ملف التقاعد العابر للحكومات يؤجل إلى الحكومة المقبلة.. الحسابات الانتخابية الضيقة تجهز على أمل الإنقاذ وترحل الأزمة

في خطوة تكشف بوضوح عن حدود “الشجاعة التدبيرية” لدى التحالف الحكومي الحالي، وتؤكد طغيان الهواجس الانتخابية على الملفات الاستراتيجية الحارقة، أسدلت وزارة الاقتصاد والمالية الستار على مسلسل المماطلة في ورش إصلاح أنظمة التقاعد. وجاء الإعلان الرسمي والنهائي بترحيل هذا الورش المعقد إلى الجهاز التنفيذي الذي ستفرزه صناديق اقتراع 23 شتنبر 2026، ليعلن فشل الولاية الحالية في حسم واحد من أكثر الملفات مساساً بالأمن الاجتماعي للمغاربة.
هذا الهروب السياسي إلى الأمام، والذي صِيغَ في قالب توافقات تقنية وتقارير مرحلية تجاوزت 100 صفحة، ليس سوى محاولة مكشوفة لتفادي دفع الفاتورة السياسية والانتخابية لإصلاحٍ تدرك الأغلبية جيداً أنه سيكون مرّ المذاق. واختارت الحكومة الحالية بدلاً من المواجهة وإبداع الحلول، أن تجعل من هذا الملف العابر للحكومات “قنبلة موقوتة” تقذف بها في طريق الولاية التشريعية القادمة.
حوارات عقيمة لربح الوقت.. 8 اجتماعات دون الخروج بـ«سيناريو واحد»
إن المعطيات المقلقة التي أفرزها اللقاء الأخير للجنة التقنية المكلفة بإصلاح الأنظمة — والتي تضم المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية وإدارة الصناديق — تؤكد أن الأغلبية الحكومية أمضت ولايتها كاملة في ممارسة التسويف الفاخر. فبعد 8 اجتماعات ماراطونية صاخبة، صُدم الرأي العام الوطني بكون اللجنة المذكورة “لم تكمل حتى مرحلة التشخيص الجيد”، ولم تنجح بعد في صياغة أو الاستقرار على “سيناريو إصلاحي واحد” ينقذ الصناديق المشرفة على العجز من السكتة القلبية.
فبينما تقف الصناديق — وعلى رأسها نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد ($CMR$) — على حافة نزيف مالي حاد يهدد ديمومتها والقدرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المتقاعدين مستقبلاً، فضلت الوزارة الوصية الاكتفاء برفع “تقرير مرحلي” ستتم مراجعته في فاتح شتنبر المقبل، ثم إحالته على اللجنة الوطنية التي يرأسها رئيس الحكومة نهاية الشهر نفسه؛ أي قبل أيام معدودة من موعد الاستحقاقات التشريعية، في جدولة زمنية مريبة تؤكد أن الهدف الأساسي لم يكن يوماً هو الحسم، بل تنويم الملف حتى عبور المحطة الانتخابية بسلام.
عقيدة الترحيل.. ضريبة الجبن السياسي يدفعها الأجير والموظف
يعري هذا المشهد حقيقة ثابتة ومقلقة في الهندسة السياسية المغربية؛ إذ تحول ملف التقاعد إلى “كرة لهب” يتقاذفها الفاعلون السياسيون دون أدنى حد من المسؤولية التاريخية. كل حكومة تأتي، تتباكى على “الوضعية الكارثية” للصناديق وتدّعي امتلاك الإرادة والجرأة، لتقوم في نهاية المطاف بتجميد الملف وترحيله إلى الولاية الموالية خوفاً على مقاعدها النيابية ومصالحها الحزبية الضيقة.
هذا الجبن الجماعي يدفع ثمنه الشغيلة المغربية من جيبها وقوت يومها؛ فالسيناريوهات التي يتم طبخها في المكاتب المغلقة — والتي عجزت الحكومة الحالية عن تبنيها — لا تخرج عن “الثالوث المفروض” الذي يرفضه الموظفون جملة وتفصيلاً: رفع سن التقاعد بشكل قسري، الزيادة في قيمة الاقتطاعات من الأجور، وتقليص نسبة المعاشات عند الاستخلاص، وهي حلول ترقيعية سهلة تضرب في العمق مكاسب الطبقة الشغيلة.
الدولة الاجتماعية في محك المزايدات الاستحقاقية
الواقع أن مبررات وزارة الاقتصاد والمالية ببطء وتيرة الإصلاح نظراً لصعوبته وتعقيداته، يعد اعترافاً صريحاً بالفشل التدبيري لمكونات تحالف حكومي لطالما تبجح بالانسجام المطلق والسرعة الإنجازية. إن الرهان على إقبار ملف يمس الاستقرار المادي لمئات الآلاف من الأسر المغربية حتى تمر العاصفة الانتخابية، يوضح أن الحسابات السياسوية أسقطت شعارات “الدولة الاجتماعية” من برجها العاجي، وحوّلت أزمة المعاشات إلى مجرد “أصل تجاري” للمزايدات.
لقد تخلت الحكومة عن مسؤوليتها التنفيذية في هذا الباب، وتركت الصناديق تنزف تحت مبرر المنهجية التشاركية، لتثبت هذه الولاية التشريعية أنها نجحت بامتياز في شيء واحد: تفصيل التبريرات وتأجيل الأزمات البنيوية، في انتظار جهاز تنفيذي قادم سيجد نفسه وجهاً لوجه مع معطيات رقمية مرعبة واحتقان اجتماعي حتمي لا مفر منه.






