فاس تستقبل خطاً جوياً جديداً من ميونيخ.. لكن غياب التواصل وحكامة تدبير مطار سايس يثيران التساؤلات

دخلت مدينة فاس في تعزيز حضورها ضمن شبكة النقل الجوي الدولي، مع دخول البرنامج الشتوي لمجموعة لوفتهانزا حيز التنفيذ ابتداء من الأحد 25 أكتوبر 2026، والذي يتضمن إطلاق خط جوي مباشر يربط ميونيخ بالمدينة المغربية، في خطوة من شأنها توسيع خيارات السفر نحو العاصمة العلمية للمملكة وتعزيز ارتباطها بأحد أبرز مراكز الطيران الأوروبية. غير أن هذا المستجد يطرح، في المقابل، أسئلة بشأن التواصل المؤسساتي بمطار فاس سايس، ومدى قدرة إدارته على مواكبة التحولات التي يعرفها النقل الجوي، في وقت تستعد فيه المنشأة لمرحلة جديدة من التوسعة والتطوير.
وبحسب المعطيات المنشورة بشأن البرنامج الشتوي الجديد، ستتولى شركة ديسكفر إيرلاينز، التابعة لمجموعة لوفتهانزا والمتخصصة في الرحلات الترفيهية، تشغيل خط مباشر بين ميونيخ وفاس. ويأتي ذلك ضمن برنامج أوسع يشمل إطلاق خطوط دولية جديدة وتعزيز الربط الجوي مع وجهات سياحية متعددة، من بينها أكادير، بما يعكس أهمية السوق المغربية في استراتيجية المجموعة خلال موسم الشتاء.
ويكتسي هذا الخط أهمية بالنسبة لفاس، بالنظر إلى ما يمكن أن يتيحه من فرص إضافية لاستقطاب السياح، وتسهيل تنقل أفراد الجالية المغربية، وتوسيع خيارات السفر أمام رجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين. كما يتيح للمسافرين الاستفادة من شبكة جوية أوروبية واسعة عبر ميونيخ، أحد المراكز الرئيسية للنقل الجوي بألمانيا.
لكن الإعلان عن هذا المستجد بعيدا عن إدارة مطار فاس سايس، يكشف في الوقت نفسه، عن إشكال متكرر يتعلق بضعف التواصل المؤسساتي المحيط بمطار فاس سايس. فغياب تواصل واضح ومنتظم من جانب إدارة المكتب الوطني للمطارات بالمطار يجعل الساكنة والمهنيين والزوار يجدون صعوبة في الاطلاع على الخطوط الجديدة، ومواعيد إطلاقها، وتواتر رحلاتها، والتغييرات التي تطرأ على شبكة الربط الجوي، في وقت أصبحت فيه المعلومة الدقيقة جزءاً أساسياً من جودة الخدمات المقدمة للمسافرين.
وتزداد أهمية هذا الإشكال بالنظر إلى ما يروج بشأن نقل عدد من الرحلات التي كانت مرتبطة بفاس إلى مطارات مدن أخرى. وهي مسألة تستدعي توضيحاً رسمياً يحدد الرحلات المعنية، وأسباب تغيير وجهاتها أو قواعد تشغيلها، وما إذا كان الأمر يتعلق بقرارات تجارية لشركات الطيران أو بإكراهات تشغيلية أو باعتبارات أخرى. فالمسألة لا ينبغي أن تبقى رهينة التداولات غير المحسومة، خصوصاً أن أي تغيير في شبكة الرحلات ينعكس على المسافرين والقطاع السياحي والاقتصاد المحلي.
وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول الطريقة التي تشتغل بها الإدارة الجديدة للمطار، ومدى اعتمادها سياسة تواصل استباقية مع وسائل الإعلام المحلية والوطنية. فكيف يمكن للرأي العام أن يتابع تطور العرض الجوي لفاس إذا كانت المعلومات المتعلقة بالخطوط الجديدة وتعديل الرحلات لا تصل بانتظام إلى الصحافة؟ ولماذا لا يتم إطلاع وسائل الإعلام على المستجدات التي تهم المسافرين والفاعلين الاقتصاديين، بما يسمح بنقل معلومات دقيقة ومحيّنة، عوض ترك المجال للتأويلات والشائعات؟
إن التواصل في قطاع المطارات ليس مسألة شكلية أو مجرد نشاط ترويجي، بل هو جزء من الحكامة الجيدة، لأنه يتيح للمسافرين التخطيط لتنقلاتهم، وللمهنيين بناء عروضهم السياحية، وللمستثمرين فهم تطور الربط الجوي وآفاقه. كما أن نشر المعطيات المتعلقة بحركة الرحلات والخطوط الجديدة والتغييرات التشغيلية من شأنه تعزيز الثقة في المؤسسة وتكريس حق المرتفقين في الحصول على المعلومة.
ولا يتوقف النقاش عند التواصل وحده، بل يمتد إلى غياب رؤية شمولية واضحة ومعلنة لتطوير مطار فاس سايس، تربط بين التوسعة المرتقبة، وتطور شبكة الرحلات، واستقطاب شركات الطيران، وتحسين الخدمات المقدمة للمسافرين. فالتوسعة، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تحقق أهدافها كاملة إذا لم تواكبها استراتيجية متكاملة تضمن استثمار الطاقة الاستيعابية الجديدة، وتوسيع الوجهات، وتحسين جودة الاستقبال، وتعزيز جاذبية المطار لدى شركات الطيران.
كما أن نجاح أي مشروع لتطوير البنية التحتية الجوية لا يقاس فقط بحجم الأشغال أو المرافق التي ستتم إضافتها، وإنما بقدرته على تحسين الربط الجوي الفعلي، ورفع عدد الخيارات المتاحة أمام المسافرين، وضمان استمرارية الخطوط، وتعزيز مكانة المطار في محيطه الجهوي والوطني. ومن ثم، فإن الحديث عن توسعة مطار فاس سايس ينبغي أن يترافق مع توضيحات بشأن الأهداف الاستراتيجية، والآفاق الزمنية، والسياسة المعتمدة لاستقطاب خطوط جديدة والحفاظ على الخطوط القائمة.
وتزداد الحاجة إلى هذه المقاربة في ظل المؤهلات السياحية والتاريخية والاقتصادية التي تتوفر عليها فاس وجهة فاس مكناس. فالمدينة العتيقة، والصناعة التقليدية، والمؤسسات الجامعية، والأنشطة الاقتصادية، فضلاً عن المشاريع المرتبطة بتأهيل المدينة والاستعداد للاستحقاقات الدولية المقبلة، كلها عوامل تجعل من الربط الجوي رافعة أساسية للتنمية، لا مجرد خدمة للنقل.
ومن هذا المنطلق، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى التنسيق بين إدارة المطار والفاعلين السياحيين والاقتصاديين والمنتخبين والمؤسسات الجهوية، وعن وجود خطة مشتركة لتسويق الوجهة الجوية لفاس لدى شركات الطيران والأسواق الخارجية. كما يبرز سؤال الحكامة: هل تشتغل الإدارة وفق رؤية معلنة ومؤشرات قابلة للقياس، أم أن التدبير يظل محصوراً في الجوانب التشغيلية اليومية دون استراتيجية واضحة لتوسيع الحضور الجوي للمدينة؟
إن إطلاق خط ميونيخ ـ فاس يمثل فرصة تستحق التثمين، لكنه لا ينبغي أن يحجب الأسئلة المرتبطة بمستقبل مطار سايس. فالمطلوب اليوم ليس فقط الترحيب بالخطوط الجديدة، بل أيضاً تقديم معلومات دقيقة حول الرحلات التي تغيرت وجهاتها، وتوضيح استراتيجية الإدارة الجديدة، وإرساء تواصل منتظم مع وسائل الإعلام، وربط مشروع التوسعة بأهداف واضحة لتطوير شبكة النقل الجوي.
ففاس، بما تختزنه من مؤهلات تاريخية وسياحية واقتصادية، تحتاج إلى مطار يواكب طموحاتها ويترجمها إلى فرص ملموسة. أما التوسعة دون رؤية شمولية، والرحلات الجديدة دون تواصل، والتدبير دون مؤشرات معلنة للحكامة، فكلها عناصر تجعل من الضروري فتح نقاش مؤسساتي جاد حول مستقبل مطار فاس سايس وموقعه في التنمية الجهوية.






