الكلاب الضالة… خطر يتفاقم في المدن المغربية ومجالس جماعية تكتفي بالمشاهدة! إلى متى يبقى المواطن الحلقة الأضعف؟

لم تعد الكلاب الضالة مجرد مشهد مألوف في شوارع المدن المغربية، بل تحولت إلى تهديد حقيقي للسلامة العامة، بعد أن أصبحت حوادث الاعتداء على المواطنين تتكرر بشكل مقلق في مختلف المدن والقرى، وسط غياب رؤية ميدانية واضحة لدى عدد من الجماعات الترابية، وعجز واضح عن وضع استراتيجية مستدامة للحد من هذه الظاهرة التي باتت تؤرق المواطنين يوميا.
وآخر هذه الحوادث، ما شهده إقليم تازة، حيث يتلقى أحد المواطنين العلاج بالمستشفى الإقليمي ابن باجة، إثر تعرضه لعضة كلبة ضالة بالقرب من زنقة ابن الخطيب المتفرعة عن شارع فاس، فيما ما تزال الكلبة نفسها تتجول بالمنطقة، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول سرعة تدخل المصالح المختصة، وحول الإجراءات الوقائية التي كان من المفترض اتخاذها لحماية الساكنة.
هذه الواقعة ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الحوادث التي أصبحت تتكرر في عدد كبير من المدن المغربية، حيث لم يعد الخطر يهدد المارة فقط، بل أصبح يطال الأطفال والتلاميذ وكبار السن والعدائين ومستعملي الدراجات، في ظل الانتشار الكبير للكلاب الضالة داخل الأحياء السكنية، وبالقرب من المدارس والأسواق والحدائق والفضاءات العمومية.
ظاهرة وطنية… وليست حالة معزولة
ما وقع بمدينة تازة يعكس واقعا تعيشه مدن عديدة من طنجة إلى الكويرة. ففي السنوات الأخيرة، توالت التقارير الإعلامية وحوادث الاعتداء، وسجلت إصابات متفاوتة الخطورة، بل ووفيات في بعض الحالات المرتبطة بداء السعار، وهو ما جعل الظاهرة تتحول إلى قضية مرتبطة بالصحة العمومية والأمن الصحي، وليس فقط بالنظافة أو تدبير المجال الحضري.
ورغم ذلك، ما تزال المقاربة المتبعة في عدد من الجماعات تتسم بردود الفعل الظرفية، إذ لا تتحرك بعض المصالح إلا بعد وقوع حادثة أو تصاعد الغضب الشعبي، لتعود الأمور إلى نقطة الصفر بمجرد انحسار الضغط.
أين دور المجلس الجماعي؟
أصبح من المشروع أن يتساءل المواطن: أين دور المجالس الجماعية؟ وأين هي الخطط الاستباقية التي يفترض أن تحمي الساكنة؟
فالتعامل مع الكلاب الضالة لا ينبغي أن يقتصر على حملات موسمية أو تدخلات محدودة، بل يحتاج إلى برنامج دائم، قائم على الإحصاء والتتبع والتنسيق بين الجماعات والسلطات المحلية والمصالح البيطرية والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، مع توفير الإمكانات البشرية واللوجستية اللازمة.
إن استمرار وجود كلاب معروفة بعدوانيتها في الأحياء السكنية، رغم تسجيل اعتداءات، يعكس خللا في سرعة التدخل، ويطرح تساؤلات حول فعالية آليات الرصد والاستجابة.
غياب تصور ميداني… واستمرار الحلول الترقيعية
المشكل الحقيقي لا يكمن فقط في ارتفاع أعداد الكلاب الضالة، وإنما في غياب تصور ميداني متكامل لتدبير هذه الظاهرة.
فالعديد من الجماعات لا تتوفر على برامج سنوية واضحة، ولا على قواعد بيانات دقيقة، ولا على فرق متخصصة قادرة على التدخل السريع، وهو ما يجعل تدبير الملف رهينا بالمناسبات أو بالشكايات المتفرقة.
وفي المقابل، تستمر بعض الممارسات الترقيعية التي لا تقدم حلولا مستدامة، بينما تتكاثر الكلاب الضالة بفعل انتشار النفايات العضوية، ووجود مطارح عشوائية، وضعف برامج التعقيم والتلقيح، وغياب مراكز إيواء مؤهلة.
حماية الإنسان والحيوان مسؤولية مشتركة
إن معالجة هذه الظاهرة لا تعني اللجوء إلى حلول عشوائية أو مخالفة للقوانين، بل تقتضي اعتماد مقاربة متوازنة تراعي حماية الإنسان واحترام الرفق بالحيوان في الوقت نفسه.
فالعديد من التجارب تعتمد برامج تقوم على جمع الكلاب الضالة، وتعقيمها، وتلقيحها ضد داء السعار، ووضع علامات تعريفية لها، مع إيواء الحالات العدوانية أو المريضة داخل مراكز متخصصة، إلى جانب تحسين تدبير النفايات للحد من مصادر تغذيتها.
غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى رهينا بوجود إرادة حقيقية، وميزانيات مخصصة، وتنسيق مؤسساتي فعال، ومتابعة ميدانية مستمرة، بدل الاكتفاء بردود الفعل بعد وقوع الحوادث.
تازة… ناقوس خطر يستوجب التحرك
الحادث الذي شهدته مدينة تازة يجب ألا يمر كخبر عابر، بل ينبغي أن يكون جرس إنذار يدفع مختلف المتدخلين إلى التحرك العاجل.
فمن غير المقبول أن يتلقى مواطن العلاج بسبب عضة كلب ضال، بينما يبقى الحيوان نفسه يتجول في المكان ذاته، معرضا مواطنين آخرين للخطر، وهو ما يستدعي تدخلا فوريا لحماية الساكنة، والتأكد من الوضع الصحي للحيوان، واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة.
آن الأوان لاستراتيجية وطنية
لقد تجاوزت ظاهرة الكلاب الضالة حدود المدن والقرى، وأصبحت قضية وطنية تتطلب استراتيجية شاملة، تقوم على التخطيط العلمي، والتدخل الاستباقي، والتنسيق بين مختلف القطاعات، مع إلزام الجماعات الترابية بوضع برامج واضحة ومعلنة، تخضع للتقييم والمحاسبة.
فالأمن الصحي للمواطنين لا يحتمل التأجيل، والحق في التنقل بأمان داخل الشوارع والأحياء والحدائق حق دستوري لا يجوز أن يبقى رهينا بانتظار وقوع حادث جديد.
ويبقى السؤال الذي يطرحه المواطنون في تازة، كما في مدن مغربية أخرى، مشروعا ومؤلما في آن واحد: إلى متى ستظل الكلاب الضالة تجوب الشوارع بحرية، بينما يبقى المواطن هو من يدفع الثمن؟






