في نهب المال العام، من كبار المسؤولين قبل صغار الموظفين.
لأنّ ضرب الموظف الصغير وترك كبار المنتفعين يعبثون بالصفقات والاستثمارات هو تكريس للظلم لا لمكافحة الفساد.

اللقاء بين أخنوش وبنعليلو تناول ضرورة عقد اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد لتقييم حصيلة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية. غير أن المواطن المغربي البسيط لم يعد يثق في التقارير المتكررة والوعود المكرورة، بعدما رأى أن كل حكومة تكرر خطاب النزاهة وتغادر دون أن تُحاسَب.
فأين ذهبت مئات الملفات التي فتحتها هيئة النزاهة منذ تأسيسها؟
ولماذا لم نرَ بعد مسؤولاً رفيعاً يُقدَّم للعدالة في ملفات واضحة للرأي العام؟
الجواب بسيط: لأنّ الفساد في المغرب أصبح هيكلياً، متجذراً في مفاصل القرار السياسي والاقتصادي، ولا يمكن تجاوزه دون إرادة سياسية حقيقية تطال رؤوساً نافذة.

رئيس الحكومة اليوم أمام منعطف تاريخي: إما أن يثبت أن حكومته قادرة على مواجهة تضارب المصالح داخلها وفتح ملفات الفساد بلا استثناء، أو أن يؤكد للمغاربة أن حكومته ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل التجميل المؤقت.
فلا معنى للحديث عن “ورش النزاهة” ما دام الريع والاحتكار وتضارب المصالح هي القواعد التي تحكم القطاعات الكبرى في البلاد.
إنّ محاربة الفساد لا تبدأ بالموظف البسيط في الجماعة أو الإدارة المحلية، بل تبدأ من فوق، من حيث تُصنع القرارات وتُوزّع المنافع.

المغاربة سئموا من الشعارات المكرورة. يريدون أن يروا أفعالاً لا تصريحات، ومسؤولين كباراً أمام القضاء لا على المنصات.
وإذا كان أخنوش جاداً فعلاً في الحرب على الفساد، فليبدأ من داخل حكومته، لأنّ البيت الداخلي المليء بالتناقضات لا يمكن أن يُنظّف الإدارة العامة.
أما إذا اختار الطريق السهل، فسيبقى الفساد هو الحاكم الحقيقي، وستظل الحيتان الكبيرة هي التي تُهدد مستقبل المغرب وتبتلع أحلام الإصلاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى