مجتمع

صيف 2026.. الغلاء يربك الموسم السياحي بالمغرب.. تراجع الحجوزات في الفنادق الساحلية وتأخر دخول الجالية يزيدان من مخاوف المهنيين

على غير ما كان متوقعا مع بداية موسم الاصطياف، تعيش عدد من المدن السياحية الساحلية بالمغرب صيفا استثنائيا، ليس بسبب الإقبال القياسي، بل بسبب حالة من الترقب والحذر تخيم على القطاع السياحي، في ظل تراجع وتيرة الحجوزات، وارتفاع غير مسبوق في أسعار الإقامة والخدمات، وتأخر ملحوظ في عودة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، الذين يشكلون كل سنة رافعة أساسية لتنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية.

ورغم أن شهر يوليوز يمثل عادة ذروة الموسم الصيفي، فإن العديد من مهنيي الإيواء السياحي يؤكدون أن نسبة مهمة من الغرف لا تزال شاغرة مقارنة بالفترة نفسها من السنوات الماضية، وسط تغير واضح في سلوك الأسر المغربية التي أصبحت تؤجل قرارات السفر إلى آخر لحظة، أو تلغيها بالكامل بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف العطلة.

الغلاء يغير خريطة الاصطياف

لم يعد التخطيط للعطلة الصيفية أمرا سهلا بالنسبة لآلاف الأسر المغربية.

فأسعار الفنادق والشقق المفروشة، إلى جانب تكاليف النقل والمطاعم والأنشطة الترفيهية، شهدت ارتفاعا لافتا، الأمر الذي جعل قضاء بضعة أيام على الشاطئ يتطلب ميزانية تفوق إمكانيات شريحة واسعة من المواطنين.

ويؤكد متابعون للشأن السياحي أن هذا الارتفاع في الأسعار انعكس بشكل مباشر على نسب الإقبال، حيث فضلت العديد من الأسر تقليص مدة الإقامة، أو الاكتفاء برحلات قصيرة، فيما اختار آخرون تأجيل العطلة إلى غاية انخفاض الأسعار خلال نهاية الموسم.

الفنادق الساحلية… حجوزات دون التوقعات

ورغم استمرار المدن الساحلية في استقطاب الزوار، فإن مؤشرات الحجز لا تعكس الانتعاش الذي كان يراهن عليه المهنيون.

فالعديد من مؤسسات الإيواء لا تزال تعتمد على الحجوزات المتأخرة، في انتظار دخول شهر غشت، الذي يعتبر تقليديا ذروة الموسم، خاصة مع وصول أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.

ويؤكد فاعلون في القطاع أن الرهان أصبح معلقا على الأسابيع المقبلة، في أمل أن تساهم عودة مغاربة العالم في إنعاش الحركة السياحية، وتعويض التراجع الذي طبع بداية الموسم.

تأخر الجالية… عامل مؤثر

من بين أبرز المؤشرات التي أثرت في الموسم الحالي، التأخر النسبي في دخول أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج إلى أرض الوطن.

ففي كل صيف، تشكل هذه الفئة محركا رئيسيا للاستهلاك السياحي، سواء من خلال الإقامة بالفنادق، أو كراء الشقق، أو الإقبال على المطاعم والفضاءات الترفيهية والأسواق المحلية.

لكن هذا الموسم، يرى مهنيون أن وتيرة الوصول جاءت أبطأ من المعتاد، وهو ما انعكس على النشاط الاقتصادي بعدد من المدن الساحلية التي تعول بشكل كبير على السياح المغاربة المقيمين بالخارج.

حرارة مرتفعة… وعطلة تتحول إلى عبء

وتزامنا مع موجات الحرارة الاستثنائية التي تعرفها مختلف مناطق المملكة، أصبحت العطلة الصيفية بالنسبة إلى عدد من الأسر أقرب إلى معادلة صعبة.

فبين البحث عن وجهة مناسبة، وتحمل تكاليف الإقامة والتنقل، ومواجهة الاكتظاظ والازدحام وارتفاع أسعار الخدمات، يجد كثير من المغاربة أنفسهم مضطرين إلى تقليص طموحاتهم أو العدول عن السفر نهائيا.

ويؤكد متابعون أن الاصطياف لم يعد متنفسا حقيقيا لعدد من العائلات ذات الدخل المتوسط، بعدما تحولت الإجازة الصيفية إلى عبء مالي يثقل ميزانية الأسرة، في وقت ترتفع فيه كلفة المعيشة بشكل عام.

الحاجة إلى مراجعة سياسة الأسعار

ويرى مهنيون أن الحفاظ على تنافسية السياحة الوطنية يمر عبر اعتماد سياسة أكثر توازنا في الأسعار، تراعي القدرة الشرائية للمواطن المغربي، الذي يظل الزبون الأول للسياحة الداخلية.

كما يدعون إلى تنويع العروض السياحية، وتشجيع الإقامات العائلية بأسعار مناسبة، وتقديم عروض تحفيزية خلال فترات الذروة، بدل ترك الأسعار تخضع فقط لمنطق العرض والطلب.

السياحة الداخلية أمام اختبار حقيقي

ورغم ما يزخر به المغرب من مؤهلات طبيعية وساحلية وجبلية وثقافية، فإن الموسم الصيفي لسنة 2026 يكشف عن تحديات حقيقية تواجه القطاع، في مقدمتها الغلاء، وتراجع القدرة الشرائية، وتأخر عودة الجالية المغربية، وتغير سلوك المستهلك.

ويرى متابعون أن نجاح المواسم السياحية مستقبلا لن يقاس فقط بعدد الوافدين، بل أيضا بقدرة الأسر المغربية على الاستفادة من حقها في العطلة والاستجمام داخل وطنها، دون أن تتحول بضعة أيام على البحر إلى كلفة تفوق إمكانياتها.

فالسياحة الداخلية ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي رافعة اجتماعية وتنموية، وهو ما يفرض، اليوم أكثر من أي وقت مضى، مراجعة عدد من الاختلالات التي تجعل الكثير من المغاربة يشعرون بأن قضاء عطلة صيفية في بعض المدن الساحلية أصبح أكثر كلفة من السفر إلى وجهات خارجية، وهو واقع يستدعي التفكير في نموذج سياحي أكثر عدالة وتوازنا واستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى