بنكيران يصعّد لهجته من “أكوراي” الحاجب.. هجوم على خصومه ورسائل سياسية قوية قبل الاستحقاقات الانتخابية

صعّد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، من لهجته السياسية خلال مهرجان خطابي احتضنته مدينة أكوراي بإقليم الحاجب، مساء السبت، موجهاً سلسلة من الرسائل إلى خصومه السياسيين، في سياق يتسم بتزايد حدة النقاش العمومي مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.
وجاءت تصريحات بنكيران بعد أيام من الجدل الذي أثارته مواقفه خلال لقاء سياسي بمدينة الصويرة، حيث قال إن الحملات التي استهدفته عقب تلك التصريحات لم تكن مفاجئة بالنسبة إليه، معتبراً أن الانتقادات التي تطاله أصبحت تصدر من أطراف مختلفة، ومؤكداً أنه لن يتراجع عن التعبير عن مواقفه السياسية.
وفي كلمته أمام أنصار الحزب، اتهم بنكيران ما وصفها بـ”جهات نافذة” بالاعتماد على الإمكانيات المالية لشراء الولاءات، وتمويل صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، والاستعانة ببعض المنابر الإعلامية للتأثير في الرأي العام، معتبراً أن حزب العدالة والتنمية لا يملك الإمكانيات المالية التي تسمح له بخوض هذا النوع من المواجهة، وأن رصيده الحقيقي، بحسب تعبيره، هو علاقته المباشرة مع المواطنين.
الانتخابات تقترب… والخطاب السياسي يشتد
وتأتي تصريحات بنكيران في مرحلة تعرف ارتفاع منسوب التجاذب السياسي بين الأغلبية والمعارضة، حيث بدأت مختلف الأحزاب في رفع وتيرة خطابها استعداداً للاستحقاقات التشريعية المقبلة.
ويبدو أن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية اختار العودة إلى الأسلوب الذي اشتهر به خلال سنوات توليه رئاسة الحكومة، والقائم على الخطاب المباشر والانتقاد الحاد لخصومه، في محاولة لإعادة تعبئة قواعد الحزب واستعادة حضوره في الساحة السياسية بعد التراجع الكبير الذي عرفه الحزب في انتخابات 2021.
التحذير من التراجع الديموغرافي
وفي جانب آخر من مداخلته، توقف بنكيران عند قضية التراجع الديموغرافي، معتبراً أنها تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه المغرب خلال العقود المقبلة.
وأشار إلى الانخفاض المتواصل في معدلات الإنجاب، معتبراً أن استمرار هذا المنحى قد ينعكس مستقبلاً على سوق الشغل، والتركيبة السكانية، والقدرة الإنتاجية، وحتى على احتياجات الدولة في مختلف القطاعات.
ويأتي هذا الطرح في سياق نقاش متزايد حول التحولات الديموغرافية بالمغرب، حيث تُظهر المعطيات الرسمية تراجع معدل الخصوبة خلال العقود الأخيرة مقارنة بما كان عليه في ثمانينيات القرن الماضي.
انتقاد تدبير الشأن العام والدعوة إلى ربط المسؤولية بالكفاءة
كما انتقد بنكيران طريقة اختيار المسؤولين، معتبراً أن تدبير الشأن العام ينبغي أن يقوم على معيار الكفاءة والاستحقاق، لا على اعتبارات أخرى.
واستعان في هذا السياق بتشبيه مستمد من كرة القدم، قائلاً إن المدرب عندما يسعى إلى تكوين منتخب قادر على المنافسة، فإنه يختار أفضل اللاعبين بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى، معتبراً أن المنطق نفسه ينبغي أن يسود في تدبير المؤسسات العمومية واختيار المسؤولين.
ملف المحروقات يعود إلى الواجهة
وأعاد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية فتح ملف تحرير أسعار المحروقات، وهو الملف الذي ظل يثير جدلاً سياسياً منذ اعتماده خلال فترة ترؤسه للحكومة.
ودافع بنكيران عن القرار، معتبراً أنه كان يهدف إلى الحد من الأعباء التي كان يتحملها صندوق المقاصة، لكنه اتهم شركات توزيع المحروقات بالاستفادة من التحرير لتحقيق أرباح كبيرة، على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.
كما استحضر قرارات مجلس المنافسة المتعلقة بسوق المحروقات، معتبراً أن ما صدر عن المجلس يؤكد، من وجهة نظره، وجود ممارسات أضرت بالمنافسة داخل القطاع، في إشارة إلى القرارات التي سبق أن أعلنها المجلس في هذا الملف.
الجدل حول مشروع تحلية مياه البحر
وتطرق بنكيران أيضاً إلى مشروع محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، مجدداً الانتقادات التي سبق أن وجهها حزب العدالة والتنمية بشأن المشروع.
وقال إن الحزب يطالب بمزيد من الوضوح والشفافية في هذا الملف، معتبراً أن إثارة الموضوع داخل البرلمان ساهمت في فتح نقاش سياسي وإعلامي واسع، ومؤكداً أن الحزب مستعد للجوء إلى القضاء إذا تبين أن المعطيات التي يقدمها لا تستند إلى أساس قانوني.
في المقابل، سبق للحكومة أن أكدت في مناسبات مختلفة احترامها لمقتضيات المنافسة والشفافية في إنجاز المشاريع الاستراتيجية، كما نفت وجود أي استفادة شخصية لرئيس الحكومة من المشروع، مؤكدة أن الإجراءات المتخذة تمت وفق المساطر القانونية المعمول بها.
رسائل انتخابية مبكرة
ويرى متابعون أن الخطاب الذي ألقاه بنكيران يتجاوز الرد على منتقديه، ويحمل في عمقه رسائل انتخابية واضحة، تستهدف إعادة تعبئة القواعد الحزبية واستقطاب فئات من الناخبين غير الراضين عن أداء المشهد السياسي الحالي.
ويحاول حزب العدالة والتنمية، بقيادة بنكيران، استعادة جزء من حضوره السياسي بعد النتائج التي حققها في انتخابات 2021، من خلال التركيز على ملفات ذات بعد اجتماعي واقتصادي، مثل القدرة الشرائية، وأسعار المحروقات، والحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي المقابل، تبدو أحزاب الأغلبية عازمة على الدفاع عن حصيلتها الحكومية، خاصة في ما يتعلق بالأوراش الاجتماعية، والاستثمار، والبنيات التحتية، وهو ما ينذر بحملة انتخابية ستكون من أكثر الحملات حدة منذ سنوات.
بداية مرحلة سياسية أكثر سخونة
وتؤشر التصريحات الأخيرة لعبد الإله بنكيران إلى دخول المشهد السياسي مرحلة جديدة من التصعيد، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، حيث يرتقب أن تزداد حدة المواجهات الخطابية بين مختلف الفاعلين السياسيين، وأن تتحول الملفات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى إلى محور أساسي في النقاش العمومي.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تبدو الساحة السياسية المغربية مقبلة على منافسة مفتوحة، لن تقتصر على عرض البرامج الانتخابية، بل ستشهد أيضاً سجالاً قوياً حول حصيلة الحكومات المتعاقبة، وواقع الإصلاحات، والقدرة على تقديم بدائل تستجيب لانتظارات المواطنين في المرحلة المقبلة.






