المغرب يضخ 11 مليار درهم لتحديث النقل الحضري.. 3746 حافلة جديدة لإعادة هيكلة خدمات التنقل بالمدن

تواصل الحكومة تنزيل برنامج وطني لإعادة تأهيل النقل الحضري، يمتد من سنة 2025 إلى غاية 2029، بغلاف مالي يصل إلى 11 مليار درهم، ويستهدف توفير 3746 حافلة جديدة لفائدة 84 مدينة وتجمعا حضريا، في خطوة تروم تجديد الأسطول وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، بعد سنوات من الاختلالات التي طبعت تدبير هذا المرفق الحيوي في عدد من المدن المغربية.
ويقوم البرنامج على إحداث تحول في طريقة تدبير النقل العمومي، من خلال تولي الدولة والجهات تمويل اقتناء الحافلات والتجهيزات المرتبطة بها، مقابل إسناد التشغيل اليومي إلى شركات متخصصة يتم اختيارها عبر طلبات عروض. ولا يقتصر المشروع على توفير المركبات، بل يشمل كذلك تطوير أنظمة التذاكر، وتحسين المعلومات المقدمة للمسافرين، وتأهيل محطات التوقف ومراكز الصيانة، واعتماد آليات رقمية لتتبع أداء الشركات ومدى التزامها بدفاتر التحملات.
ويأتي هذا الورش في سياق سعي السلطات العمومية إلى تجاوز أعطاب النموذج السابق، الذي عانت فيه مدن عديدة من تقادم الحافلات، وضعف انتظام الرحلات، وتراجع جودة الخدمات، إلى جانب صعوبات مرتبطة بمراقبة الشركات المفوض إليها التدبير وضمان احترام التزاماتها. ويستند التصور الجديد إلى الفصل بين تمويل الاستثمار وتدبير الخدمة، مع تعزيز دور المؤسسات العمومية في توفير الأسطول والتجهيزات الضرورية.
وشملت المرحلة الأولى من البرنامج مدنا من بينها فاس ومراكش وطنجة وتطوان وأكادير وبنسليمان، حيث أطلقت مساطر اقتناء 1317 حافلة. ويجري تنزيل المشروع بصورة تدريجية، وفق مراحل تستهدف توسيع الاستفادة من الأسطول الجديد وإعادة تنظيم شبكات النقل الحضري، مع مراعاة حاجيات كل مدينة وطبيعة الطلب على التنقل.
وفي فاس، بدأت مرحلة جديدة من تدبير النقل الحضري خلال شتنبر 2025، مع انطلاق شركة «إيسال فاس»، الناتجة عن شراكة بين الشركة المغربية للنقل وشركة ترانسديف، في تولي الخدمة. ويشمل المشروع توفير 149 حافلة جديدة لفائدة المدينة، في إطار مسار يروم تحسين العرض وتقوية قدرات الشبكة على الاستجابة لحاجيات السكان.
وتواجه فاس تحديا يتجاوز تجديد الحافلات، إذ يرتبط نجاح الإصلاح بمدى قدرة الشبكة على ضمان الربط بين الأحياء السكنية والمراكز الإدارية والاقتصادية والمؤسسات الجامعية والصحية، فضلا عن احترام مواقيت الرحلات وتحسين التغطية المجالية وتقليص فترات الانتظار. كما يتطلب الأمر مراقبة مستمرة لمستوى الخدمة، وضمان الصيانة الدورية، وتوفير ظروف تنقل تحفظ سلامة الركاب وراحتهم.
ويشمل البرنامج أيضا تطوير البنية التحتية المواكبة للنقل، من خلال تجهيز المحطات ومرافق الصيانة، وتحديث أنظمة التذاكر والمعلومات، وإدخال أدوات رقمية تسمح بتتبع حركة الحافلات وتقييم جودة التشغيل. ويهدف هذا التوجه إلى جعل الاستثمار في الأسطول جزءا من إصلاح متكامل، بدل الاكتفاء بتغيير المركبات دون معالجة الاختلالات المرتبطة بتنظيم الخدمة.
وتعتمد الصيغة التمويلية على مساهمة صندوق مواكبة إصلاح النقل الطرقي والجهات، بما يوزع كلفة الاستثمار بين المستوى الوطني والمستوى الجهوي، ويتيح تعبئة موارد مهمة لتجديد الأسطول. غير أن حجم الاعتمادات المرصودة يفرض في المقابل تشديد آليات الحكامة والرقابة، وضمان شفافية التعاقدات، وربط أداء الشركات بنتائج واضحة يمكن قياسها وتقييمها.
فالاختبار الحقيقي لهذا البرنامج لن يكون في عدد الحافلات المقتناة أو حجم الأموال المعبأة، وإنما في التحسن الذي سيشعر به المواطن في تنقله اليومي. ويتطلب ذلك انتظام الخدمة، واحترام التوقيت، وتوسيع التغطية، وتحسين ظروف الاستقبال، والتدخل السريع لمعالجة الأعطاب والشكايات، مع مساءلة الجهات المكلفة بالتشغيل عند الإخلال بالتزاماتها.
وبين طموح تجديد الأسطول وتحديات التدبير الميداني، يظل نجاح إصلاح النقل الحضري رهينا بقدرته على إرساء خدمة عمومية موثوقة، تستجيب للنمو العمراني وتخفف الضغط على التنقل داخل المدن، وتمنح المواطنين بديلا عمليا يحترم وقتهم وكرامتهم ويواكب التحولات التي تعرفها الحواضر المغربية.






