أزمة حقيقية في موسم الزيتون بتاونات.. كيلوغرام بثلاثة دراهم وأجرة الجني تصل إلى 300 درهم والزيت مرشح لمزيد من الانخفاض

تجد فلاحة الزيتون بإقليم تاونات نفسها أمام مفارقة اقتصادية صعبة خلال الموسم الفلاحي الحالي، فبين مؤشرات وفرة المحصول في عدد من المناطق، وتراجع سعر الزيتون إلى ثلاثة دراهم للكيلوغرام بسوق اثنين الولجة بمنطقة قرية با محمد، وارتفاع أجور اليد العاملة إلى ما بين 250 و300 درهم للعامل الواحد مقابل مدة اشتغال تقل عن ثماني ساعات، تتزايد الضغوط على الفلاحين الذين باتوا يخشون أن تتحول وفرة الإنتاج إلى موسم ضعيف المردودية، بعدما أصبحت تكاليف الجني والنقل والعصر تستنزف جزءا مهما من عائداتهم.
وتكشف تطورات السوق، خلال الأسبوع الأخير من أكتوبر، أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بتقلب أسعار المنتوج، بل أصبحت تمس مختلف حلقات سلسلة الإنتاج، بدءا من توفير العمال لجني الثمار، مرورا بتكاليف نقلها وعصرها، وانتهاء بتسويق الزيت في سوق يتطلع فيه المستهلكون إلى انخفاض الأسعار، بينما يسعى المنتجون إلى استرداد تكاليفهم والحفاظ على هامش ربح يسمح لهم بمواصلة النشاط الفلاحي.
ففي الوقت الذي سجل فيه سوق اثنين الولجة تراجعا لافتا في سعر الزيتون إلى ثلاثة دراهم للكيلوغرام، تحدثت معطيات محلية أخرى عن أثمنة تتراوح بين أربعة وستة دراهم في مناطق مختلفة من الإقليم، تبعا لجودة الثمار وظروف العرض والطلب. وهذا التفاوت يعكس أن السوق لا يتحرك بسعر موحد، وأن موقع البيع وجودة المحصول وتكاليف تسويقه عوامل مؤثرة في الثمن الذي يحصل عليه الفلاح.
ثلاثة دراهم للكيلوغرام.. هل أصبح الموسم عبئا على الفلاح؟
يشكل تراجع سعر الزيتون إلى ثلاثة دراهم للكيلوغرام مؤشرا مقلقا بالنسبة إلى المنتجين، خصوصا صغار الفلاحين الذين يعتمدون على هذا المحصول لتغطية مصاريفهم السنوية وتوفير دخل لأسرهم. فالسعر الذي يبدو جذابا للمشتري قد لا يكون مجزيا بالنسبة إلى المنتج عندما يحتسب ما أنفقه على خدمة الأشجار والتقليم والتسميد والري، حيثما توفر، ثم أجور العمال والنقل وبقية تكاليف الجني.
وتزداد صعوبة المعادلة عندما يضطر الفلاح إلى استئجار العمال بأسعار مرتفعة في فترة قصيرة، لأن تأخير الجني قد يعرضه لمخاطر تساقط الثمار أو تراجع جودتها أو تغير ظروف التسويق. وبذلك يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما تحمل كلفة مرتفعة لإنقاذ المحصول وتسويقه بسرعة، أو انتظار تحسن الأسعار مع احتمال زيادة المخاطر المرتبطة ببقاء الثمار في الأشجار.
ولا يعني انخفاض ثمن الزيتون بالضرورة أن جميع الفلاحين يبيعون بخسارة، لأن المردودية تختلف بحسب حجم الإنتاج وجودة الثمار وتكاليف الاستغلال وطريقة التسويق. لكنه يكشف عن ضغط متزايد على هامش الربح، خاصة لدى المنتجين الذين لا يتوفرون على وسائل للتخزين أو قدرة على التفاوض أو إمكانية تسويق إنتاجهم مباشرة إلى المستهلك.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن الثمن المتداول في السوق لا يعكس دائما التكلفة الحقيقية للإنتاج، كما أن الفلاح الصغير يظل في كثير من الحالات الحلقة الأقل قدرة على التأثير في السعر النهائي.
أزمة اليد العاملة.. 300 درهم مقابل أقل من ثماني ساعات
إذا كان تراجع الأسعار يمثل أحد وجوه الأزمة، فإن توفير اليد العاملة أصبح التحدي الأكثر إلحاحا في عدد من المناطق المنتجة للزيتون. فقد ارتفعت أجور الجني، وفق المعطيات التي يجري تداولها محليا، إلى ما بين 250 و300 درهم للعامل الواحد مقابل مدة اشتغال تقل عن ثماني ساعات، في وقت يجد فيه الفلاحون صعوبة متزايدة في تأمين العدد الكافي من العمال لإنهاء الجني داخل الآجال المناسبة.
ويؤكد هذا الوضع أن نقص العمالة الموسمية لم يعد مشكلة عابرة تقتصر على بضعة أيام من الموسم، بل أصبح عاملا مؤثرا في كلفة الإنتاج وفي توقيت الجني وفي قدرة الفلاح على استغلال المحصول المتاح. وقد سبق أن أثارت هذه الإشكالية قلق المهنيين خلال الموسم الماضي، عندما تسببت صعوبة توفير العمال في تأخر الجني ببعض المناطق، وهو ما انعكس على سير الموسم الفلاحي.
وتتداخل أسباب هذا الخصاص؛ فالهجرة من القرى نحو المدن، وتراجع الإقبال على الأشغال الفلاحية الشاقة، وتزامن مواسم جني محاصيل مختلفة، كلها عوامل يمكن أن تزيد المنافسة على العمال الموسميين. كما أن طبيعة العمل، التي تتطلب ساعات من الجهد البدني والتنقل بين الأشجار وجمع الثمار ونقلها، تجعل استقطاب العمال والاحتفاظ بهم تحديا بالنسبة إلى عدد من المستغلات الفلاحية.
وفي إقليم يعتمد جزء مهم من اقتصاده القروي على الزيتون، تصبح هذه الوضعية ذات أثر يتجاوز الفلاح الفردي، لأنها تمس الحركة الاقتصادية المرتبطة بالنقل والتجارة والعصر ومختلف الخدمات التي تنتعش خلال الموسم.
والمفارقة أن العامل يستفيد من ارتفاع الأجر في ظل ندرة فرص العمل المتاحة، بينما يتحمل الفلاح ارتفاع التكلفة في وقت لا يملك فيه ضمانات بأن سعر البيع سيغطي نفقاته. وهنا تتضح طبيعة الأزمة: ليست المشكلة في ارتفاع أجرة العامل وحده، ولا في انخفاض ثمن الزيتون وحده، بل في اختلال التوازن بين كلفة الإنتاج والسعر الذي يحصل عليه المنتج.
الزيت في المعاصر بحوالي 40 درهما.. وتوقعات بمزيد من الانخفاض
في موازاة ذلك، يجري تداول مؤشرات محلية تفيد بأن سعر لتر زيت الزيتون بلغ نحو 40 درهما لدى بعض المعاصر، مع توقعات بأن يسجل انخفاضا إضافيا خلال الأسابيع المقبلة، إذا استمر تدفق المحصول إلى الأسواق وتزايد العرض المتاح من الزيتون والزيوت المستخلصة.
ويظل هذا السعر مؤشرا محليا وليس سعرا وطنيا موحدا، كما أن الحديث عن انخفاض مرتقب يبقى توقعا مرتبطا بتطورات العرض والطلب، وليس نتيجة محسومة. فالسعر النهائي يتأثر بمردودية العصر، وجودة الزيت، والصنف، ودرجة نضج الثمار، وتكلفة الجني والنقل والعصر، فضلا عن حجم المخزونات المتبقية من الموسم الماضي.
وكانت معطيات منشورة خلال الأسبوع الماضي قد أشارت إلى أن سعر الزيتون في عدد من الأسواق يتراوح بين أربعة وستة دراهم للكيلوغرام، مع توقعات بمزيد من التراجع نتيجة استمرار توفر مخزونات مهمة من المحصول السابق. كما سبق لرئيس الفيدرالية البيمهنية المغربية للزيتون أن توقع تراجع الإنتاج الوطني في موسم 2026-2027 مقارنة بالموسم السابق، بنحو 40 في المائة، مع الإشارة إلى أن وجود مخزونات سابقة قد يخفف من أثر هذا التراجع على تموين الأسواق.
وتبرز هذه المعطيات أن انخفاض سعر الزيتون في بعض الأسواق لا يعني بالضرورة وفرة وطنية مطلقة، بل قد ينتج عن تفاوت الإنتاج بين المناطق، وتوقيت الجني، والمخزونات المتاحة، ومستوى الطلب لدى المعاصر والتجار.
أما بالنسبة إلى المستهلك، فإن نزول سعر الزيت إلى مستويات أقل قد يمثل فرصة لتحسين القدرة الشرائية، لكنه يظل مرتبطا بمدى انتقال انخفاض كلفة المادة الخام إلى سعر البيع النهائي، وليس فقط بالفارق الذي تحققه حلقات الوساطة والتسويق.
من يدفع فاتورة انخفاض الأسعار وغلاء الجني؟
تكشف هذه التطورات عن خلل في توزيع المخاطر داخل سلسلة الزيتون. فالفلاح يتحمل النفقات قبل أن يعرف السعر الذي سيبيع به محصوله، والعامل يفاوض على أجره في سوق موسمي محدود العرض، بينما تتحكم عوامل الجودة والمخزونات وحاجيات المعاصر وحركة الوسطاء في السعر الذي يصل إليه المنتوج.
ولإظهار حجم الضغط الذي تواجهه الاستغلاليات، يكفي النظر إلى العلاقة بين سعر الزيتون وكلفة تحويله. فإذا اشترى المنتج أو المعصرة الكيلوغرام بثلاثة دراهم، فإن توفير أربعة أو خمسة كيلوغرامات من الثمار يتطلب، في مثال حسابي تقريبي يختلف بحسب المردودية، ما بين 12 و15 درهما لتأمين المادة الخام اللازمة لإنتاج لتر من الزيت، قبل إضافة تكاليف الجني والنقل والعصر والتعبئة والتسويق.
ولا تمثل هذه الحسبة تكلفة نهائية أو معيارا ثابتا لجميع المعاصر، وإنما توضح كيف يمكن أن تتغير كلفة الزيت بحسب سعر الثمار ومردودية استخراج الزيت. فالزيتون الذي يعطي مردودية ضعيفة يرفع تكلفة اللتر الواحد، حتى إذا كان سعر الكيلوغرام منخفضا، بينما تسمح المردودية الجيدة بتوزيع نفقات الإنتاج على كمية أكبر من الزيت.
وتزداد أهمية هذه المعادلة حين يكون الفلاح مضطرا إلى دفع أجور مرتفعة للعمال من أجل جمع المحصول، إذ قد يلتهم الجني جزءا مهما من العائدات التي يحققها البيع. لذلك فإن مقارنة سعر الزيتون بسعر الزيت النهائي وحدها لا تكفي للحكم على ربحية الموسم، ما لم تؤخذ في الاعتبار كلفة كل مرحلة ومردودية الإنتاج.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في انتظار انخفاض أسعار الزيت للمستهلك، بل في ضمان ألا يتحول هذا الانخفاض إلى ضغط غير قابل للتحمل على المنتجين، خصوصا صغار الفلاحين الذين يشكلون قاعدة واسعة من النشاط الفلاحي بالمنطقة.
تاونات أمام تحدي تنظيم الجني والتسويق
تضع هذه الأزمة إقليم تاونات أمام الحاجة إلى حلول عملية تتجاوز معالجة تقلبات الأسعار بعد وقوعها. ويأتي في مقدمة ذلك تطوير آليات محلية لتنسيق الطلب على العمالة الموسمية، وتشجيع تجميع الخدمات الفلاحية، ودعم التعاونيات والتجمعات ذات النفع الاقتصادي التي يمكن أن تساعد الفلاحين على خفض تكاليف النقل والعصر والتسويق.
كما تبرز أهمية توسيع الاستفادة من المكننة الملائمة لطبيعة الضيعات، حيثما تسمح تضاريس الأراضي وحجم الأشجار بذلك، دون تجاهل أن جزءا مهما من الحقول الجبلية والمتفاوتة التضاريس يحتاج إلى أساليب جني يدوية.
ويظل تحسين القدرة التفاوضية للفلاحين ضروريا كذلك، من خلال تطوير التسويق الجماعي، وتوفير معلومات أكثر انتظاما عن الأسعار والمردودية، وربط المنتجين بالمعاصر والأسواق بصورة مباشرة قدر الإمكان، حتى لا يبقى الفلاح مضطرا إلى البيع تحت ضغط الحاجة إلى السيولة أو الخوف من ضياع المحصول.
ومن المهم أيضا تعزيز الشفافية بشأن تكلفة العصر وشروطه، وتمكين المنتجين من المقارنة بين الخدمات المتاحة، بما يساهم في الحد من التفاوتات غير المبررة في التكاليف. كما أن مواكبة الفلاحين الصغار في تدبير المخزونات وتثمين المنتوج يمكن أن تخفف من اضطرارهم إلى البيع الفوري في ظروف سوق غير ملائمة.
موسم حاسم لمستقبل الفلاحة القروية
إن ما يجري في سوق اثنين الولجة ومناطق أخرى بتاونات لا يمكن اختزاله في خبر عن تراجع سعر الزيتون إلى ثلاثة دراهم للكيلوغرام، بل يعكس أزمة متشابكة تتقاطع فيها ندرة اليد العاملة وارتفاع الأجور وتكاليف الإنتاج وتقلبات السوق.
فحين تصل أجرة الجني إلى 250 أو 300 درهم مقابل أقل من ثماني ساعات، ويتراجع سعر الثمار في بعض الأسواق إلى مستويات متدنية، ويباع الزيت في بعض المعاصر بحوالي 40 درهما للتر مع توقعات بانخفاضه، يصبح الفلاح مطالبا بإعادة حساب تكلفة الموسم في ظروف لا يملك فيها التحكم في جميع عناصر المعادلة.
وإذا كان انخفاض أسعار الزيتون والزيت سيمنح المستهلكين فرصة للتزود بأسعار أفضل، فإن استمرار الضغط على المنتجين دون حلول تضمن توازنا بين التكلفة والعائد قد يؤثر في قدرة الاستغلاليات الصغيرة على الاستمرار والاستثمار في تحسين الإنتاج.
إن الرهان اليوم هو الخروج من منطق التعامل الموسمي مع الأزمة إلى سياسة أكثر استدامة لتنظيم اليد العاملة الفلاحية، ودعم صغار المنتجين، وتطوير المكننة والتسويق والتثمين. فنجاح موسم الزيتون لا يقاس فقط بحجم الثمار التي تنتجها الأشجار أو بالسعر الذي يصل إلى المستهلك، بل أيضا بقدرة الفلاح على تغطية تكاليفه وتحقيق دخل منصف يضمن استمرارية النشاط الاقتصادي بالعالم القروي.






