الصحراء المغربية تعيد رسم موقع الرباط دولياً.. كيف تحولت الدبلوماسية الملكية إلى ورقة استراتيجية في حسابات القوى الكبرى؟

لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد نزاع إقليمي مزمن ينتظر جولات جديدة من المفاوضات داخل الأمم المتحدة، بل أصبحت أحد المحددات الرئيسية التي تؤثر في علاقات المغرب بالقوى الكبرى، وفي طبيعة تحالفاته الاقتصادية والأمنية، وفي موقعه داخل التوازنات الإفريقية والمتوسطية. فمنذ التحول الذي أعلنته الولايات المتحدة الأمريكية في دجنبر 2020، دخلت الدبلوماسية المغربية مرحلة جديدة، عنوانها توسيع دائرة الاعتراف بمغربية الصحراء، وتعزيز الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وتحويل الشراكات الثنائية إلى رصيد سياسي واستراتيجي يخدم المصالح العليا للمملكة.
وفي قراءة نشرتها صحيفة «إلباييس» الإسبانية يوم 7 شتنبر 2026، اعتبرت أن المغرب أصبح أكثر ثقة في تحركاته الدولية، مستفيداً من الدعم الأمريكي والإسرائيلي، ومن التحولات التي عرفتها مواقف فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وإسبانيا. وربط التحليل هذا التطور بتغير موازين التعاطي الدولي مع قضية الصحراء، وبالتوسع الذي عرفته الشراكات المغربية في مجالات الدفاع والأمن والاقتصاد.
غير أن أهمية هذا التحول لا تكمن في عدد الدول التي أعلنت دعمها للمغرب فقط، بل في انتقال القضية الوطنية إلى قلب الحسابات الاستراتيجية لدول مؤثرة، وفي قدرة الرباط على بناء شبكة علاقات تتجاوز المجال الأوروبي التقليدي نحو إفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وآسيا.
من دجنبر 2020 إلى أكتوبر 2026.. مسار دبلوماسي غير قواعد النقاش
شكل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في دجنبر 2020، اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء، محطة مفصلية في مسار النزاع. وجاء الإعلان في سياق استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية، ضمن التفاهمات التي رافقت الاتفاق الثلاثي بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل.
ولم يكن أثر القرار الأمريكي محصوراً في مضمونه الثنائي، بل امتد إلى طبيعة النقاش الدولي حول الحل السياسي. فقد أصبحت واشنطن أكثر وضوحاً في دعمها للمقترح المغربي، ثم تعزز هذا المسار مع إعلان فرنسا، في يوليوز 2024، أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل الإطار الذي ينبغي أن تتم داخله تسوية النزاع.
كما أعلنت المملكة المتحدة أن المبادرة المغربية تشكل الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وبراغماتية من أجل حل دائم، فيما اعتبرت إسبانيا المقترح الأكثر جدية وواقعية ومصداقية منذ تحول موقفها في مارس 2022.
وتكمن أهمية هذه المواقف في صدورها عن دول تملك تأثيراً سياسياً واقتصادياً وأمنياً واسعاً، وعن ثلاث قوى دائمة العضوية في مجلس الأمن هي الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة.
ومع ذلك، فإن التمييز بين الاعتراف الصريح بالسيادة المغربية ودعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً للتفاوض يظل ضرورياً لفهم الخريطة الدبلوماسية بدقة. فهذه المواقف تتقاطع في دعم المقترح المغربي، لكنها ليست متطابقة في صيغها القانونية والسياسية.
مجلس الأمن.. انتقال الحكم الذاتي إلى مركز العملية السياسية
يمثل قرار مجلس الأمن رقم 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، إحدى المحطات البارزة في هذا المسار، بعدما أكد دعم المجلس للجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول، واتخذ المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات.
وقد حظي القرار بتأييد 11 عضواً، مقابل 3 امتناعات، بينما لم تشارك الجزائر في التصويت. وصوتت الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة لصالحه، في حين امتنعت روسيا والصين.
وتعكس هذه النتيجة اتساع قاعدة التأييد الدولي للمقترح المغربي، لكنها لا تعني أن جميع الخلافات بشأن مستقبل الصحراء قد انتهت، أو أن الأمم المتحدة أصدرت حكماً نهائياً بسيادة المغرب على الإقليم. فالقرار أبقى على المسار السياسي، ودعا الأطراف المعنية إلى الانخراط في مفاوضات بهدف الوصول إلى تسوية نهائية.
وفي أكتوبر 2026، عاد الملف إلى واجهة النقاش داخل مجلس الأمن مع تداول مسودة أمريكية جديدة بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء. وتضمنت النسخة الأولية المتداولة مقترحات لتغيير اسم البعثة وإعادة تنظيم مهامها، بما في ذلك الانتقال المحتمل من مهمة لحفظ السلام إلى بعثة سياسية.
لكن هذه المقتضيات تظل مرتبطة بمسار التفاوض وصيغة القرار الذي سيعتمده المجلس رسمياً، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها قرارات نافذة قبل التصويت النهائي.
ومع ذلك، فإن مجرد طرح مستقبل البعثة بهذه الصورة يعكس اتجاهاً نحو مراجعة الأدوات الأممية المستخدمة في إدارة النزاع، في وقت أصبح فيه الحكم الذاتي المغربي مرجعية مركزية في النقاش الدبلوماسي.
الدبلوماسية الملكية.. بناء التحالفات قبل جني النتائج
لا يمكن تفسير التحولات التي عرفها موقف عدد من الدول من قضية الصحراء بمعزل عن السياسة الخارجية التي اعتمدها الملك محمد السادس خلال السنوات الماضية، والتي قامت على تنويع الشراكات، وتعزيز التعاون الاقتصادي، وتوسيع الحضور المغربي داخل القارة الإفريقية، مع الحفاظ على علاقات استراتيجية مع القوى الغربية.
فالمغرب لم يراهن على التصريحات الدبلوماسية وحدها، بل عمل على بناء مصالح مشتركة مع شركائه في مجالات الاستثمار والطاقة والأمن والتجارة والنقل والتعاون الديني والتكوين.
وقد منح هذا التوجه المملكة قدرة أكبر على التحرك بين دوائر دولية متعددة، دون حصر علاقاتها الخارجية في محور واحد. فإلى جانب الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، حافظ المغرب على علاقات مهمة مع أوروبا، ووسع تعاونه مع دول الخليج، وعزز استثماراته في إفريقيا، وواصل تنويع علاقاته الاقتصادية مع آسيا وأمريكا اللاتينية.
وتكمن إحدى ركائز هذه السياسة في الربط بين الدفاع عن الوحدة الترابية والمصالح الاقتصادية المشتركة. فالدول التي تستثمر في المغرب أو تعتمد عليه شريكاً في مجالات الأمن والتجارة والطاقة تكون أكثر انخراطاً في الحوار السياسي معه، وإن كان هذا التقاطع لا يعني بالضرورة أن المصالح الاقتصادية وحدها هي التي تحدد مواقفها من قضية الصحراء.
لقد عملت الدبلوماسية الملكية على جعل ملف الوحدة الترابية جزءاً أساسياً من الحوار مع الشركاء، مع التأكيد على أن العلاقات الاستراتيجية لا يمكن فصلها عن احترام المصالح العليا للمملكة.
واشنطن.. شراكة تتجاوز قضية الصحراء إلى الدفاع والأمن
يشكل التعاون المغربي الأمريكي أحد أبرز مكونات التحول الاستراتيجي الذي عرفته المملكة. فإلى جانب الموقف الأمريكي من الصحراء، تطورت الشراكة العسكرية والأمنية، وتعزز التعاون في مكافحة الإرهاب والتدريب العسكري وتبادل الخبرات.
ويشير تحليل «إلباييس» إلى أن الولايات المتحدة أصبحت المورد الرئيسي للأسلحة التي يقتنيها المغرب، مستنداً إلى بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. كما أشار إلى تطور التعاون الدفاعي مع إسرائيل، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي والتكنولوجيا العسكرية.
وتعكس هذه الشراكات سعي المغرب إلى تحديث قدراته الدفاعية وتعزيز جاهزيته في محيط إقليمي يتسم بالتنافس الاستراتيجي، خصوصاً في ظل التوترات مع الجزائر وتنامي التحديات الأمنية في منطقة الساحل.
لكن التعاون العسكري لا ينبغي قراءته باعتباره ضمانة تلقائية لحسم النزاع سياسياً، بل بوصفه جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات التي تمنح المغرب أدوات إضافية لحماية مصالحه وتعزيز موقعه التفاوضي.
كما أن الاعتماد على الموردين الخارجيين في مجال التسلح يطرح بدوره أسئلة حول كلفة التحديث العسكري، ونقل التكنولوجيا، وبناء قدرات صناعية وطنية، ومدى التوازن بين المتطلبات الدفاعية والاستثمارات الاجتماعية والاقتصادية.
إسرائيل.. شراكة جديدة ذات مكاسب وحسابات معقدة
أدى استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020 إلى فتح مجالات جديدة للتعاون في التكنولوجيا والأمن والدفاع والابتكار. وأصبح هذا المسار أحد العناصر التي تفسر تطور العلاقات بين الرباط وواشنطن، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها إسرائيل في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.
وفي شتنبر 2026، تناولت تقارير صحفية إعلاناً ثلاثياً أمريكياً مغربياً إسرائيلياً بشأن تعزيز التعاون بين الدول الثلاث، إلى جانب توجه نحو الارتقاء بالتمثيل الدبلوماسي بين المغرب وإسرائيل إلى مستوى السفارات، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري.
ويعكس هذا التطور توجهاً نحو مأسسة العلاقات وتوسيع نطاقها، غير أن تقدير أثرها يقتضي النظر أيضاً إلى حساسيتها الإقليمية والسياسية، خصوصاً في ظل استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والتوترات التي يعرفها الشرق الأوسط.
وبالنسبة إلى المغرب، يظل التحدي مرتبطاً بإدارة هذه الشراكة ضمن ثوابته الدبلوماسية، وبما يضمن خدمة المصالح الوطنية دون إغفال المواقف المعلنة للمملكة من القضية الفلسطينية وضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل.
إفريقيا.. العمق الاستراتيجي الذي يعزز موقع المغرب
لا يقتصر التحول الدبلوماسي المغربي على العلاقات مع واشنطن والعواصم الأوروبية، بل يرتبط كذلك بالسياسة الإفريقية التي جعلت من القارة فضاءً أساسياً للتعاون والاستثمار.
فمنذ عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، كثفت المملكة علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع عدد من الدول الإفريقية، ووسعت حضورها في قطاعات البنوك والاتصالات والأسمدة والتأمين والطاقة والنقل الجوي.
كما ساهمت الاستثمارات المغربية والزيارات الملكية والاتفاقيات الثنائية في بناء شبكة واسعة من المصالح المشتركة، بالتوازي مع افتتاح قنصليات لدول إفريقية في العيون والداخلة.
ويشكل هذا الحضور أحد المؤشرات الملموسة على التحول الذي عرفته العلاقات مع الأقاليم الجنوبية، إذ أصبحت مدينتا العيون والداخلة جزءاً من خريطة التعاون الدبلوماسي والاقتصادي مع عدد من الدول.
وتتجاوز أهمية هذه القنصليات بعدها الرمزي إلى ما يمكن أن تتيحه من فرص لتطوير المبادلات التجارية والتعاون الإداري والاستثمار.
غير أن النفوذ الإفريقي ليس مكسباً ثابتاً أو مضمون الاستمرار؛ فهو يحتاج إلى استثمارات ناجحة، وشراكات متوازنة، واحترام خصوصيات الدول الإفريقية، ومواصلة تقديم مشاريع تحقق منافع متبادلة.
أوروبا.. مواقف داعمة ومصالح متشابكة
تكتسي التحولات الأوروبية أهمية خاصة بسبب العلاقات التجارية الواسعة التي تربط المغرب بالاتحاد الأوروبي، وبسبب القرب الجغرافي والاعتماد المتبادل في ملفات الهجرة والأمن والطاقة.
فقد ساهم تحول الموقف الإسباني سنة 2022 في إعادة بناء العلاقات بين الرباط ومدريد بعد سنوات من التوتر، فيما شكل الموقف الفرنسي سنة 2024 خطوة مهمة في مسار العلاقات الثنائية.
كما أعلنت ألمانيا والبرتغال وبلجيكا مواقف داعمة لمبادرة الحكم الذاتي بصيغ متفاوتة، بينما أكدت المملكة المتحدة أن المقترح المغربي يمثل أساساً واقعياً وقابلاً للتطبيق من أجل تسوية دائمة.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين مواقف الدول الأوروبية المنفردة والموقف المؤسسي للاتحاد الأوروبي، كما لا يجوز افتراض أن جميع الخلافات القانونية والتجارية المرتبطة بالصحراء قد حُسمت بمجرد تحول المواقف السياسية.
وتظل العلاقة بين المغرب وأوروبا محكومة بمزيج من المصالح الاقتصادية والأمنية والاختلافات القانونية والسياسية، وهو ما يجعل استمرار الحوار ضرورياً لتثبيت المكاسب وتفادي عودة الأزمات.
روسيا والصين.. لماذا لا يعني غياب الفيتو موافقة كاملة؟
على الرغم من اتساع التأييد للمقترح المغربي، فإن مواقف روسيا والصين تظل مختلفة عن مواقف واشنطن وباريس ولندن. فقد امتنعت الدولتان عن التصويت على القرار رقم 2797، وهو ما سمح بمروره دون اعتراض من أي عضو دائم في مجلس الأمن.
لكن الامتناع لا يعني الاعتراف بالسيادة المغربية أو الموافقة الكاملة على جميع عناصر المقترح المغربي. فموسكو وبكين تحافظان على مقاربتين دبلوماسيتين تتأثران بعلاقاتهما الدولية ومصالحهما الإقليمية ومواقفهما التقليدية من قضايا السيادة وتقرير المصير.
وفي الوقت نفسه، يواصل المغرب تطوير علاقاته الاقتصادية مع الصين، ويحافظ على قنوات التعاون مع روسيا في عدد من المجالات.
ويعكس ذلك حرص الرباط على عدم اختزال علاقاتها الدولية في مواقف الشركاء الغربيين، بل توسيع هامش الحركة عبر الحفاظ على قنوات التواصل مع قوى كبرى تختلف معها في بعض الملفات.
وهنا تتجلى أهمية الدبلوماسية متعددة الاتجاهات: فالمغرب يستطيع تعزيز علاقاته مع حلفائه الأساسيين، مع مواصلة الحوار مع القوى التي لا تتبنى الموقف نفسه من قضية الصحراء.
الجزائر.. العقدة الإقليمية التي لا يمكن تجاوزها
رغم المكاسب الدبلوماسية التي حققها المغرب، فإن استمرار الخلاف مع الجزائر يظل أحد أبرز العوامل التي تعرقل الوصول إلى تسوية نهائية.
فالجزائر تدعم جبهة البوليساريو وتتمسك بمقاربة تقرير المصير التي تفضي، وفق تصورها، إلى تمكين الصحراويين من الاختيار بشأن مستقبل الإقليم، بينما يؤكد المغرب أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الواقعي الذي يضمن الاستقرار والتنمية.
وقد استضافت مدريد وواشنطن خلال فبراير 2026 جولات من المحادثات بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، في مسعى أمريكي لإعادة تحريك المسار السياسي. لكن التقارير المتاحة أشارت إلى استمرار الخلافات الجوهرية بين الأطراف.
وتكشف هذه المعطيات أن التحولات في مواقف القوى الكبرى، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإنهاء النزاع، ما لم تتحول إلى مفاوضات جدية تقود إلى تسوية مقبولة.
ومن هذا المنطلق، يظل الحوار الإقليمي ضرورة استراتيجية، لأن استقرار المغرب العربي والتعاون في مجالات الأمن والتجارة والطاقة والهجرة لا يمكن أن يتحقق بصورة كاملة في ظل استمرار القطيعة والتوتر.
سبتة ومليلية.. بين الحسابات الداخلية والرهانات الاستراتيجية
تطرق تحليل «إلباييس» أيضاً إلى تجدد النقاش في المغرب بشأن سبتة ومليلية، في سياق أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة خلال يوليوز 2026، وما أثارته من توتر سياسي داخل إسبانيا.
ويرى بعض المحللين الذين استشهدت بهم الصحيفة أن تنامي الثقة المغربية في المجال الدولي قد يفسر ارتفاع حدة الخطاب بشأن المدينتين، بينما يحذر آخرون من الخلط بين التحركات السياسية الداخلية وبين التحولات الاستراتيجية الفعلية.
ويظل هذا الملف مختلفاً من الناحية القانونية والدبلوماسية عن قضية الصحراء، ولا يجوز افتراض أن التحولات في المواقف الدولية بشأن الصحراء ستؤدي تلقائياً إلى تغيير الوضع الدولي لسبتة ومليلية.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن إدارة هذا الملف تقتضي التوفيق بين المواقف الوطنية المعلنة ومتطلبات الاستقرار والتعاون مع إسبانيا، خصوصاً في مجالات التجارة والأمن والهجرة والاستثمار.
المكاسب الدبلوماسية لا تعني نهاية المعركة
تكشف التجربة المغربية أن التحولات الدبلوماسية الكبرى لا تتحقق في يوم واحد، بل تنتج عن تراكم طويل من العلاقات والاتفاقيات والتحركات السياسية.
فالمغرب عزز موقعه في إفريقيا، ووسع شراكاته الدفاعية، واستفاد من تحول مواقف عدد من القوى الغربية، كما نجح في جعل مبادرة الحكم الذاتي حاضرة بقوة في النقاشات الأممية.
لكن الطريق نحو تسوية نهائية لا يزال مرتبطاً بمسار التفاوض، وبمواقف الأطراف المعنية، وبقدرة مجلس الأمن على بلورة صيغة تحظى بالدعم اللازم.
كما أن الحفاظ على المكاسب يتطلب تعزيز الجبهة الداخلية، وتطوير الاقتصاد الوطني، وتحسين الخدمات الاجتماعية، وضمان أن تتحول الشراكات الدولية إلى فرص تنموية ملموسة للمواطنين.
فالقوة الدبلوماسية لا تقاس فقط بالبيانات الصادرة عن العواصم الكبرى، وإنما كذلك بقدرة الدولة على توظيف علاقاتها في تحقيق الاستقرار والتنمية، وبناء مؤسسات قوية، وتوسيع هامش استقلال قرارها الاستراتيجي.
خلاصة المشهد.. المغرب يوسع نفوذه والرهان هو تثبيت النتائج
تؤكد التحولات التي عرفتها قضية الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة أن المملكة باتت تتحرك في بيئة دولية أكثر تقبلاً لمبادرة الحكم الذاتي، مستفيدة من مواقف أمريكية وفرنسية وبريطانية، ومن دعم متزايد داخل إفريقيا وأوروبا والعالم العربي ومناطق أخرى.
وقد أسهمت الدبلوماسية الملكية في بناء هذا المسار عبر الجمع بين الشراكات السياسية والتعاون الاقتصادي والانفتاح على القوى الدولية المختلفة.
غير أن هذا التحول لا يعني أن جميع الملفات قد حُسمت، أو أن التوازنات الدولية أصبحت ثابتة ونهائية. فالمفاوضات الأممية ما تزال قائمة، والخلاف مع الجزائر مستمر، ومواقف بعض القوى الكبرى لا تزال مختلفة، كما أن تثبيت أي مكسب سياسي يحتاج إلى عمل دبلوماسي متواصل.
وفي المحصلة، فإن التحدي الذي يواجه المغرب لا يتمثل فقط في توسيع دائرة الدعم الدولي، بل في تحويل هذا الدعم إلى تسوية سياسية مستدامة، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، ومواصلة بناء شراكات تخدم التنمية والمصالح الوطنية.
وهنا تبرز قيمة الدبلوماسية الملكية باعتبارها مساراً طويل النفس، يقوم على تراكم المصالح وتوسيع التحالفات، مع إدراك أن المكاسب الدبلوماسية الكبرى لا تكتمل إلا عندما تتحول إلى نتائج سياسية واقتصادية ملموسة.






