ملف الأحد: جلالة الملك محمد السادس.. ربع قرن من قيادة التحولات الكبرى وهندسة المغرب الحديث

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
على امتداد أكثر من ربع قرن، لم تكن المملكة المغربية تدير شؤونها اليومية وفق إيقاع تقليدي رتيب، بل دخلت تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس عهداً استثنائياً تميز بإعادة بناء الدولة على أسس استراتيجية بعيدة المدى. فمنذ اعتلاء جلالته العرش سنة 1999، شهدت البلاد تحولات بنيوية عميقة مسّت مختلف الأصعدة، من تحديث البنيات التحتية والنهوض بالاقتصاد، إلى صياغة دبلوماسية هجومية شجاعة، وتأسيس مفهوم مبتكر للدولة الاجتماعية، وصولاً إلى إعادة تموقع المملكة كفاعل قاري ودولي لا يمكن تجاوزه. إنها رؤية ملكية متبصرة نقلت المغرب من منطق تدبير الأزمات وصيانة التوازنات الظرفية، إلى منطق التخطيط الاستراتيجي المستدام وصناعة الفرص التاريخية.
وفي وقت يستعد فيه المغرب لرهانات كبرى ومحطات كونية حاسمة، أبرزها احتضان كأس العالم 2030، تتبدى معالم الرؤية الملكية السامية كمعمار متكامل الأركان، حيث لم تعد التنمية مجرد مشاريع قطاعية معزولة، بل أصبحت فلسفة شمولية متناغمة تروم بناء مغرب قوي، واثق من هويته، ومسلح بمؤسساته الناجعة واقتصاده التنافسي. لقد استطاع جلالة الملك، بفضل قيادته الميدانية الملهمة ونظرته الاستباقية، أن يضع أسساً راسخة لمملكة صاعدة تجمع بين الأصالة الحاضنة للمشروعية التاريخية، والمعاصرة المواكبة لمتطلبات القرن الحادي والعشرين.
العبقرية اللوجستية والسيادة الصناعية.. مغرب المنصات العالمية
لقد شكل الرهان على البنيات التحتية العملاقة والمشاريع المهيكلة حجر الزاوية في الرؤية الملكية لتحديث الاقتصاد الوطني. وقد تجسد هذا الطموح السيادي في إطلاق أوراش استراتيجية غيرت وجه الخريطة الاقتصادية للمنطقة، وفي مقدمتها مركب طنجة المتوسط، الذي تحول بفضل التوجيهات الملكية السامية إلى المنصة اللوجستية والتجارية الأولى في حوض البحر الأبيض المتوسط، ليربط المغرب بسلاسل التوريد العالمية ويجعل منه صلة وصل حيوية بين إفريقيا وأوروبا. وتكاملت هذه النهضة البحرية مع ثورة النقل البري التي قادها جلالته، والتي توجت بإطلاق القطار فائق السرعة “البراق” كأول تجربة من نوعها في القارة الإفريقية، إلى جانب توسيع شبكة الطرق السيارة وتحديث المطارات الوطنية.
هذه الطفرة في البنية التحتية حوّلت المملكة، بفضل التوجيهات الملكية، إلى مغناطيس جاذب للاستثمارات الأجنبية المباشرة، ونقلت النسيج الإنتاجي الوطني إلى عهد التصنيع عالي القيمة المضافة. وصار المغرب اليوم رائداً قادراً على منافسة القوى الاقتصادية التقليدية في قطاعات شديدة الدقة، مثل صناعة السيارات التي تتبوأ فيها المملكة صدارة القارة الإفريقية، وصناعة أجزاء الطائرات، فضلاً عن التموقع الريادي في الطاقات المتجددة عبر مركب “نور ورزازات” ومشاريع الهيدروجين الأخضر. إن هذا التحول الصناعي الشامل يترجم سعي جلالة الملك الدؤوب لتحقيق السيادة الاقتصادية للمملكة، وتقليص الارتهان للتقلبات الخارجية، وخلق فرص شغل مستدامة تعتمد على الكفاءة والابتكار.
الدبلوماسية الملكية.. عقيدة المبادرة وترسيخ السيادة الوطنية
شهدت السياسة الخارجية للمملكة المغربية في عهد جلالة الملك محمد السادس منعطفاً تاريخياً حاسماً، تمثل في الانتقال من دبلوماسية رد الفعل والانتظارية إلى دبلوماسية المبادرة والاستباق والوضوح. وقد حدد جلالته معالم هذه العقيدة الجديدة بجعل مغربية الصحراء المنظار الذي يقيس به المغرب صدق الصداقات ونجاعة الشراكات الدولية. وبفضل هذه الصرامة المبدئية والتحركات الهادئة، حققت المملكة مكاسب سياسية غير مسبوقة، تجلت في التوالي التاريخي للاعترافات الدولية الصريحة بالسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، ودعم مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وذي مصداقية، وهو ما تُرجم عملياً في افتتاح عشرات القنصليات الدبلوماسية بمدينتي العيون والداخلة.
ولم تقتصر الرؤية الملكية على تحصين المكتسبات الوطنية، بل امتدت لتشمل إعادة صياغة العلاقات الجيوسياسية للمغرب من خلال تنويع الشراكات الاستراتيجية مع القوى العظمى والتغلغل الروحي والاقتصادي في العمق الإفريقي. وشكلت العودة المظفرة للمغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، محطة فارقة توجت جولات جلالة الملك المتعددة إلى مختلف أرجاء القارة. وجاءت هذه العودة حاملة لمفهوم مبتكر للتعاون “جنوب – جنوب” يعتمد على التنمية المشتركة وتثمين العنصر البشري، ولعل المشروع التاريخي لأنبوب الغاز “المغرب – نيجيريا” يمثل التجسيد الأسمى لهذه الرؤية الملكية الاندماجية التي تسعى لتحقيق الأمن الطاقي والاقتصادي لعموم دول غرب إفريقيا.
الدولة الاجتماعية.. فلسفة ملكية تضع المواطن في قلب التنمية
إن المتأمل في الأوراش الإصلاحية المفتوحة بالمملكة يدرك أن الهاجس الأكبر لصاحب الجلالة الملك محمد السادس كان دوماً هو الارتقاء بالعنصر البشري وصيانة كرامة المواطن المغربي. ومن هذا المنطلق، أطلق جلالته ورش “الدولة الاجتماعية” كأحد أضخم المشاريع الإنسانية والسياسية في تاريخ المغرب الحديث. ولم يكن هذا الورش مجرد حزمة من الإجراءات الظرفية، بل شكل ثورة حقيقية في فلسفة تدبير السياسات العمومية، من خلال تعميم الحماية الاجتماعية، وتوسيع التغطية الصحية الإجبارية لتشمل ملايين المواطنين من الفئات المعوزة والمهنيين المستقلين، وإقرار نظام الدعم الاجتماعي المباشر للأسر الأكثر هشاشة.
هذه الهندسة الاجتماعية التضامنية التي رعاها جلالة الملك بصفة شخصية، واكبها إصلاح عميق للمنظومة الصحية الوطنية وتأهيل المستشفيات العمومية، لضمان ولوج عادل ومنصف للخدمات العلاجية. إن فلسفة الدولة الاجتماعية في العهد الملكي تقوم على قناعة راسخة تفيد بأن النمو الاقتصادي لا يكتمل إلا إذا انعكست ثماره على المعيش اليومي للمواطن، مما ساهم في تقليص نسب الهشاشة و الفقر من خلال تفعيل الدعم الإجتماعي الشهري، وبناء شبكة أمان اجتماعي متينة تحمي الأسر المغربية في أوقات الأزمات، وتكرس التلاحم العضوي بين العرش والشعب.
الأمن الاستراتيجي ومواجهة الإجهاد المائي.. صمام أمان المملكة
في عالم مضطرب مشحون بالتحديات الجيوسياسية والبيئية، نجح المغرب في الحفاظ على استقراره ونموه بفضل مقاربة ملكية استباقية صارمة في مجالي الأمن المائي والأمن الاستراتيجي. فقد أولى جلالة الملك مسألة الأمن المائي أهمية قصوى باعتبارها قضية وجودية ترتبط بالأمن القومي للمملكة، خصوصاً في ظل التغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف. وتجسد الحزم الملكي في إطلاق البرامج الوطنية الاستعجالية لبناء السدود، وتسريع مشاريع تحلية مياه البحر بالاعتماد على الطاقات النظيفة، فضلاً عن إنجاز الورش العبقري المتمثل في “الطرق السيّارة للماء” لربط الأحواض المائية وتأمين مياه الشرب للمدن الكبرى والمناطق الفلاحية الحيوية.
وعلى الصعيد الأمني والدفاعي، قاد جلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، مساراً تحديثياً شاملاً للمنظومة الدفاعية والأمنية للمملكة. وتميز هذا المسار بتنويع مصادر التسليح، ونقل التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، وإرساء أسس صناعة دفاعية محلية، إلى جانب تعزيز الكفاءة الاستخباراتية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود والأمن السيبراني. هذه اليقظة الاستراتيجية الموصولة جعلت من المغرب واحة للامان والاستقرار، وشريكاً موثوقاً دولياً في حفظ السلم الإقليمي وقوة ردع قادرة على حماية السيادة الوطنية ومواجهة شتى المخططات المتربصة بالبلاد.
الجهوية المتقدمة ومونديال 2030.. آفاق واعدة لمغرب المستقبل
لطالما أكد جلالة الملك في توجيهاته السامية أن قطار التنمية يجب أن يشمل كافة ربوع المملكة دون استثناء، ومن هنا جاء مشروع “الجهوية المتقدمة” كخيار دستوري وسياسي استراتيجي يهدف إلى تحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين الحواضر الكبرى والمناطق القروية والجبلية. وحرص جلالته على تمكين الجهات من آليات التدبير الذاتي والإمكانيات المالية والبشرية الكفيلة بجعلها أقطاباً اقتصادية قائمة الذات، مما أثمر إطلاق برامج طموحة لفك العزلة عن العالم القروي وتأهيل البنيات التحتية المحلية، ليكون كل مواطن مغربي شريكاً ومستفيداً من دينامية النمو.
وفي سياق هذا التصاعد الحضاري، يأتي فوز المغرب التاريخي بشرف تنظيم كأس العالم 2030، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، ليتوج ربع قرن من الإنجازات الكبرى تحت القيادة الملكية. إن هذا الحدث الكوني لم يكن مجرد نجاح رياضي، بل اعتبره جلالة الملك مشروع دولة متكامل ورافعة كبرى لتسريع وتيرة الأوراش التنموية. فهو يشكل محطة حاسمة لتحديث شبكات النقل والاتصالات، وتوسيع المطارات والموانئ، وتطوير القطاعات السياحية والخدماتية والرقمنة، مما يعزز موقع المملكة كجسر حضاري فريد يربط بين القارات والثقافات، ويسير بثبات نحو ترسيخ مكانته ضمن نادي الدول الصاعدة والمؤثرة على الساحة الدولية.






