أرصفة مستباحة وشوارع مغلقة.. كيف تحولت الفوضى العشوائية إلى تحدٍّ يؤرق أمن واستقرار المدن المغربية؟

تشهد العديد من المدن والحواضر المغربية، طيلة الشهور الأخيرة، تفاقماً لافتاً وغير مسبوق لظاهرة احتلال الملك العمومي من طرف جحافل الباعة الجائلين وأصحاب العربات المجرورة، وهي المعضلة التي تمددت من الهوامش لتكتسح المراكز الحضرية الكبرى والأحياء السكنية، محولة الفضاءات المشتركة إلى ما يشبه “أسواقاً مفتوحة عشوائية” خارج الضوابط التنظيمية والقانونية.
هذا التنامي المتسارع بات يطرح علامات استفهام كبرى حول حدود التدخل الحازم للمجالس المنتخبة والسلطات المحلية، في ظل تحول الظاهرة من مجرد نشاط غير مهيكل للبحث عن كسب القوت، إلى بنية عشوائية متحكم فيها تفرض سيطرتها على انسيابية الحياة اليومية للمواطنين.
اختناق مروري وأضرار مباشرة بالتجار والساكنة
تتعدد المظاهر السلبية الناجمة عن هذا الاستفحال لتطال مناحي مختلفة من المعيش اليومي؛ حيث تسببت جحافل العربات والسلع المعروضة على الأرصفة في عرقلة تامة لحركة السير والجولان، وإغلاق ممرات وطرقات رئيسية بالكامل، مما يحرم الراجلين من حقهم الطبيعي في استعمال الرصيف ويجبرهم على السير وسط قوارع الطرق مع ما يمثله ذلك من خطر على سلامتهم الجسدية.
ولا تتوقف الأضرار عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل:
-
الإضرار بالتجار النظاميين: يواجه التجار المهنيون الملتزمون بالقانون والذين يؤدون الضرائب والواجبات الكرائية منافسة غير عادلة وقاسية من طرف المحتلين للملك العمومي، مما تسبب في كساد تجاري حاد لبعض المحلات وتراجع حركيتها الاقتصادية.
-
الفوضى السمعية والبصرية: لم يعد الأمر مقتصراً على عرض السلع، بل تعدى ذلك إلى لجوء العديد من الباعة إلى الاستعانة بـ مكبرات الصوت لعرض بضائعهم وسط الأحياء الآهلة بالسكان، مما ينتهك السكينة العامة ويحرم المرضى والتلاميذ والأسر من الطمأنينة داخل بيوتهم.
أزمة بيئية وهواجس أمنية تقض مضاجع المواطنين
إلى جانب شلل حركة المرور، يفرز التكدس اليومي للباعة في الفضاءات العمومية تراكماً مهولاً للأزبال والنفايات العضوية ومخلفات البضائع، التي تُترك وراءهم مع نهاية كل يوم، مما يؤثر سلباً على الوضعية البيئية والصحة العامة، ويحول أزقة الأحياء إلى بؤر للروائح الكريهة وتجمع الحشرات.
ومن الناحية الأمنية، تعبر ساكنة الأحياء المتضررة عن قلق متزايد من تحول هذه النقط العشوائية المكتظة إلى بيئة خصبة لتنامي بعض مظاهر الانحراف، مثل المشاحنات اليومية، والسرقة، وتعاطي وترويج المخدرات والمؤثرات العقلية بمحاذاة التجمعات السكنية وأمام أبواب المنازل، الأمر الذي يهدد الإحساس بالأمن السكيني ويهدم السلم الاجتماعي المحلي.
تحديات الحسم الميداني: الاستشراف قبل فوات الأوان
ويرى مهتمون بالشأن الترابي أن التراخي في معالجة الظاهرة في الشهور الأخيرة ساهم في شرعنتها وتجذرها على أرض الواقع، مما يجعل حلها أو إخلاء بعض المناطق مستقبلاً أمراً بالغ الصعوبة ومعقداً، نظراً لبروز “مكتسبات واقعية عشوائية” يدافع عنها المستفيدون منها بشتى الوسائل، فضلاً عن وجود شبكات موازية تستفيد من هذا الوضع وتعمل على توجيهه والتحكم فيه.
وإذا كان الحق في لقمة العيش مكفولاً بالوسائل المشروعة، فإن الإجماع يتركز اليوم على أنه لا يمكن جعل طلب الرزق ذريعة لنشر الفوضى، أو استباحة ملك الدولة والخواص، أو تقويض مظاهر التمدن وتشويه جمالية الحواضر.
مقاربة شمولية ومطالب بخطة استعجالية لوزارة الداخلية
أمام هذا الوضع المقلق، باتت وزارة الداخلية، بمعية شركائها في القطاعات الحكومية والمجالس الجماعية، مطالبة بصياغة خطة استعجالية وطنية ومقتربات ناجعة تتوخى تطهير المدن من هذه الظواهر المشينة، معتمدة على التدابير التالية:
-
التحرك الميداني الحازم والمنتظم: تحرير الأرصفة والشوارع المغلقة عبر دوريات مستمرة تمنع إعادة احتلال الفضاءات المحررة.
-
بدائل تنظيمية واقعية: تسريع إخراج الأسواق النموذجية وأسواق القرب لاستيعاب الباعة الحقيقيين وإدماجهم في النسيج المهيكل، قطعاً للطريق على الوسطاء والمستفيدين من الفوضى.
-
المقاربة التشاركية: انخراط جميع الفاعلين والمجتمع المدني والمنظومة المحلية في التوعية بأهمية الحفاظ على الملك العمومي، فالمدن المغربية التي تراهن على أوراش تنموية كبرى لا يمكن أن تظل تحت رحمة التحكم والعشوائية.






