المغرب أمام ضغوط اقتصادية متصاعدة: عودة التضخم فوق التوقعات الحكومية وحرب الشرق الأوسط تخيم على التوازن المالي

أعاد ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب، الذي شهد زيادات مفاجِئة تجاوزت 3.7 دراهم للتر خلال أيام قليلة، ملف التضخم والقدرة الشرائية إلى صلب النقاش الاقتصادي الوطني، وسط مخاوف من انعكاسات أوسع للتطورات الإقليمية المتسارعة على الوضع الاقتصادي الوطني.
رغم أن الحكومة والمصادر الرسمية، بما في ذلك بنك المغرب، وضعا توقعات للتضخم ضمن مستويات مستقرة أو متراجعة نسبيًا خلال عامي 2025 و2026، إلا أن الزيادة الحادة في أسعار الوقود في الأيام الأخيرة جاءت لتضع هذه التوقعات في موضع اختبار، خصوصًا في ظل تراجع المخزونات الاستراتيجية من المحروقات والتي تكاد لا تتجاوز 51 يومًا مقارنة بالحد الأدنى القانوني المفترض البالغ 60 يومًا، ما يضع ضغوطًا إضافية على ميزانية الدولة واستقرار الأسعار.
وتعتمد الأسواق الوطنية في المغرب بشكل كبير على واردات الطاقة، وهو ما يجعل الأسعار المحلية حساسة جدًا للتقلبات العالمية. وقد لوحظ أن زيادات أسعار البنزين والغازوال لم تتطابق بشكل كامل مع الزيادات الدولية، لكن تأثيرها المباشر بدأ ينعكس على تكلفة النقل وتكاليف الإنتاج في قطاعات عديدة، ما يعرض القدرة الشرائية للمواطنين لضغوط إضافية.
تكبدت الأسر المغربية بالفعل أعباء ارتفاع تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تراكم أحداث اقتصادية عالمية:
- جائحة كورونا التي عطّلت النشاط الاقتصادي العالمي.
- موجة التضخم العالمي بعد الحرب الروسية‑الأوكرانية.
- فترات الجفاف المتكررة التي أثّرت على الإنتاج الغذائي والقدرة الشرائية المحلية.
واليوم تأتي التوترات في الشرق الأوسط لتضيف بعدًا جديدًا للضغط الاقتصادي، عبر صدمة أسعار الطاقة التي يتأثر بها المغرب كدولة مستوردة للنفط.
تتوقع عدة مؤشرات دولية أن استمرار الصراع في المنطقة، خاصة ما يُعرف بالحرب الأمريكية‑الإسرائيلية‑الإيرانية، قد يؤدي إلى ارتفاع إضافي في أسعار النفط الخام والمنتجات البترولية، في وقت يشهد فيه إغلاقًا نسبيًا لمسارات حيوية مثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس شحنات النفط العالمية.
وقد شدّدت تقارير عالمية على أن استمرار هذه الحرب لفترات أطول قد يزيد من الضغوط التضخمية العالمية، إذ تنتقل آثار ارتفاع أسعار الطاقة إلى أسعار السلع الأساسية مثل الغذاء والأسمدة، ما ينعكس مباشرة على الأسواق المحلية في المغرب.
في ظل النزاع المستمر في المنطقة، تتجلى عدة آثار على الاقتصاد الوطني:
- ارتفاع فاتورة الطاقة: ارتفع سعر خام برنت الذي بنيت ميزانية 2026 على أساسه إلى مستويات أعلى بكثير من التوقعات (بما يفوق الـ100 دولار للبرميل)، ما يضع ضغطًا على ميزان المدفوعات.
- تضخم أسعار المواد الغذائية عالميًا: حسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، تستمر أسعار المواد الغذائية في الارتفاع مدفوعة بزيادة تكاليف النقل والطاقة، ما قد ينعكس على الأسواق المحلية في المغرب إذا استمرت الحرب.
- تأخير في نصوص المناخ الاقتصادي: يستدعي هذا الواقع أن تبقى السياسة النقدية والمالية مرنة ومستعدة للرد على تقلبات الأسعار العالمية، لا سيما في ضوء احتمالات استمرار الصراع وتأثيره على أسواق السلع والطاقة.
وسط هذه الضغوط، أعلن المغرب عن حزمة من الإجراءات لمواجهة أثر ارتفاع أسعار الطاقة، بما في ذلك دعم أسعار البوتان والكهرباء وقطاع النقل، بقيمة تزيد عن 1.65 مليار درهم شهريًا، وهو ما يعكس أولويات الحكومة في حماية القدرة الشرائية وتخفيف آثار ارتفاع الأسعار على الأسر.
وفي الوقت نفسه، يبقى البنك المركزي في حالة ترقّب مستمر، مع استعداد لتعديل السياسات النقدية إذا لزم الأمر لضبط التضخم وحماية الاستقرار المالي، في ظل مخاطر تضخمية عالمية مرتبطة بالأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
يواجه الاقتصاد المغربي في 2026 مزيجًا من الصدمات الخارجية والضغوط الداخلية، من أبرزها:
- ارتفاع أسعار المحروقات المفاجئ الذي يقلص القدرة الشرائية.
- تأثير الحرب الإقليمية على أسواق الطاقة والسلع الأساسية.
- اعتماد الاقتصاد على واردات الطاقة والتقلبات العالمية.
وفي ظل هذه المتغيرات، تبقى الأولوية للتوازن بين حماية الاقتصاد الوطني والاستجابة السريعة للتحديات الخارجية، من خلال سياسات تكيفية مرنة، تعزيز الاحتياطات الاستراتيجية، ودعم الأسر الأكثر تضرّرًا من ارتفاع التكلفة المعيشية، مع توسيع شبكات الحماية الاجتماعية والتصدي للمضاربات وأساليب السوق غير العادلة.






