سياسة

المجلس الأعلى للسلطة القضائية يصعّد إجراءات المساءلة.. 68 قاضياً تعرضوا لعقوبات تأديبية خلال سنة 2025

سجلت حصيلة التأديب داخل المنظومة القضائية المغربية ارتفاعاً لافتاً خلال سنة 2025، بعدما بلغ عدد القضاة الذين صدرت في حقهم عقوبات تأديبية 68 قاضياً، مقابل 35 قاضياً خلال السنة السابقة، بزيادة تقارب 94 في المائة، وفق ما كشف عنه التقرير السنوي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية. وشملت الملفات التي جرى البت فيها 118 قاضياً، في حصيلة تعكس اتساع نطاق المساءلة المهنية، وتعيد إلى الواجهة أسئلة مراقبة الأداء القضائي وضمان احترام قواعد النزاهة والاستقلال والحياد.

وأفاد التقرير، المنشور في العدد 7547 مكرر من الجريدة الرسمية، بأن المجلس بت خلال السنة الماضية في 76 ملفاً تأديبياً، أسفرت عن اتخاذ إجراءات متفاوتة بحسب الحالات المعروضة عليه. وشملت القرارات أربع حالات للإحالة إلى التقاعد الحتمي، و12 حالة للإقصاء المؤقت عن العمل مع الحرمان من الأجر أو النقل، فضلاً عن 49 عقوبة بين الإنذار والتوبيخ، موزعة على 38 إنذاراً و11 توبيخاً. كما سجلت المعطيات 32 حالة انتهت بعدم المؤاخذة مع إثارة الانتباه.

ويبرز هذا التفاوت في طبيعة القرارات التأديبية تعدد مستويات المعالجة التي يعتمدها المجلس في التعامل مع الملفات المعروضة عليه، بين العقوبات التي تمس الوضعية المهنية للقاضي، والإجراءات الأقل حدة، والحالات التي لا تنتهي بإقرار المؤاخذة التأديبية. غير أن ارتفاع عدد العقوبات مقارنة بسنة 2024 لا يكفي وحده لتحديد طبيعة الاختلالات التي تقف وراءها، خصوصاً في غياب تفصيل واضح، ضمن المعطيات المتعلقة بهذه الحصيلة، لأصناف المخالفات المنسوبة إلى المعنيين وتوزيعها حسب درجة الخطورة.

وعلى مستوى البحث والتحري، كشفت الحصيلة عن فتح المفتشية العامة للشؤون القضائية 195 ملفاً جديداً خلال سنة 2025، مقابل استكمال الأبحاث في 181 ملفاً، مع إحالة التقارير النهائية بشأنها على الجهات المختصة لاتخاذ ما يلزم من إجراءات. وتعكس هذه الأرقام حجم العمل المرتبط بتتبع الشكايات والوقائع التي تستدعي البحث، فضلاً عن الدور الذي تضطلع به آليات التفتيش في رصد الاختلالات المحتملة داخل المحاكم.

وفي إطار التفتيش القضائي المركزي، أفاد التقرير بأن المفتشية العامة أجرت زيارات شملت 26 محكمة، وأعدت 19 تقريراً نهائياً. وركزت هذه العمليات على تتبع مؤشرات الأداء القضائي والإداري، ورصد الإشكالات المرتبطة بالبنيات والتجهيزات والرقمنة وإجراءات التبليغ، إلى جانب اقتراح توصيات تروم معالجة الاختلالات المسجلة وتحسين سير العمل داخل المؤسسات القضائية.

أما التفتيش القضائي اللامركزي، فقد أظهرت المعطيات تفاوتاً في نسب إنجاز التقارير بحسب نوع المحاكم والجهات المعنية، إذ بلغت النسبة 92 في المائة على مستوى رئاسات المحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة، و97 في المائة بالنسبة إلى النيابات العامة، مقابل 86 في المائة بالمحاكم التجارية و85 في المائة بالمحاكم الإدارية. وتقدم هذه المؤشرات صورة عن مستوى تقدم أعمال التتبع والتقييم، من دون أن تعني، في حد ذاتها، أن نسب الإنجاز تعكس بالضرورة مستوى جودة الأداء أو حجم الاختلالات في كل صنف من المحاكم.

