سياسة

إسبانيا أمام اختبار المغرب.. هل تدفع مدريد ثمن الارتهان لحسابات البوليساريو؟

تجد إسبانيا نفسها أمام اختبار سياسي ودبلوماسي جديد في علاقتها مع المغرب، بعد تحرك برلماني داخل مجلس النواب الإسباني باتجاه التصويت على مشروع قانون يقضي بمنح الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين الذين وُلدوا في الصحراء خلال فترة الإدارة الاستعمارية الإسبانية، في خطوة تفتح من جديد واحداً من أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين مدريد والرباط، وتطرح أسئلة عميقة حول مستقبل السياسة الإسبانية تجاه المملكة المغربية وحول الكلفة السياسية والاستراتيجية التي يمكن أن تتحملها إسبانيا جراء تحويل ملف الصحراء المغربية إلى ورقة للمزايدات الداخلية.

ويأتي هذا التطور في وقت لم يعد فيه المغرب هو نفسه الذي كانت تتعامل معه بعض العواصم الأوروبية بمنطق الحسابات القديمة، إذ فرضت المملكة خلال السنوات الأخيرة حضورها كقوة إقليمية صاعدة وشريك اقتصادي وأمني لا يمكن تجاوزه، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي، ومن علاقاتها المتنامية مع أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، ومن شبكة واسعة من الشراكات الدولية التي جعلت الرباط لاعباً مؤثراً في عدد من الملفات الاستراتيجية، من الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب إلى الطاقة والاستثمار والتجارة والتعاون جنوب-جنوب.

ومن هذه الزاوية، فإن أي قرار إسباني يمس بشكل مباشر أو غير مباشر المصالح الاستراتيجية للمغرب لا يمكن فصله عن التحولات التي عرفتها موازين العلاقات الدولية خلال السنوات الأخيرة. فمدريد ليست أمام المغرب الذي كان قبل عقود، كما أن الرباط لم تعد تنظر إلى علاقاتها الخارجية من زاوية التبعية أو انتظار الاعتراف من طرف واحد، وإنما أصبحت تتعامل مع الشراكات الدولية على أساس المصالح المتبادلة والوضوح في القضايا السيادية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.

وتزداد حساسية الخطوة الإسبانية المقترحة بالنظر إلى طبيعة الملف الذي تتحرك داخله، إذ إن منح الجنسية لفئات مرتبطة تاريخياً بفترة الاستعمار الإسباني للصحراء يمكن أن يُقرأ، سياسياً، باعتباره محاولة لإبقاء امتدادات بشرية وقانونية للوجود الإسباني السابق في الإقليم، وهو ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان الأمر يتعلق بمعالجة قانونية واجتماعية محددة، أم أنه يحمل في خلفيته حسابات سياسية مرتبطة بملف الصحراء.

وهنا تبرز المفارقة الإسبانية؛ فبينما استطاعت مدريد، خلال السنوات الماضية، أن تبني مع الرباط تعاوناً بالغ الأهمية في ملفات الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار، تعود بعض المكونات السياسية داخل إسبانيا إلى مقاربة قضية الصحراء بمنطق قد يهدد هذه الدينامية ويعيد العلاقات إلى مربع التوتر.

وتكمن خطورة هذا المسار بالنسبة لإسبانيا في أن المغرب أصبح بالنسبة إلى مدريد شريكاً استراتيجياً في ملفات لا تستطيع إسبانيا التعامل معها منفردة. فالموقع الجغرافي للمملكة يجعلها بوابة رئيسية بين أوروبا وإفريقيا، كما أن التعاون المغربي الإسباني يرتبط بملفات حيوية بالنسبة لإسبانيا، وفي مقدمتها مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والإرهاب، إلى جانب المبادلات التجارية والاستثمارات وحركة الأشخاص والطاقة والربط الاقتصادي.

ولذلك فإن إضعاف الثقة السياسية بين الرباط ومدريد لا يمكن أن تكون له كلفة على المغرب وحده، بل يمكن أن يرتد أيضاً على المصالح الإسبانية نفسها، خصوصاً في ظل المنافسة الدولية المتزايدة على الشراكات مع المغرب، وتوسع المملكة في بناء علاقات استراتيجية مع قوى دولية واقتصادية متعددة.

وفي المقابل، تبدو إسبانيا مطالبة بإعادة قراءة موقعها في الخريطة الجديدة للعلاقات الدولية، خصوصاً أن الاستمرار في إرسال رسائل متناقضة بشأن المغرب قد يضعف قدرتها على لعب دور مؤثر في المنطقة. فالمملكة استطاعت خلال السنوات الأخيرة تنويع شركائها وعدم حصر سياستها الخارجية في محور واحد، بينما تواجه مدريد بدورها تحديات سياسية داخلية وأوروبية وإقليمية تجعل الحفاظ على علاقات مستقرة وقوية مع جيرانها الاستراتيجيين مسألة تتجاوز الحسابات الحزبية الظرفية.

وتزداد المسألة تعقيداً عندما يتعلق الأمر بجبهة البوليساريو، التي تحاول بعض الأوساط السياسية الأوروبية التعامل معها باعتبارها طرفاً سياسياً يمكن بناء قنوات خاصة معه، في حين أن المغرب يرفض بشكل صريح أي محاولة لمنح هذا الكيان وضعاً يتجاوز الإطار الذي تحدده المرجعيات الأممية لمسار التسوية. ومن ثم، فإن نقل الخلاف إلى المجال القانوني والاجتماعي الإسباني عبر قضايا الجنسية يمكن أن يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى ملف شديد الحساسية أصلاً.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم على صانع القرار الإسباني هو: هل من مصلحة مدريد بناء علاقات طويلة الأمد مع المغرب، أم الاستمرار في منح مساحة سياسية لمكونات وجماعات مرتبطة بملف الصحراء، بما قد يحولها مستقبلاً إلى عامل ضغط على السياسة الإسبانية نفسها؟

فإسبانيا، بحكم التاريخ والجغرافيا والمصالح الاقتصادية والأمنية، تحتاج إلى المغرب أكثر من مجرد جار على الضفة الأخرى من المتوسط. والمغرب، في المقابل، أصبح يمتلك من خيارات الشراكة الدولية ما يسمح له بإعادة ترتيب أولوياته متى شعر بأن طرفاً ما لا يحترم ثوابته ومصالحه الاستراتيجية.

ومن هنا، فإن الحديث عن «خاسر» محتمل في هذه المواجهة لا ينبغي أن يقتصر على الجانب المغربي أو الإسباني، لأن أي تراجع في العلاقات بين البلدين ستكون له انعكاسات مباشرة على المصالح المشتركة وعلى الاستقرار الإقليمي في غرب المتوسط. غير أن استمرار السياسة المتناقضة قد يجعل إسبانيا الطرف الأكثر تعرضاً للخسارة، بحكم اعتمادها الكبير على التعاون مع المغرب في ملفات استراتيجية، وبحكم موقع المملكة المتزايد داخل المنظومة الاقتصادية والأمنية الإقليمية.

كما أن التحولات الدولية الأخيرة تؤكد أن الرباط لم تعد تراهن على شريك واحد، بل تنتهج سياسة خارجية متعددة الاتجاهات، وهو ما يمنحها هامشاً أوسع للمناورة وبناء الشراكات. وقد جعل هذا النهج المغرب طرفاً حاضراً بقوة في إفريقيا، وشريكاً مهماً للاتحاد الأوروبي، وفاعلاً في ملفات الأمن والطاقة والاستثمار، إضافة إلى علاقاته المتنامية مع الولايات المتحدة ودول الخليج وقوى دولية أخرى.

وفي هذا السياق، تبدو الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى مدريد واضحة: العلاقات المغربية الإسبانية لا يمكن أن تُبنى على ازدواجية المواقف، ولا يمكن أن تكون قضية الصحراء المغربية مجالاً للمساومة الحزبية الداخلية الإسبانية. فالمغرب ينتظر من شركائه مواقف واضحة ومتوازنة تحترم سيادته ووحدته الترابية، مقابل استعداده لتعزيز التعاون في المجالات التي تخدم مصالح الطرفين.

وتحتاج إسبانيا، في هذه المرحلة، إلى استعادة بوصلة الواقعية السياسية، والتمييز بين المصالح الاستراتيجية طويلة المدى والمواقف الحزبية الظرفية. فالرهان الحقيقي بالنسبة لمدريد ليس في فتح ملفات جديدة مع المغرب، وإنما في الحفاظ على شراكة قوية ومستقرة مع المملكة، باعتبارها أحد مفاتيح الأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي في غرب المتوسط.

أما محاولة بناء «شبكة بشرية» أو قانونية مرتبطة بملف الصحراء داخل الأراضي الإسبانية، كما يحذر أستاذ العلاقات الدولية خالد الشيات، فقد تتحول مع مرور الوقت إلى عبء سياسي وقانوني على مدريد نفسها، بدلاً من أن تكون ورقة رابحة في إدارة الملف. كما أن منح الجنسية لا يحسم النزاعات الإقليمية ولا يغير الوقائع السياسية والقانونية على الأرض، وإنما قد يضيف تعقيدات جديدة إلى علاقة إسبانيا بملف تاريخي شديد الحساسية.

وفي النهاية، فإن مصلحة إسبانيا، قبل غيرها، تقتضي أن تنظر إلى المغرب بمنطق المستقبل لا بمنطق الماضي الاستعماري، وأن تدرك أن المملكة أصبحت قوة إقليمية لها وزنها وخياراتها وشراكاتها، وأن الحفاظ على علاقة قوية معها ليس امتيازاً تمنحه مدريد للرباط، وإنما مصلحة استراتيجية متبادلة تفرضها الجغرافيا والاقتصاد والأمن والتحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي.

وبينما يستعد البرلمان الإسباني لمناقشة مشروع الجنسية، تظل الكرة في ملعب مدريد: إما أن تختار منطق الواقعية والشراكة الاستراتيجية مع المغرب، أو تسمح للحسابات الحزبية والرهانات المرتبطة بالبوليساريو بإعادة العلاقات إلى مربع التوتر. وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، قد يكون الخطأ الأكبر بالنسبة لإسبانيا هو أن تتعامل مع المغرب بعقلية الماضي، بينما تتحرك المملكة بثقة نحو موقع جديد في الخريطة الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى