عبد النباوي: القضاء المغربي يعزز جبهة مكافحة الفساد وغسل الأموال.. مئات الأحكام ومليارات الدراهم المسترجعة في مواجهة الجرائم المالية

أكد محمد عبد النباوي، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن المغرب يواصل تعزيز منظومته القضائية لمواجهة الفساد والجرائم المالية، في ظل التحولات التي يشهدها العالم واتساع نطاق الجرائم الاقتصادية العابرة للحدود، مشددا على أن القضاء المغربي أصبح يضطلع بدور متنام في تجفيف منابع الفساد عبر استهداف العائدات غير المشروعة، إلى جانب تطوير آليات التعاون القضائي الدولي وتعزيز النجاعة القضائية.
وجاءت تصريحات عبد النباوي خلال افتتاح أشغال الندوة الدولية المنظمة بمدينة طنجة حول “القوانين الوطنية لمكافحة الفساد ذات الامتداد خارج الإقليم”، حيث قدم قراءة شاملة للتحديات الجديدة التي تواجه العدالة الجنائية في ظل العولمة الاقتصادية وتشابك المعاملات المالية بين الدول.
الفساد لم يعد يعترف بالحدود
وأوضح عبد النباوي أن الجرائم الاقتصادية والمالية لم تعد محصورة داخل الحدود الوطنية، بل أصبحت ذات امتداد دولي، وهو ما فرض على التشريعات الحديثة تطوير أدوات قانونية جديدة لملاحقة جرائم الفساد أينما امتدت آثارها.
وأشار إلى أن هذا التطور أفرز تحديات قانونية دقيقة، أبرزها كيفية التوفيق بين احترام سيادة الدول على أقاليمها واختصاص محاكمها، وبين ضرورة التعاون القضائي الدولي لضمان عدم إفلات المتورطين في الجرائم العابرة للحدود من المساءلة.
واعتبر أن تحقيق هذا التوازن أصبح من أكبر الرهانات التي تواجه الأنظمة القضائية الحديثة، خاصة في ظل تزايد عمليات تحويل الأموال وإخفاء العائدات الإجرامية عبر شبكات دولية معقدة.
أرقام تعكس تصاعد نجاعة القضاء
وكشف الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية عن معطيات تعكس حجم المجهود القضائي المبذول في مواجهة الجرائم المالية.
فقد أصدرت أقسام الجرائم المالية بمحاكم الاستئناف الأربع المختصة، خلال سنة 2025، ما مجموعه 449 حكما وقرارا قضائيا، ترتبت عنها غرامات مالية، ومصادرات، وتعويضات لفائدة الدولة والمؤسسات المتضررة بقيمة بلغت مليارات الدراهم.
أما في مجال غسل الأموال، فقد سجلت المحاكم المختصة إصدار أكثر من 720 مقررا قضائيا في مواجهة 1496 متهما، مع غرامات ابتدائية تجاوز مجموعها 200 مليون درهم، بينما بلغ متوسط مدة البت في هذه الملفات حوالي 110 أيام، وهو مؤشر يعكس، بحسب عبد النباوي، تحسنا في سرعة معالجة هذا النوع من القضايا مع الحفاظ على ضمانات المحاكمة العادلة.
تجفيف منابع الجريمة المنظمة
وشدد عبد النباوي على أن مكافحة الجريمة المنظمة لم تعد تقتصر على معاقبة مرتكبيها، بل أصبحت ترتكز على ملاحقة الأموال غير المشروعة وتجريد الشبكات الإجرامية من مواردها المالية.
وأوضح أن هذه المقاربة أصبحت من أكثر الآليات فعالية على المستوى الدولي، باعتبار أن حرمان التنظيمات الإجرامية من عائداتها المالية يحد من قدرتها على مواصلة أنشطتها غير المشروعة.
الاستفادة من التجارب الدولية
وفي سياق تطوير المنظومة الوطنية، أبرز عبد النباوي أن القضاء المغربي يتابع باستمرار تطور التشريعات المقارنة في مجال مكافحة الفساد، مستحضرا نماذج قانونية دولية، من بينها القانون الأمريكي لمكافحة ممارسات الفساد في الخارج، والتشريعات الفرنسية والبريطانية، بهدف الاستفادة من التجارب الناجحة وتكييفها مع الخصوصية القانونية المغربية.
وأكد أن الانفتاح على التجارب الدولية أصبح ضرورة في ظل الطبيعة العابرة للحدود التي باتت تميز الجرائم الاقتصادية الحديثة.
المقاولات مطالبة بثقافة الامتثال
ولم يقتصر الخطاب على المؤسسات القضائية، بل وجه عبد النباوي رسالة مباشرة إلى المقاولات الوطنية، خاصة تلك التي تنشط في الأسواق الدولية، داعيا إياها إلى اعتماد ثقافة الامتثال الوقائي بدل الاكتفاء بردود الفعل بعد وقوع المخالفات.
وأوضح أن الالتزام بمعايير الحكامة والشفافية، ووضع خرائط للمخاطر، واعتماد مدونات للسلوك المهني، وتعزيز آليات المراقبة الداخلية، أصبح اليوم شرطا أساسيا لتعزيز تنافسية المقاولة المغربية وحماية سمعتها داخل الأسواق الدولية.
تكوين القضاة وتعزيز النجاعة القضائية
وأشار المسؤول القضائي إلى أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية يولي أهمية خاصة للتكوين المستمر للقضاة في مجالات مكافحة الفساد والجرائم المالية، بما يعزز توحيد الاجتهاد القضائي ويرفع من جودة الأحكام ويكرس مبادئ الشفافية والنزاهة.
كما أكد أن المؤسسة القضائية تواصل جهودها لتطوير النجاعة القضائية من خلال تبسيط المساطر، وتسريع وتيرة البت في القضايا، وتعميم الاجتهاد القضائي، بما يعزز الأمن القانوني ويقوي ثقة المواطنين والمستثمرين في العدالة.
تعاون دولي لمواجهة جرائم عابرة للحدود
وفي ختام مداخلته، شدد عبد النباوي على أن فعالية مكافحة الفساد أصبحت رهينة بتعزيز التعاون القضائي الدولي، وتفعيل الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف، خاصة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، بما يضمن تبادل المعلومات، وتتبع الأموال، ومنع إفلات مرتكبي الجرائم الاقتصادية من العقاب.
وتعكس الرسائل التي حملتها هذه الندوة توجها واضحا نحو تعزيز دور القضاء المغربي في مواجهة الفساد والجرائم المالية، ليس فقط عبر إصدار الأحكام، بل أيضا من خلال تطوير آليات التعاون الدولي، وتحسين النجاعة القضائية، وتجفيف المنابع المالية للجريمة المنظمة، بما ينسجم مع التزامات المملكة في مجال حماية المال العام وترسيخ مبادئ الشفافية وسيادة القانون.






