سياسة

قبل أسابيع من انتخابات 2026.. لجنة تقصي حقائق حول “دعم استيراد المواشي” على صفيح ساخن.. هل ينتصر منطق الرقابة أم الحسابات الانتخابية؟

في الوقت الذي يترقب فيه الرأي العام المغربي الكشف عن الحقيقة الكاملة بشأن مليارات الدراهم التي رُصدت لدعم استيراد وتربية المواشي، دخلت مبادرة تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق مرحلة من التعثر السياسي، بعدما تحولت من آلية دستورية للرقابة على المال العام إلى موضوع تجاذب حاد بين الأغلبية والمعارضة، في مشهد يعكس حجم التوتر الذي يسبق الانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر 2026.

ورغم أن ملف دعم استيراد الأغنام والأبقار ظل خلال الأشهر الماضية في صدارة النقاش العمومي، خصوصا بعد الجدل الذي رافق نتائج هذا الدعم وانعكاساته على أسعار اللحوم، فإن المبادرة البرلمانية الرامية إلى فتح تحقيق مؤسساتي تواجه اليوم عراقيل تنظيمية وسياسية تهدد بإجهاضها قبل أن ترى النور.

اجتماع فشل قبل أن يبدأ

أولى مؤشرات التعثر برزت خلال الاجتماع التنسيقي الذي كان يفترض أن يجمع مختلف الفرق البرلمانية من أجل وضع اللمسات الأولى على تشكيل لجنة تقصي الحقائق، غير أن اللقاء انتهى بحضور محدود للغاية، بعدما اقتصر على ممثلين عن فريق الأصالة والمعاصرة وفريق التقدم والاشتراكية، في حين غابت باقي مكونات الأغلبية والمعارضة.

هذا الغياب الواسع أعاد إلى الواجهة سؤالا جوهريا: هل يتعلق الأمر بصعوبات تقنية في تنسيق المواعيد، أم أن الملف أصبح رهينة حسابات سياسية وانتخابية تتجاوز الهدف الرقابي الذي أنشئت من أجله لجان تقصي الحقائق؟

ملف الدعم… من الرقابة إلى المواجهة السياسية

منذ الإعلان عن المبادرة، تبادل طرفا المعادلة البرلمانية الاتهامات بشأن الجهة التي تعرقل إخراج اللجنة إلى حيز الوجود.

المعارضة ترى أن الأغلبية لم تبد الحماس نفسه عندما طُرح الملف خلال السنة التشريعية الماضية، معتبرة أن تغير موقفها اليوم يرتبط بالظرف السياسي واقتراب موعد الانتخابات، في حين تؤكد فرق الأغلبية أنها منفتحة على إحداث اللجنة، وأنها لا ترفض إخضاع ملف دعم المواشي للرقابة البرلمانية، لكنها ترفض ما تصفه بمحاولات توظيف الملف في الحملات السياسية المبكرة.

وبين الروايتين، يجد الرأي العام نفسه أمام مشهد سياسي تتداخل فيه الرقابة الدستورية مع الصراع الانتخابي، في وقت لا تزال فيه تساؤلات المواطنين قائمة حول كيفية صرف أموال الدعم، ومدى تحقيقها للأهداف التي رُصدت من أجلها.

لماذا يكتسي الملف كل هذه الحساسية؟

لا يتعلق الأمر ببرنامج حكومي عادي، بل بملف ارتبط مباشرة بالقدرة الشرائية للمغاربة.

فالحكومة خصصت اعتمادات مالية وإجراءات تحفيزية لتشجيع استيراد وتربية المواشي، بهدف ضمان وفرة العرض والحد من ارتفاع أسعار اللحوم، غير أن استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة، وتراجع القطيع الوطني بفعل توالي سنوات الجفاف، دفعا قطاعات واسعة من الرأي العام إلى المطالبة بتقييم دقيق لكيفية تدبير هذا الدعم، وهو ما جعل مطلب إحداث لجنة لتقصي الحقائق يحظى باهتمام سياسي وإعلامي كبير.

هل أصبح المال العام رهينة الحسابات الانتخابية؟

يرى عدد من المتابعين أن الجدل الحالي يكشف عن مفارقة واضحة.

فمن جهة، تؤكد جميع الأحزاب أن حماية المال العام وتعزيز الشفافية من المبادئ الأساسية التي تدافع عنها، ومن جهة أخرى، تتعثر إحدى أهم الآليات الرقابية التي يمنحها الدستور للبرلمان بسبب غياب التوافق السياسي.

ويعتبر مختصون أن اقتراب الانتخابات يجعل كل مبادرة رقابية عرضة للتأويل السياسي، إذ تخشى بعض الأطراف أن تتحول نتائج أي تحقيق إلى مادة انتخابية تستثمرها الأحزاب في حملاتها، بينما يرى آخرون أن تأجيل الرقابة بدعوى قرب الانتخابات قد يفرغ الدور الرقابي للمؤسسة التشريعية من مضمونه.

ماذا يقول الدستور؟

من الناحية القانونية، لا يمنع الدستور المغربي ولا القانون التنظيمي المنظم للجان تقصي الحقائق إحداث لجنة خلال الأشهر الأخيرة من الولاية التشريعية.

فالبرلمان يحتفظ بكامل صلاحياته الرقابية إلى غاية انتهاء ولايته، بما في ذلك صلاحية إحداث لجان لتقصي الحقائق كلما توفرت الشروط الدستورية والقانونية اللازمة.

غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في إمكانية تشكيل اللجنة، وإنما في عامل الزمن.

فالقانون يمنح هذه اللجان أجلا قد يصل إلى ستة أشهر لإنجاز تقريرها النهائي، بينما لم يعد يفصل عن نهاية الولاية التشريعية سوى أسابيع، ما يعني أن أي تأخير إضافي قد يجعل اللجنة غير قادرة على إنهاء أعمالها قبل انتخاب مجلس نواب جديد، وهو ما يؤدي إلى انتهاء مهامها بحكم القانون دون إصدار تقرير نهائي.

سباق مع الزمن

اليوم، لم يعد الرهان مقتصرا على جمع التوقيعات أو الاتفاق على موعد اجتماع جديد، بل أصبح سباقا مع الزمن.

فكل يوم يمر دون توافق بين الفرق البرلمانية يقلص من فرص إنجاز تحقيق مؤسساتي مكتمل الأركان، ويزيد من احتمال أن يطوى الملف دون الوصول إلى خلاصات رسمية تعزز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

بين الشفافية والرهانات السياسية

تكشف أزمة لجنة تقصي الحقائق حول دعم استيراد وتربية المواشي عن إحدى الإشكاليات الكبرى التي تواجه العمل البرلماني في نهاية الولايات التشريعية، حيث تتقاطع الرقابة الدستورية مع الحسابات الانتخابية، وتتحول الملفات ذات الحساسية الاقتصادية والاجتماعية إلى ساحة مواجهة سياسية.

وفي المقابل، يبقى الرأي العام معنيا قبل كل شيء بمعرفة الحقيقة كاملة: كيف صُرفت أموال الدعم؟ ومن استفاد منها؟ وهل حققت الأهداف التي رُصدت من أجلها في حماية القطيع الوطني والتخفيف من أسعار اللحوم؟

إن هذه الأسئلة لا ترتبط بأجندة انتخابية، بل بمبدأ دستوري أصيل قوامه الشفافية وحسن تدبير المال العام. ولذلك، فإن نجاح البرلمان في تفعيل آلياته الرقابية قبل نهاية ولايته سيشكل رسالة قوية بأن الرقابة البرلمانية ليست رهينة الظرف السياسي، بل وظيفة دستورية مستمرة ما دام المجلس يمارس اختصاصاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى