اقتصاد

حين غاب القانون وحضر “الفراقشية”: هل آن أوان فتح العلبة السوداء لدعم اللحوم وفضح لوبيات الفلاحة؟

كشف أحمد رحو، رئيس مجلس المنافسة، معطى قانونياً بالغ الخطورة يعيد إلى الواجهة سؤال الحكامة، والشفافية، وحدود مسؤولية الحكومة في تدبير سياسات الدعم العمومي، وذلك عندما أكد صراحة أن السلطة التنفيذية تجاهلت مقتضيات قانونية صريحة قبل إقرار دعم موجّه لقطاع اللحوم، كان من المفروض أن يمر وجوباً عبر استشارة مجلس المنافسة.

تصريح رحو لم يكن تفصيلاً تقنياً عابراً، بل إدانة مؤسساتية واضحة لمسار اتُّخذ خارج الضوابط القانونية، إذ ينص القانون بوضوح على إلزامية طلب رأي مجلس المنافسة قبل إقرار أي نظام دعم أو إعانة عمومية، لما لذلك من آثار مباشرة على المنافسة، وتكافؤ الفرص، وبنية السوق. ومع ذلك، مضت الحكومة في قراراتها وكأن المجلس غير موجود، في سلوك يطرح أكثر من علامة استفهام حول من يوجّه فعلياً بوصلة القرار الاقتصادي.

دعم بلا استشارة… ونتائج بلا أثر على الأسعار

الأخطر في ما كشفه رئيس مجلس المنافسة ليس فقط خرق المسطرة، بل نتائج هذا الدعم الذي صُرف باسم حماية القدرة الشرائية، دون أن ينعكس بشكل ملموس على أسعار اللحوم لدى المستهلك. فبينما ضُخّ المال العام، ظل المواطن يشتري بأسعار مرتفعة، ما يفتح الباب أمام السؤال الجوهري: من استفاد فعلياً من الدعم؟

هنا يبرز اسم “الفراقشية”، سماسرة السوق، والوسطاء غير المنتجين، الذين راكموا الأرباح في الظل، مستفيدين من اختلالات بنيوية، وغياب المراقبة الصارمة، وتحول الدعم العمومي، بدل أن يكون أداة تصحيح، إلى رافعة إثراء غير مشروع لفئات اعتادت التغذي على الأزمات.

مجلس المنافسة مُقيّد… والحكومة تتحصن بالصمت

أحمد رحو كان واضحاً: مجلس المنافسة لا يمكنه التدخل تلقائياً في سياسات الدعم دون إحالة رسمية من الحكومة. ومع ذلك، لم يتلقَّ المجلس، إلى حدود الساعة، أي طلب بخصوص دعم قطاع اللحوم، رغم الجدل الواسع الذي رافق هذا الملف. هذا المعطى يكشف خللاً عميقاً في العلاقة المؤسساتية، ويُظهر حكومة تُفضل اتخاذ قرارات ثقيلة الأثر بعيداً عن أعين الهيئات الدستورية الرقابية.

ويزداد المشهد قتامة حين نعلم أن مجلس المنافسة عالج، خلال السنة الماضية، 180 ملفاً مرتبطاً بالتركيز الاقتصادي، رغم رفع عتبات التصريح القانونية، وهو رقم يعكس حركية غير طبيعية في السوق، ويؤكد أن منطق التمركز والهيمنة لا يزال حاضراً بقوة.

الأسعار ليست من اختصاص المجلس… لكن التواطؤ جريمة

رحو شدد على أن مجلس المنافسة لا يحدد الأسعار ولا يتدخل في ارتفاعها أو انخفاضها، بل يتدخل عندما تتحول السوق إلى غابة، يسودها التواطؤ، والاتفاقات السرية، واستغلال الوضع المهيمن. ومع ذلك، فإن غياب الإحالة الحكومية، وتعطيل دور المجلس، يفتح المجال أمام ممارسات مشبوهة، تُفرغ السوق من روح المنافسة، وتُفرغ جيوب المواطنين دون حسيب.

هل آن أوان فتح “العلبة السوداء”؟

اليوم، لم يعد النقاش تقنياً ولا محصوراً في مساطر قانونية، بل صار نقاشاً سياسياً وأخلاقياً بامتياز:

  • من صاغ سياسة دعم اللحوم؟

  • من استفاد منها؟

  • ولماذا لم تُستشر المؤسسة الدستورية المكلفة بحماية المنافسة؟

وهنا يطفو سؤال أكثر جرأة: هل حان وقت فتح العلبة السوداء لبعض المؤسسات والفاعلين الكبار في قطاع الفلاحة؟ ليس بهدف التشهير، بل من أجل الشفافية والمساءلة، وكشف مسارات الدعم، وهوامش الربح، والعلاقات غير المعلنة التي تجعل من المال العام وقوداً لمصالح ضيقة.

الحكومة في قفص الاتهام

ما قاله أحمد رحو يضع الحكومة مباشرة في قفص الاتهام السياسي، ليس لأنها دعمت قطاعاً معيناً، بل لأنها فعلت ذلك خارج منطق الحكامة، وخارج احترام القانون، وخارج أي تقييم تنافسي مستقل. والأسوأ أن نتائج هذا الدعم لم تصل إلى المواطن، بل توقفت في منتصف الطريق، حيث يقف الفراقشي، والوسيط، ولوبي المصالح.

ملف دعم اللحوم لم يعد ملفاً قطاعياً، بل مرآة تعكس أعطاب القرار الاقتصادي، وحدود الشفافية، ونفوذ شبكات تستفيد من غياب المحاسبة. وما لم تُفتح العلبة السوداء، ويُفعّل دور مجلس المنافسة كاملاً، ويُربط الدعم العمومي بنتائج واضحة وقابلة للتتبع، فإن أي حديث عن حماية القدرة الشرائية سيبقى مجرد شعار، يدفع ثمنه المواطن، ويُموَّل من جيبه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى