بعد الحزم مع “السرقة” و المتأخرين في الأداء.. هل تمتد حملة الشركة الجهوية متعددة الخدمات إلى ملفات جمعيات توزيع الماء بإقليم مولاي يعقوب؟

مع انطلاق النموذج الجديد لتدبير قطاعي الماء والكهرباء بجهة فاس – مكناس، وضعت الشركة الجهوية متعددة الخدمات نفسها أمام تحدٍ كبير يتمثل في استعادة التوازن المالي للمرفق العمومي، وتقليص حجم الديون المتراكمة، وضمان استخلاص مستحقات الاستهلاك وفق مبدأ المساواة بين جميع المرتفقين، دون تمييز.
ومنذ شروعها في مباشرة اختصاصاتها، باشرت الشركة سلسلة من الإجراءات الميدانية الصارمة لمحاربة الربط غير القانوني بشبكات الماء والكهرباء، وتحصيل الديون المترتبة عن الاستهلاك، حيث شملت هذه العمليات عدداً من أقاليم الجهة، وأسفرت عن قطع التزويد عن متأخرين في الأداء، وتحرير محاضر في حالات تتعلق بالربط غير المشروع أو الاستهلاك خارج الإطار القانوني، في خطوة اعتبرها متابعون بداية مرحلة جديدة عنوانها فرض احترام القانون وحماية التوازنات المالية للمرفق العمومي.
وقد أثارت بعض هذه التدخلات اهتماماً واسعاً، بعدما شملت منتخبين ومسؤولين محليين، وهو ما اعتبره كثيرون مؤشراً على أن الشركة تتجه نحو تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، بعيداً عن أي اعتبارات مرتبطة بالصفة أو الموقع.
غير أن هذه المقاربة الصارمة تطرح اليوم، في المقابل، أسئلة متزايدة داخل عدد من الجماعات القروية بإقليم مولاي يعقوب، حول وضعية جمعيات محلية تتولى منذ سنوات تدبير توزيع الماء الصالح للشرب بعدد من الدواوير، ومدى انسجام طريقة تدبير هذا الملف مع السياسة الجديدة التي تعتمدها الشركة الجهوية متعددة الخدمات.
ويعد إقليم مولاي يعقوب من أكثر الأقاليم التي تعتمد في عدد من المناطق القروية على جمعيات محلية تشرف على توزيع الماء لفائدة الساكنة، وهي جمعيات تعمل في إطار قانوني وتحصل على وصولات الإيداع وفق المساطر المعمول بها، غير أن هذا النموذج يواجه، بحسب عدد من الفاعلين المحليين، تحديات متراكمة ترتبط بطرق التدبير، وآليات الاستخلاص، وصعوبة المحافظة على التوازن المالي لبعض الشبكات.
وتعيش عدة دواوير بالإقليم، بين الفينة والأخرى، على وقع انقطاعات في التزود بالماء أو اضطرابات في الخدمة، وهي وضعية يعزوها متتبعون إلى عوامل متعددة، من بينها تهالك أجزاء من الشبكات الموروثة، وارتفاع تكاليف الاستغلال والصيانة، فضلاً عن الإكراهات المالية التي تواجه بعض الجمعيات المشرفة على التوزيع.
وفي ظل هذا الواقع، يطالب عدد من المواطنين بتوضيح الصورة بشكل أكبر، خصوصاً فيما يتعلق بوضعية الالتزامات المالية بين بعض الجمعيات والشركة الجهوية متعددة الخدمات، ومدى انتظام أداء المستحقات، والإجراءات المعتمدة في حالة تسجيل متأخرات، وذلك حفاظاً على مبدأ الشفافية وضماناً لتكافؤ تطبيق القانون.
ويؤكد عدد من الفاعلين المحليين أن التخوف الأكبر لا يرتبط فقط بالجانب المالي، وإنما بإمكانية انعكاس أي اختلال في تدبير هذا الملف على استمرارية تزويد الساكنة بالماء، خاصة في ظل الإجهاد المائي الذي تعرفه المملكة، وارتفاع الطلب على هذه المادة الحيوية خلال فصل الصيف.
كما يثير هذا الملف تساؤلات حول مستقبل النموذج الجمعوي في تدبير الماء القروي، ومدى الحاجة إلى إعادة تقييمه في ضوء الإصلاحات الجديدة التي يشهدها قطاع توزيع الماء والكهرباء، خاصة وأن الشركة الجهوية متعددة الخدمات أصبحت اليوم الفاعل الرئيسي في تدبير هذا القطاع على المستوى الجهوي.
ويرى متابعون أن نجاح الإصلاح الذي تقوده الشركة لن يكتمل إلا إذا شمل مختلف حلقات سلسلة التوزيع، سواء تعلق الأمر بالمستهلك الفردي، أو المؤسسات، أو الهيئات التي تتولى تدبير شبكات الماء محلياً، مع اعتماد معايير موحدة في الاستخلاص والمراقبة والتتبع، بما يعزز الثقة في المنظومة الجديدة ويضمن استدامة هذا المرفق الحيوي.
وفي السياق نفسه، يدعو عدد من المهتمين بالشأن المحلي إلى إطلاق عمليات افتحاص وتقييم دوري لوضعية شبكات الماء القروي وآليات تدبيرها، والوقوف على الإكراهات التي تواجه الجمعيات، مع تقديم حلول عملية لتسوية الوضعيات التي تستوجب ذلك، بما يحفظ حقوق المرتفقين ويضمن في الوقت نفسه استخلاص المستحقات المستحقة للمرفق العمومي.
كما يطالب هؤلاء بإعداد خريطة دقيقة لوضعية شبكات الماء بالإقليم، وتحديد حجم الاستثمارات الضرورية لتأهيل الشبكات المتهالكة، وتقليص نسبة ضياع المياه، وتحسين جودة الخدمة، مع تعزيز آليات الحكامة والشفافية في تدبير الموارد المالية.
ويبقى الرهان الأساسي اليوم هو أن تنجح الشركة الجهوية متعددة الخدمات في ترسيخ مبدأ واحد وواضح: أن القانون يطبق على الجميع بالمعايير نفسها، وأن حماية استمرارية التزويد بالماء لا تتعارض مع فرض احترام الالتزامات المالية، بل تقوم عليها. وفي المقابل، فإن أي غموض يحيط بهذا الملف سيبقي الباب مفتوحاً أمام التأويلات، وهو ما يجعل التواصل المؤسساتي، والشفافية، وتوضيح المعطيات للرأي العام، عناصر أساسية لتعزيز الثقة في ورش إصلاح قطاع الماء والكهرباء بجهة فاس – مكناس.






