الصحراء المغربية على أبواب منعطف أممي حاسم.. الدبلوماسية الملكية تراكم المكاسب وتدفع نحو إعادة صياغة مسار التسوية

من تثبيت الحكم الذاتي في قلب المفاوضات إلى مراجعة مستقبل بعثة الأمم المتحدة.. الرباط أمام اختبار تحويل الدعم الدولي إلى حل سياسي نهائي
لم يعد ملف الصحراء المغربية يتحرك داخل الدوائر الدبلوماسية الدولية بالوتيرة التقليدية التي طبعت تدبيره لعقود، بل دخل مرحلة تتقاطع فيها التحولات داخل مجلس الأمن، وتزايد الاهتمام الأمريكي بالتوصل إلى تسوية سياسية، وتنامي المواقف الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، مع نقاش متصاعد بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء. وفي قلب هذه التطورات، تبرز الدبلوماسية الملكية باعتبارها مساراً استراتيجياً طويل النفس، لا يقتصر على انتزاع مواقف مؤيدة، وإنما يستهدف نقل القضية الوطنية من دائرة تدبير النزاع إلى أفق البحث عن تسوية سياسية واقعية ودائمة، في إطار السيادة المغربية ووحدة التراب الوطني.
وتكتسب التطورات المسجلة خلال الأسبوع الأخير أهمية خاصة، لأن النقاش لم يعد منصباً فقط على تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة، بل امتد إلى طبيعة دورها المقبل، والمرجعية التي ستؤطر المفاوضات، والكيفية التي يمكن بها إعادة ترتيب المسار السياسي برمته. وبينما تستعد الأمم المتحدة لاستحقاق جديد داخل مجلس الأمن، تجد الأطراف المعنية نفسها أمام أسئلة أكثر مباشرة بشأن مستقبل العملية السياسية، وحدود استمرار الوضع القائم، ومدى القدرة على الانتقال إلى مرحلة جديدة تتجاوز الجمود الذي لازم هذا الملف سنوات طويلة.
مسودة أمريكية جديدة.. ما الذي تغير فعلياً؟
أبرز تطور في الأيام الأخيرة يتمثل في تداول نسخة معدلة من مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية، بعد إدخال تغييرات على الصيغة الأولية التي جرى تداولها في 20 أكتوبر 2026. وتكشف المقارنة بين النسختين أن واشنطن أبدت مرونة في بعض المقتضيات الإجرائية والجدول الزمني لإعادة هيكلة البعثة الأممية، لكنها أبقت على جوهر التوجه السياسي الذي يضع مبادرة الحكم الذاتي المغربية في صلب المفاوضات، ويجعلها أساساً وحيداً مقترحاً للتفاوض بشأن التسوية.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في الصيغة المعدلة الإبقاء على التوجه نحو تغيير اسم بعثة الأمم المتحدة، بحذف الإحالة إلى الاستفتاء من تسميتها، وتوجيه مهمتها نحو دعم العملية السياسية وتدابير بناء الثقة، مع استبعاد دور تنظيم الاستفتاء من مهامها وفق ما تتضمنه المسودة المتداولة. كما تنص الصيغة الجديدة على تمديد ولاية البعثة إلى غاية 31 أكتوبر 2027، وإخضاع مستقبلها لمراجعة استراتيجية يقدم بشأنها الأمين العام للأمم المتحدة مقترحات في أجل ستة أشهر.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين المسودة الأولى والنسخة المعدلة. فالصيغة الأولى كانت تقترح إنهاء مهمة حفظ السلام في 30 أبريل 2027، ثم تحويل البعثة إلى مهمة سياسية خاصة لمدة ستة أشهر، فضلاً عن تقليص مكونها النظامي بنسبة لا تقل عن 50 في المائة بحلول نهاية يناير 2027. أما النسخة المعدلة، فقد تخلت عن هذا الانتقال الآلي والمحدد سلفاً، وأحالت مستقبل المهمة وحجم مكونها العسكري وإعادة توزيع مهامها على مراجعة استراتيجية لاحقة، بما يمنح أعضاء مجلس الأمن هامشاً أوسع للتوافق.
كما خففت الصيغة الجديدة من حدة بعض العبارات السياسية، واستعادت إشارات إلى مبدأ تقرير المصير في متن المشروع، في محاولة لمراعاة تحفظات بعض أعضاء المجلس. غير أن القراءة السياسية للمسودة تظهر أن هذا التعديل في اللغة والجدول الزمني لا يلغي استمرار الحكم الذاتي المغربي في مركز التصور المقترح للمفاوضات.
ويجب التأكيد أن الأمر يتعلق بمشروع قرار لم يُعتمد بعد، وليس بقرار أممي نهائي. لذلك فإن ما يجري تداوله يمثل مؤشراً على اتجاه النقاش الدبلوماسي، لكنه لا يسمح بالجزم مسبقاً بنتيجة التصويت أو باعتبار جميع المقترحات الواردة فيه قرارات نافذة.
من تدبير النزاع إلى البحث عن التسوية
تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا التحول في أنه يعيد طرح سؤال جوهري: هل تستطيع الأمم المتحدة الاستمرار إلى أجل غير محدد في إدارة نزاع لم يحقق المسار الذي أُنشئت البعثة من أجله اختراقاً نهائياً، أم أن المرحلة الراهنة تقتضي إعادة توجيه أدوات الوساطة نحو حل سياسي قابل للتطبيق؟
لقد أظهرت التجربة الممتدة منذ وقف إطلاق النار سنة 1991 أن استمرار الآليات نفسها لا يكفي وحده لإنتاج تسوية. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول مستقبل البعثة لا ينبغي اختزاله في تغيير الاسم أو تقليص عدد الموظفين والعسكريين، بل يتعين النظر إليه باعتباره جزءاً من مراجعة أوسع لوظيفة الحضور الأممي، ومدى ارتباطه بعملية سياسية ذات أهداف واضحة وآفاق زمنية قابلة للتقييم.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن أهمية المرحلة تكمن في تثبيت المرجعية التي راكمت حولها الدبلوماسية الملكية دعماً دولياً متزايداً، والمتمثلة في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره حلاً سياسياً واقعياً. لكن التحدي الحقيقي لا يتوقف عند إدراج هذه المبادرة في نصوص أممية، بل يتجاوز ذلك إلى ضمان استمرارها أساساً للمفاوضات، وتوسيع دائرة الدول التي تدافع عنها، وتوفير الشروط السياسية التي تسمح بترجمتها إلى تسوية عملية.
فالقرار الأممي رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 شكل محطة مهمة في المسار، بعدما ربط المفاوضات بمقترح الحكم الذاتي المغربي، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النقاش الدولي. واليوم، تأتي المسودة الجديدة لتكشف أن النقاش لم يعد يدور فقط حول تجديد ولاية البعثة، بل أصبح يشمل طبيعة مهمتها وموقع المبادرة المغربية في العملية السياسية المقبلة.
152 صوتاً داخل اللجنة الرابعة.. مكسب مهم لا يعني نهاية المعركة
ومن بين المؤشرات الدبلوماسية البارزة التي سبقت التطورات الحالية، اعتماد اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، في أكتوبر الجاري، قرارها السنوي المتعلق بالصحراء بأغلبية 152 صوتاً مؤيداً، مقابل صوتين معارضين وسبعة امتناعات، وفق المعطيات المنشورة بشأن التصويت.
وتكمن أهمية هذه النتيجة في حجم التأييد الذي حظي به القرار، وفي الإحالة التي تضمنها إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025. وهي إشارة إلى أن المرجعية التي باتت تؤطر النقاش داخل مجلس الأمن أصبحت حاضرة أيضاً في مسار المداولات داخل الجمعية العامة، بما يعكس اتساع نطاق التفاعل الدولي مع المسار السياسي الذي يجري الترويج له باعتباره مدخلاً إلى التسوية.
ومع ذلك، تقتضي القراءة المهنية عدم الخلط بين تصويت اللجنة الرابعة وبين قرار نهائي يحسم السيادة أو ينهي النزاع. فاللجنة الرابعة تندرج ضمن منظومة الجمعية العامة المعنية بقضايا إنهاء الاستعمار، بينما يظل مجلس الأمن صاحب الدور المركزي في تدبير ولاية البعثة الأممية والإشراف على المسار السياسي. ولذلك فإن قيمة هذا التصويت تكمن في دلالته السياسية وحجم التأييد الذي أفرزه، وليس في اعتباره وحده حلاً نهائياً للنزاع.
إن الدبلوماسية الملكية تراهن، في هذا السياق، على تراكم المواقف لا على حدث منفرد. فكل تحول في موقف دولة، وكل دعم معلن لمبادرة الحكم الذاتي، وكل تقارب ثنائي ينعكس داخل المؤسسات متعددة الأطراف، يشكل جزءاً من رصيد سياسي يراد تحويله إلى دعم مستقر للموقف المغربي. وتزداد أهمية هذا الرصيد عندما ينتقل من التصريحات الثنائية إلى لغة القرارات والمفاوضات الدولية.
الدبلوماسية الملكية.. بناء التحالفات بدل الاكتفاء بردود الفعل
إن قراءة التطورات الحالية من زاوية الدبلوماسية الملكية تقتضي تجاوز منطق عدّ الاعترافات والمواقف، والنظر إلى الطريقة التي أعاد بها المغرب بناء حضوره في عدد من الفضاءات الدولية، من أوروبا إلى إفريقيا، ومن أمريكا الشمالية إلى أمريكا اللاتينية.
فالتوجه المغربي لا يقوم على التحرك الظرفي كلما اقترب موعد التصويت داخل مجلس الأمن، وإنما على ربط القضية الوطنية بشبكة أوسع من الشراكات السياسية والاقتصادية والأمنية. وقد أصبحت العلاقات الثنائية، والتعاون في الاستثمار والتجارة والأمن الغذائي والربط اللوجستي، أدوات موازية للعمل الدبلوماسي، بما يجعل الموقف من الصحراء جزءاً من سياق أوسع للعلاقات بين المغرب وشركائه.
وفي هذا الإطار، برزت خلال الأشهر الأخيرة تحولات مهمة في أمريكا اللاتينية. فقد أعلنت كولومبيا في أغسطس 2026 تجميد علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان المسمى «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، وأكدت في بيان لوزارة خارجيتها اعترافها بسيادة المغرب على كامل ترابه، بما في ذلك الصحراء المغربية. ويمثل هذا التحول أهمية سياسية لأنه لا يقتصر على إضافة موقف مؤيد للمغرب، بل يعكس مراجعة لسياسة سابقة كانت تمنح الطرف الانفصالي سنداً دبلوماسياً في منطقة ظلت لسنوات مجالاً للتنافس بين الرباط وخصومها.
كما أشار وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، خلال مشاركة المغرب في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، إلى مواقف داعمة للمغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي صدرت عن عدد من الدول، من بينها بيرو وتشيلي وبنما وموريشيوس وجامايكا وأرمينيا، مع اختلاف طبيعة المواقف ومستوياتها. وتكشف هذه التحولات أن الدبلوماسية المغربية تعمل على توسيع دائرة التأييد الجغرافي، بما يقلص من قدرة خصوم الوحدة الترابية على تقديم النزاع باعتباره محصوراً في محيط إقليمي ضيق.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه التحولات لا تقاس فقط بعدد الدول التي تعلن مواقفها، بل بمدى استدامة تلك المواقف وتحولها إلى تعاون ملموس، وإلى دعم داخل المؤسسات الدولية عند اتخاذ القرارات. فالمكسب الدبلوماسي يصبح أقوى عندما يتحول إلى شراكة استراتيجية، وعندما يستند إلى مصالح متبادلة تجعل الموقف السياسي جزءاً من علاقة طويلة الأمد.
موسكو وواشنطن.. اختبار التوازنات داخل مجلس الأمن
ومن التطورات التي تستحق المتابعة في هذه المرحلة، التحرك المغربي باتجاه روسيا، العضو الدائم في مجلس الأمن، حيث أجرى ناصر بوريطة اتصالاً هاتفياً مع نظيره الروسي سيرغي لافروف يوم 23 أكتوبر، تناول العلاقات الثنائية والتنسيق داخل الأمم المتحدة، بالتزامن مع تكثيف المشاورات بشأن مشروع القرار الجديد حول الصحراء.
ولا يعني الإعلان عن هذا الاتصال أن موسكو حسمت موقفها من المسودة، إذ لم يوضح البيان الروسي المنشور ما إذا كان مشروع القرار قد نوقش بالتفصيل خلال المحادثة. لكنه يعكس أهمية إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع القوى الكبرى، خصوصاً أن روسيا والصين امتنعتا عن التصويت على القرار 2797 في أكتوبر 2025، بينما صوتت له إحدى عشرة دولة دون أي صوت معارض، مع غياب الجزائر عن التصويت آنذاك.
وتكمن أهمية الموقف الروسي في أن روسيا عضو دائم يتمتع بحق النقض، ما يجعل حسابات موسكو عاملاً مؤثراً في أي مشروع قرار جوهري. كما أن موقف الصين وبقية أعضاء المجلس سيظل مرتبطاً بصيغة النص النهائية، وبكيفية الموازنة بين دعم المسار السياسي واللغة المتعلقة بمبدأ تقرير المصير ومستقبل البعثة الأممية.
وهنا تظهر إحدى نقاط القوة في الدبلوماسية الملكية: التعامل مع الملف باعتباره معركة تفاوضية متعددة المستويات، لا مجرد مواجهة خطابية بين المغرب والجزائر أو بين الرباط وجبهة البوليساريو. فالمطلوب هو المحافظة على الدعم الواضح من الحلفاء، وفي الوقت نفسه إدارة الحوار مع الدول التي تتحفظ على بعض الصيغ أو تفضل تعديلات في اللغة والآليات.
الجزائر والبوليساريو أمام ضغوط سياسية متزايدة
في المقابل، تكشف ردود فعل جبهة البوليساريو عن حجم القلق الذي أثارته الصيغة الأمريكية الأولى. فقد هددت الجبهة بالانسحاب من العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة إذا اعتمد مجلس الأمن المشروع بصيغته الأولية دون تعديلات جوهرية، معتبرة أنه يحدد مسبقاً إطار المفاوضات ونتائجها.
وتعكس هذه اللهجة أن النزاع لم يعد محصوراً في الدفاع عن مواقف تقليدية، بل بات يتأثر بالتغيرات التي تطال المرجعية السياسية للمفاوضات. فحين يصبح الحكم الذاتي المغربي محور النص المقترح، ويتجه النقاش إلى إعادة تعريف مهمة البعثة الأممية، فإن الأطراف المعنية تجد نفسها أمام ضرورة مراجعة حساباتها بشأن كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة.
لكن لا ينبغي اعتبار التهديد بالانسحاب دليلاً على أن المسار السياسي انتهى أو أن نتيجة النزاع حُسمت. فالمفاوضات تظل رهينة توازنات دولية وإقليمية، كما أن الصيغة المعدلة للمشروع أظهرت أن واشنطن مستعدة لتليين بعض العبارات والمقتضيات من أجل توسيع قاعدة التوافق داخل مجلس الأمن. وهذا يعني أن المعركة الدبلوماسية لا تزال مفتوحة، وأن التفاصيل القانونية والسياسية للنص النهائي ستظل ذات أهمية كبيرة.
أما الجزائر، فإن دورها يظل محورياً في أي مسار جدي، بالنظر إلى حضورها المباشر في النزاع ودورها في دعم جبهة البوليساريو. ومن ثم فإن نجاح أي مبادرة للتسوية يتطلب الانتقال من تبادل الاتهامات إلى مفاوضات مسؤولة، تتعامل مع المقترحات المطروحة باعتبارها مدخلاً إلى حل سياسي قابل للاستمرار، بدل إطالة أمد النزاع وتعميق كلفته الإنسانية والتنموية على المنطقة المغاربية.
البعد الإنساني.. ملف مخيمات تندوف يدخل النقاش من جديد
ومن بين المقتضيات التي تضمنتها الصيغة الأمريكية المتداولة، الدعوة إلى استكمال تسجيل السكان في مخيمات تندوف خلال أجل ستة أشهر، وفق شروط القانون الدولي وضمانات الوصول دون عوائق أو تدخل من أي طرف. ويكتسب هذا البند أهمية إنسانية وسياسية في آن واحد، لأنه يعيد طرح مسألة البيانات السكانية وسبل ضمان الحماية الإنسانية وتحديد الاحتياجات الفعلية للسكان المعنيين.
ولا ينبغي اختزال هذا الملف في الحسابات السياسية وحدها؛ فالمسألة تتعلق بأشخاص يعيشون منذ عقود في وضعية انتظار، وبضرورة توفير حلول مستدامة تحترم القانون الدولي وتضع الكرامة الإنسانية في صلب أي تسوية. كما أن معالجة الأوضاع الإنسانية تقتضي ضمان الشفافية والتعاون مع الجهات الأممية المختصة، بعيداً عن توظيف معاناة السكان في الصراع السياسي.
وفي هذا الإطار، يمكن للدبلوماسية المغربية أن تعزز حجتها عبر الربط بين مقترح الحكم الذاتي، وضمان الحقوق السياسية والثقافية والاقتصادية للسكان، وتوفير شروط التنمية والاندماج والاستقرار. فكلما جرى تقديم المبادرة في صورة تصور مؤسساتي واضح، بضمانات عملية للحكامة والتمثيل والتنمية، ازدادت قدرتها على مخاطبة الشركاء الدوليين الذين يبحثون عن حل واقعي ومستدام.
الرؤية الملكية.. من المكاسب الدبلوماسية إلى شروط الحل الدائم
إن جوهر الرؤية الملكية في قضية الصحراء المغربية يقوم على الجمع بين التشبث بالسيادة الوطنية، والانفتاح على الحل السياسي، وبناء الشراكات الدولية التي تجعل الاستقرار الإقليمي مصلحة مشتركة. وقد ساعد هذا النفس الاستراتيجي على نقل الملف إلى مستويات جديدة من النقاش الدولي، لكن المرحلة المقبلة تتطلب المحافظة على هذا التراكم وتحصينه من التحولات السياسية التي قد تعرفها الدول المؤثرة أو مناورات التفاوض داخل المؤسسات متعددة الأطراف.
فالاختبار الحقيقي للدبلوماسية لا يكمن في الوصول إلى لحظة تصويت فحسب، بل في القدرة على تحويل النصوص والمواقف إلى مسار سياسي قابل للتنفيذ. وإذا حافظ مشروع القرار النهائي على مركزية مبادرة الحكم الذاتي، فإن ذلك سيشكل دعماً سياسياً مهماً للموقف المغربي، لكنه لن يغني عن استمرار العمل الدبلوماسي، وتوضيح تفاصيل المبادرة، وتعزيز الثقة في آليات تطبيقها، وتوفير شروط مشاركة مسؤولة في المفاوضات.
ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تفرض على المغرب مواصلة التحرك على ثلاثة مستويات متوازية: أولها تثبيت المرجعية السياسية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في النقاش الأممي؛ وثانيها تعميق الشراكات الثنائية والمتعددة الأطراف، خصوصاً مع القوى المؤثرة داخل مجلس الأمن؛ وثالثها تعزيز النموذج التنموي في الأقاليم الجنوبية، بما يجعل الاستقرار والتنمية والحكامة عناصر عملية في تصور الحل، وليس مجرد شعارات دبلوماسية.
كما تفرض المرحلة قراءة دقيقة لأي تعديل في الصيغة النهائية لمشروع القرار. فالتراجع عن بعض المقتضيات المتعلقة بموعد تغيير طبيعة البعثة أو تقليص مكونها العسكري لا يعني بالضرورة تراجعاً عن جوهر التوجه السياسي، مثلما أن الإبقاء على الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات لا يعني أن كل تفاصيل التسوية قد حُسمت. إن الفارق بين المكسب السياسي والحل النهائي يظل قائماً، ويتطلب عملاً مستمراً حتى لا تتحول لحظة التقدم الدبلوماسي إلى مجرد محطة جديدة في إدارة نزاع طويل.
فرصة استراتيجية لا تحتمل المبالغة ولا التفريط
تواجه الصحراء المغربية اليوم لحظة دقيقة تتداخل فيها المؤشرات الإيجابية مع حسابات التفاوض المعقدة. فالمسودة الأمريكية المعدلة، والتصويت داخل اللجنة الرابعة، والتحولات في مواقف عدد من الدول، كلها عناصر تعكس اتساع الحضور الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وتؤكد أن الملف يشهد تغيراً في طبيعة النقاش بشأن الحل السياسي ومستقبل البعثة الأممية.
لكن المهنية تقتضي عدم التعامل مع هذه المؤشرات باعتبارها نهاية المعركة أو قراراً نهائياً لم يصدر بعد. فمجلس الأمن لم يحسم بعد في النص المتداول، والمواقف النهائية للدول الأعضاء تبقى مرتبطة بالصيغة التي ستطرح للتصويت، كما أن التسوية السياسية تحتاج إلى مسار تفاوضي جدي ومستدام.
إن الرهان المغربي، بقيادة الملك محمد السادس، يتمثل في تحويل هذا التراكم الدبلوماسي إلى حل سياسي نهائي يحفظ السيادة الوطنية ويضمن الاستقرار والتنمية، ويضع حداً لمعاناة إنسانية طال أمدها. وفي هذا المسار، تبدو الدبلوماسية الملكية أمام فرصة مهمة لتعزيز المكاسب، شرط مواصلة العمل الهادئ، وتدبير التوازنات الدولية بحكمة، والتمييز بين ما تحقق فعلاً وما لا يزال مطروحاً على طاولة التفاوض.
فالصحراء المغربية ليست مجرد ملف للتصويت السنوي داخل الأمم المتحدة، بل قضية سيادة ووحدة وطنية ورهان استراتيجي على استقرار المغرب ومحيطه. والمرحلة المقبلة لن تقاس فقط بما ستقوله القرارات، وإنما بما ستفتحه من إمكانات واقعية لإنهاء النزاع على أساس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، في إطار حل سياسي دائم وقابل للتطبيق.