وفي الشق المتعلق بأخلاقيات المهنة، سجل المجلس تنظيم 116 نشاطاً تأطيرياً وتواصلياً أشرف عليها مستشارو الأخلاقيات على مستوى الدوائر الاستئنافية، توزعت بين 60 نشاطاً لفائدة قضاة النيابة العامة و56 نشاطاً لفائدة قضاة الحكم. كما توصلت لجنة الأخلاقيات بـ51 تقريراً سنوياً حول أنشطة مستشاريها، إلى جانب ست إحالات مرتبطة بقضايا ذات طبيعة أخلاقية.

وامتدت هذه الجهود إلى مجال التكوين، من خلال استفادة الملحقين القضائيين المنتمين إلى الفوج الثامن والأربعين من برنامج خاص بمدونة الأخلاقيات القضائية، بتنسيق مع المعهد العالي للقضاء. كما شهدت مدينة مكناس تنظيم لقاء جهوي تناول واجب التحفظ لدى القضاة وانعكاساته على الحياد والاستقلال، بالتوازي مع مواصلة اللقاءات الفردية مع القضاة الذين شملتهم تقارير مرتبطة بقضايا أخلاقية.

وفي ما يتعلق بالشفافية، أشار التقرير إلى مواصلة فحص تصريحات القضاة بالممتلكات والمداخيل، مع إصدار دورية بتاريخ 12 فبراير 2025 بشأن تجديد التصريحات، في سياق تفعيل آليات المراقبة المنتظمة وتعزيز الالتزام بالقواعد المؤطرة للحياة المهنية للقضاة.

كما كشف المجلس أن عدد المقررات التأديبية المنشورة، بعد حذف المعطيات التي تسمح بالتعرف على هوية المعنيين بها، بلغ 151 مقرراً مع نهاية سنة 2025. ويهدف هذا التوجه، وفق التقرير، إلى إطلاع القضاة على الاجتهادات التأديبية المعتمدة، وتوضيح القواعد المهنية التي يستند إليها المجلس في معالجة الملفات، بما يتيح الاستفادة من القرارات المنشورة في ترسيخ الممارسة القضائية المنضبطة.

وتضع هذه الحصيلة المجلس الأعلى للسلطة القضائية أمام تحدي مواصلة التوفيق بين حماية استقلال القاضي وضمان مساءلته عن الإخلالات المهنية التي تثبت في حقه، باعتبار أن استقلال القضاء لا ينفصل عن الالتزام بالنزاهة والتجرد واحترام واجبات المهنة. كما تبرز أهمية التفتيش والتكوين والتأطير الأخلاقي باعتبارها آليات متكاملة، لا تقتصر وظيفتها على رصد المخالفات ومعاقبتها، بل تشمل أيضاً الوقاية منها وتحسين جودة العمل القضائي.

ومع ذلك، يظل فهم أسباب الارتفاع المسجل في العقوبات التأديبية رهيناً بتوفير معطيات أكثر تفصيلاً حول طبيعة المخالفات، وتوزيعها بحسب أصنافها، ومستوى خطورتها، وكيفية تطورها مقارنة بالسنوات السابقة. فالأرقام المعلنة تكشف بوضوح عن زيادة في عدد العقوبات، لكنها لا تقدم وحدها تفسيراً كافياً لخلفيات هذه الزيادة، ولا تسمح بالتمييز بين أثر تشديد المراقبة وتوسع أعمال التفتيش وبين احتمال ارتفاع المخالفات المهنية نفسها.

وبذلك، لا تتوقف أهمية التقرير السنوي عند عرض حصيلة العقوبات والزيارات التفتيشية والأنشطة التأطيرية، بل تمتد إلى ضرورة تعزيز الشفافية في نشر المعطيات المتعلقة بالمساءلة القضائية، بما يحفظ حقوق القضاة المعنيين، ويتيح في الوقت نفسه تقييماً موضوعياً لنجاعة آليات الرقابة والتأديب، ومدى إسهامها في ترسيخ الثقة في العدالة وضمان حسن سير المرفق القضائي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى