فاس-مكناس في ذيل القائمة: عندما تصنع الأرقام “مأساة جهوية” وتعرّي سنوات العجاف

بينما تحلق الأقاليم الجنوبية للمملكة في سماء النمو الاقتصادي متجاوزة حاجز الـ 7%، وبينما يستقر المعدل الوطني عند 4.4%، اختارت جهة فاس-مكناس أن تسجل “الاستثناء السلبي” وتركن في ذيل الترتيب الوطني بأدنى معدل نمو اقتصادي في المغرب. هذا التباين الصارخ الذي كشفت عنه أرقام المندوبية السامية للتخطيط، ليس مجرد أرقام جافة، بل هو مرآة تعكس واقعاً مريراً لجهة تاريخية حُكم عليها بالركود التنموي وتجرع مرارة “السنوات العجاف”.
منظومة الفشل الجهوي: مجلس الجهة والمركز الجهوي للاستثمار في قفص الاتهام
إذا بحثنا عن المسؤول عن هذه الحصيلة المخيبة، فلن نحتاج إلى بذل مجهود كبير؛ فالأصابع تشير مباشرة إلى هندسة التدبير المحلي:
-
مجلس جهة فاس-مكناس: مجالس متعاقبة غارقة في صراعاتها الضيقة وحساباتها السياسوية، غائبة تماماً عن تقديم بدائل تنموية حقيقية. رؤية تفتقد الى الحكامة و التجربة،و خطط تنموية جهوية تظل حبراً على ورق، ووعود انتخابية تبخرت بمجرد اعتلاء الكراسي، تاركة العاصمة العلمية والجهة ككل تعيش على أطلال مجدها الغابر.
-
المركز الجهوي للاستثمار (CRI): شلل شبه تام وبيروقراطية قاتلة حولت هذا المرفق، المفترض فيه أن يكون محركاً وجاذباً للاستثمار، إلى مقبرة للمشاريع. بدلاً من تسهيل المساطر ومصاحبة المستثمرين، يواجه حاملو المشاريع جداراً من التعقيدات التي تدفع برؤوس الأموال للهروب نحو جهات تبسط السجاد الأحمر لرجال الأعمال.
صناعة الوهم: أحياء صناعية مفلسة ومعامل توصد أبوابها
يتجلى هذا العبث التنموي في مقاربة “تزيين الواجهات” التي تتقنها النخب المحلية:
أحياء صناعية تولد ميتة: تم الترويج لمشاريع إحداث مناطق صناعية جديدة وكأنها المنقذ الاقتصادي للجهة، لكن الواقع يكشف عن مساحات مجهزة خالية من الروح، أحياء صناعية مفلسة لا ترقى حتى لمعايير الاستثمار البسيط، وتفتقر لأبسط مقومات البنية التحتية واللوجستيكية الجاذبة.
-
نزيف المعامل: في مقابل هذه “المناطق المهجورة”، تعيش المدن الصناعية التاريخية بالجهة (كفاس ومكناس) على وقع إغلاق متواصل للمصانع والوحدات الإنتاجية الكبرى والصغرى. شركات تاريخية أفلست، وأخرى فضلت نقل نشاطها إلى محور القنيطرة-طنجة أو الدار البيضاء، بحثاً عن بيئة حاضنة تحترم عقول المستثمرين.
سنوات عجاف وبطالة تنخر طاقات الشباب
خلف هذه الأرقام المخجلة تكمن مأساة اجتماعية حقيقية:
-
شبح البطالة: تحولت الجهة إلى بؤرة لتصدير البطالة و”الهجرة الداخلية” نحو مدن أخرى بحثاً عن لقمة العيش. شباب يحمل شواهد عليا ومؤهلات واعدة يجد نفسه محاصراً بانسداد الأفق وغياب تام لفرص العمل.
-
ركود قاتل: تعيش الأسواق التجارية في فاس ومكناس وباقي أقاليم الجهة حالة من الركود غير المسبوق نتيجة تراجع القدرة الشرائية وغياب ديناميكية تدوير عجلة الاقتصاد المحلي.
إن الفوارق الجهوية الصارخة التي فضحتها المندوبية السامية للتخطيط تؤكد أن المغرب يسير بسرعتين: جهات تحتضن المستقبل وتستشرف آفاق الذكاء الترابي والتنوع الاقتصادي، وجهة كجهة فاس-مكناس تصر نخبها الإدارية والمنتخبة على جرها إلى الخلف، والتمسك بسياسة “تسيير الأزمة” بدلاً من “صناعة التنمية”. فإلى متى سيستمر هذا السبات العميق؟






