استثمارات بـ134 مليار درهم للشركات الجهوية متعددة الخدمات إلى غاية 2030.. اختبار حقيقي لإصلاح توزيع الماء والكهرباء والتطهير بالمغرب

يراهن المغرب على برنامج استثماري ضخم بقيمة 134.44 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2030، لتحديث خدمات توزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل، عبر الشركات الجهوية متعددة الخدمات التي دخلت مرحلة التشغيل خلال سنة 2025، في إطار إصلاح مؤسساتي يستهدف إعادة تنظيم القطاع وتحسين مردودية الشبكات والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتكشف المعطيات الواردة في التقرير المتعلق بقطاع المؤسسات والمقاولات العمومية، المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027، أن حجم الاستثمارات المبرمجة لهذه الشركات يعكس الرهان المالي والتقني الذي وضعته الدولة على النموذج الجديد، إذ يرتقب تخصيص نحو 39.6 مليار درهم خلال سنة 2027 وحدها، بما يجعل السنوات المقبلة مرحلة حاسمة في اختبار قدرة هذه المؤسسات على تحويل الاعتمادات المرصودة إلى مشاريع منجزة وتحسينات ملموسة في حياة السكان.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تغيير في البنية المؤسساتية للقطاع، بل بإعادة ترتيب طريقة تدبير خدمات أساسية ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للأسر والمقاولات والأنشطة الاقتصادية. فالمواطن لا يقيس نجاح الإصلاح بعدد الشركات التي أُحدثت أو بحجم الاستثمارات المعلن عنها، وإنما بمدى انتظام التزويد بالماء والكهرباء، وتقليص الانقطاعات والأعطاب، وتحسين جودة المياه، وتسريع معالجة شكايات المرتفقين، وتوسيع شبكات التطهير السائل، وضمان استفادة المجالات القروية والحضرية من الخدمات وفق معايير أكثر إنصافا.
12 شركة جهوية أمام امتحان التنفيذ
شكّل دخول الشركات الجهوية الاثنتي عشرة متعددة الخدمات حيز الخدمة خلال سنة 2025 محطة أساسية في مسار إصلاح توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل. واستُكمل نقل أنشطة التوزيع التابعة للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب إلى هذه الشركات في فاتح نونبر من السنة نفسها، لتتولى تدبير الخدمات على المستوى الجهوي ضمن نموذج يرمي إلى توحيد التدبير وتعزيز التنسيق بين مختلف مكونات القطاع.
وتضع هذه الخطوة الشركات الجديدة أمام مسؤولية تتجاوز تدبير العمليات اليومية، لتشمل تحديث البنيات التحتية، وتجديد الشبكات المتقادمة، وتحسين مردودية التوزيع، وتقليص ضياع المياه، والاستجابة للطلب المتزايد على الخدمات. كما تفرض عليها تطوير آليات التدخل والصيانة، والرفع من نجاعة تدبير الموارد البشرية والتقنية، بما يضمن استمرارية الخدمة وجودتها.
ويظل الرهان الأبرز هو قدرة هذه المؤسسات على تحقيق التوازن بين تسريع الاستثمار وضمان الاستدامة المالية، دون أن تتحول كلفة تحديث الشبكات إلى ضغط إضافي على المرتفقين. فنجاح الإصلاح يتطلب حكامة واضحة، وبرمجة دقيقة للمشاريع، وتتبعا منتظما لمعدلات الإنجاز، إلى جانب مؤشرات قابلة للقياس تسمح بتقييم الأداء ومقارنة النتائج بين المجالات الترابية.
كما أن توحيد تدبير خدمات الماء والكهرباء والتطهير داخل إطار جهوي لا يعني تلقائيا اختفاء الفوارق في جودة الخدمات. إذ ستظل النتائج مرتبطة بمدى توجيه الاستثمارات نحو المناطق الأكثر حاجة، ومعالجة الاختلالات المتراكمة، وتوفير الموارد اللازمة لصيانة التجهيزات بعد إنجازها، وليس الاكتفاء بإطلاق المشاريع أو الإعلان عن كلفتها الإجمالية.
الأمن المائي يفرض تسريع الاستثمار وتغيير أساليب التدبير
تتزامن هذه الاستثمارات مع استمرار الإجهاد المائي الذي يواجهه المغرب، وهو ما يجعل تطوير خدمات الماء مرتبطا، بصورة مباشرة، بقدرة المؤسسات العمومية على تعبئة موارد جديدة وتحسين استغلال الموارد المتاحة. ويبرز التقرير أهمية التنسيق بين الشركات الجهوية متعددة الخدمات والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب ووكالات الأحواض المائية وباقي المتدخلين، لتأمين التزويد ومواكبة التحولات التي يعرفها الطلب على الماء.
وفي هذا الإطار، تتجه البرامج الوطنية إلى رفع القدرات الإنتاجية لتحلية مياه البحر إلى أكثر من 1.8 مليار متر مكعب سنويا في أفق سنة 2031، فضلا عن تعبئة نحو 1.2 مليار متر مكعب سنويا من خلال مشاريع الربط بين الأحواض المائية. كما تشمل التوجهات توسيع استعمال المياه العادمة المعالجة، والرفع من مساهمتها في الموارد المائية، وتطوير تقنيات السقي المقتصد للماء، مع تشديد تدبير الطلب والحفاظ على الفرشات المائية والحد من الهدر.
وتبرز أهمية هذه المشاريع في كون الأمن المائي لم يعد رهينا بالتساقطات وحدها، بل أصبح مرتبطا أيضا بتنوع مصادر التزود، ونجاعة شبكات النقل والتوزيع، وقدرة المؤسسات على تدبير فترات الضغط، وتحديد الأولويات وفق الحاجيات الفعلية لكل منطقة. ومن ثم، فإن نجاح الشركات الجهوية سيقاس كذلك بمدى مساهمتها في تقليص الفاقد المائي، وتحسين تدبير الشبكات، وربط الاستثمارات الجديدة بحاجيات السكان والأنشطة الاقتصادية.
219 مليار درهم للماء والكهرباء.. واستدامة مالية تحت الضغط
تندرج استثمارات الشركات الجهوية متعددة الخدمات ضمن برنامج أوسع لتطوير البنيات التحتية المائية والطاقية. فوفق التقرير نفسه، يتضمن مخطط تجهيز المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2030 استثمارات بقيمة 177 مليار درهم في فرع الكهرباء، و42.1 مليار درهم في فرع الماء، أي ما مجموعه 219.1 مليار درهم.
ويشمل البرنامج الكهربائي إدماج قدرات إضافية من الطاقات المتجددة تبلغ 14.34 جيغاواط، إلى جانب تعزيز شبكة نقل الكهرباء وتطوير الربط الكهربائي وقدرات التخزين. أما في قطاع الماء، فيستهدف المخطط إضافة قدرة إنتاجية تبلغ 2.68 مليون متر مكعب يوميا، يأتي الجزء الأكبر منها من مشاريع تحلية مياه البحر.
غير أن ضخامة هذه الاستثمارات تترافق مع تحديات مالية ومؤسساتية، إذ سجل المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب خسارة صافية بلغت 6.963 مليارات درهم سنة 2025، ويتوقع التقرير ارتفاعها إلى 8.625 مليارات درهم خلال سنة 2026. وتضع هذه المؤشرات إعادة هيكلة المكتب وتعزيز استدامة نموذجه الاقتصادي والمالي ضمن الملفات التي تتطلب معالجة متوازية مع تنفيذ المشاريع الاستثمارية.
ويشمل مسار الإصلاح إعادة تحديد التموضع الاستراتيجي للمكتب والتحضير لتحويله إلى شركة مساهمة، إلى جانب نقل أنشطة التوزيع إلى الشركات الجهوية متعددة الخدمات. ويعني ذلك أن نجاح التحول لا يرتبط فقط بتوزيع الاختصاصات بين المؤسسات، بل كذلك بوضوح العلاقات بينها، وتحديد المسؤوليات، وضمان التنسيق في التخطيط والاستثمار والتدبير، حتى لا يؤدي تعدد المتدخلين إلى تعقيد المساطر أو إبطاء إنجاز المشاريع.
الطاقات المتجددة توسع رهانات التحول
على المستوى الطاقي، بلغت القدرة الوطنية المركبة من الطاقات المتجددة 5.63 جيغاواط في نهاية سنة 2025، بما يمثل 46.1 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة، فيما بلغت مساهمتها في الإنتاج الكهربائي 23.4 في المائة. ويشير التقرير إلى برامج إضافية لتطوير مشاريع الطاقات المتجددة والتخزين، إذ تعمل الوكالة المغربية للطاقة المستدامة على محفظة مشاريع بقدرة تصل إلى 4416 ميغاواط، وسعة تخزين تبلغ 2600 ميغاواط ساعة خلال الفترة 2026-2030، باستثمارات تتجاوز 47 مليار درهم.
كما يتطرق التقرير إلى مشروع أنبوب الغاز الأطلسي الإفريقي، الذي يمتد على مسافة تقارب 6800 كيلومتر، بطاقة نقل قد تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويا، مع توقع بدء ضخ الغاز في أفق سنة 2031. وتندرج هذه المشاريع ضمن توجه أوسع يرمي إلى تعزيز الأمن الطاقي وتنويع مصادر الإمداد وتطوير البنيات التحتية اللازمة لمواكبة التحولات الاقتصادية.
الرهان الحقيقي هو أثر الاستثمار على المواطن
تكشف الأرقام الواردة في التقرير أن المغرب مقبل على مرحلة استثمارية واسعة في قطاعات الماء والكهرباء والتطهير السائل، لكن حجم التمويلات لا يمثل، في حد ذاته، ضمانة لتحسين الخدمات. فالتحدي الأساسي يتمثل في سرعة إنجاز المشاريع، ونجاعة تدبيرها، وتوجيهها إلى المناطق التي تعاني خصاصا في البنيات التحتية، مع وضع آليات واضحة للمراقبة والتقييم والمساءلة.
وبالنسبة إلى الشركات الجهوية متعددة الخدمات، ستكون السنوات المقبلة اختبارا فعليا لمدى قدرتها على تقديم نموذج تدبيري أكثر نجاعة، يربط الاستثمار بالنتائج، ويجعل جودة الخدمة واستمراريتها في صلب الأولويات. ويتطلب ذلك نشر معطيات دورية عن نسب الإنجاز، ومردودية الشبكات، ومعدلات ضياع المياه، وجودة التزويد، وآجال معالجة الشكايات، ومستوى التغطية بخدمات التطهير السائل.
وفي نهاية المطاف، لن تقاس حصيلة الإصلاح بمجموع 134.44 مليار درهم المعلن عنها للفترة 2026-2030، وإنما بما ستحدثه هذه الاستثمارات من تغيير ملموس في واقع الخدمات الأساسية، وبمدى قدرتها على تقليص الفوارق المجالية، ومواجهة الإجهاد المائي، وتحسين موثوقية التزويد بالطاقة، وضمان تدبير مستدام للمرافق العمومية. فنجاح النموذج الجديد يظل رهينا بانتقاله من مرحلة إعادة التنظيم المؤسساتي إلى مرحلة النتائج الميدانية التي يلمسها المواطن يوميا.






