فاس.. حملة انتخابية باهتة في الدائرتين الجنوبية والشمالية، والمرشحون يؤجلون النزول إلى الميدان

فاس – دخلت الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026 يومها الثاني، غير أن أجواءها بمدينة فاس لم تعكس، إلى حدود أمس، حجم المنافسة المنتظرة على المقاعد البرلمانية الثمانية، إذ بدت الانطلاقة الميدانية في الدائرتين الجنوبية والشمالية فاترة، مع محدودية ظهور عدد من المرشحين وغياب التعبئة التي عادة ما تميز الأيام الأولى من الحملات الانتخابية.
وتتجه الأنظار إلى فاس باعتبارها إحدى أبرز دوائر جهة فاس-مكناس، حيث تتنافس 41 لائحة محلية على ثمانية مقاعد، في استحقاق يُنتظر أن يشهد صراعاً حثيثاً بين عدد من الأحزاب واللوائح، وأن يختبر قدرة المرشحين على تحويل الحضور التنظيمي إلى تعبئة انتخابية فعلية.
مرشحون يختارون التريث.. والحملة لا تزال دون مستوى الانتظارات
وحسب إفادات متطابقة من متابعين للشأن الانتخابي وفعاليات جمعوية تنشط في عدد من الأحياء الشعبية، فإن الحملة الانتخابية لم تعرف، خلال يومها الأول، الحضور الميداني الواسع الذي كان منتظراً، إذ غابت أو تراجعت مظاهر التجمعات التواصلية والجولات المنظمة لعدد من المرشحين، فيما اختار بعضهم تأجيل انطلاق حملته الميدانية إلى الأسبوع الثاني من الحملة، في انتظار اتضاح موازين المنافسة وترتيب الأولويات التنظيمية.
وتفسر مصادر متابعة هذا الفتور بعدة عوامل، من بينها رغبة بعض المرشحين في استكمال ترتيباتهم التنظيمية واللوجستيكية، وانتظار اتضاح طبيعة التحركات المنافسة، فضلاً عن ارتفاع كلفة الحملات الميدانية وصعوبة تدبير شبكة من المؤطرين والمتطوعين في مختلف الأحياء. كما أن بعض اللوائح، وفق المعطيات المتداولة، تفضل التركيز في البداية على التواصل المحدود مع القواعد والفاعلين المحليين، قبل الانتقال إلى الجولات والتجمعات الموسعة.
غير أن هذا التريث لا يخفي، بحسب الفعاليات الجمعوية نفسها، وجود فتور واسع في عدد من الأحياء الشعبية، حيث لم يلمس السكان، إلى حدود أمس، زخماً انتخابياً يوازي أهمية الاستحقاق، وهو ما يطرح أسئلة حول قدرة المرشحين على استعادة الثقة وإقناع الناخبين بالمشاركة والانخراط في العملية الانتخابية.
مكتبات النسخ.. نشاط لافت يثير الانتباه
وفي مقابل محدودية الحضور الميداني للمرشحين، سجلت بعض مكتبات النسخ والطباعة، خلال اليوم الأول من الحملة، نشاطاً لافتاً في نسخ بطائق التعريف الوطنية لفائدة عدد من الأشخاص، وهي ظاهرة أثارت انتباه متابعين وفعاليات جمعوية في مجموعة من الأحياء الشعبية.
وبحسب الإفادات المتداولة، فقد شوهد بعض الأشخاص المعروفين محلياً بـ«مفتولي العضلات» وهم يتولون نسخ بطائق تعريف وطنية لفائدة ناخبين، في مشهد اعتبرته مصادر جمعوية مؤشراً على استمرار بعض الممارسات المرتبطة بالتعبئة الانتخابية غير المباشرة، خصوصاً عندما يتم جمع نسخ الوثائق الشخصية خارج إطار واضح أو دون توضيح الغرض من استعمالها.
وتربط مصادر متابعة هذا النشاط، في بعض الحالات، بترتيبات تنظيمية تقوم بها حملات انتخابية، من قبيل إعداد لوائح التواصل مع الناخبين أو تنظيم عمليات النقل والتعبئة يوم الاقتراع، غير أن ذلك يظل مجرد تفسير متداول، ولا يمكن الجزم بأن كل عملية نسخ لبطاقة تعريف وطنية مرتبطة بممارسة غير قانونية أو بتوجيه التصويت.
ويؤكد متابعون أن نسخ بطاقة التعريف الوطنية في حد ذاته لا يشكل دليلاً على وقوع مخالفة انتخابية، غير أن جمع المعطيات الشخصية للناخبين أو استعمالها للتأثير على إرادتهم الانتخابية أو ربطها بمنافع أو وعود أو ضغوط قد يثير إشكالات قانونية، بحسب طبيعة الأفعال والظروف المحيطة بها. ولذلك، فإن أي معطيات من هذا النوع تظل بحاجة إلى التحقق، وإلى تحديد الجهة التي تقف وراءها والغرض من جمعها، قبل إصدار أحكام أو توجيه اتهامات.
صراع على ثمانية مقاعد.. وفاس أمام اختبار التعبئة والثقة
وتأتي هذه الانطلاقة الباهتة في وقت تستعد فيه فاس لمعركة انتخابية مفتوحة على احتمالات متعددة، بالنظر إلى العدد المرتفع من اللوائح المتنافسة وتنوع الخلفيات الحزبية والمرشحين، فضلاً عن الرهانات المرتبطة بتمثيلية المدينة داخل مجلس النواب المقبل.
ففي الدائرة الجنوبية، التي شهدت مؤخراً سقوط اللائحة الجهوية لنساء الأحرار عقب الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بفاس، يظل التنافس على المقاعد المحلية مفتوحاً أمام عدد من اللوائح، فيما تستعد الدائرة الشمالية بدورها لمعركة انتخابية تتقاطع فيها الحسابات الحزبية والتنظيمية مع الحضور الميداني للمرشحين.
ويترقب المتابعون أن تتغير وتيرة الحملة خلال الأيام المقبلة، خصوصاً مع انتقال المرشحين من مرحلة الترتيبات الداخلية إلى مرحلة النزول المكثف إلى الأحياء والأسواق والفضاءات العمومية، حيث سيكون اختبار القدرة على التواصل المباشر مع الناخبين، وتقديم برامج واضحة، وتعبئة القواعد، أكثر حسماً من مجرد الحضور الشكلي أو النشاط المحدود.
وبينما تراهن الأحزاب على استعادة ثقة الناخبين وتحويل الحملة إلى فرصة لإبراز برامجها ومرشحيها، فإن الفتور المسجل في يومها الأول يضع مختلف اللوائح أمام تحدي رفع منسوب التعبئة، وتجاوز حالة الانتظار، وإقناع المواطنين بأن الاستحقاق المقبل يشكل محطة فعلية لاختيار ممثليهم، بعيداً عن أي ممارسات من شأنها التأثير على حرية الاختيار أو المساس بنزاهة العملية الانتخابية.
وتبقى الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الحملة الانتخابية بفاس ستنتقل من انطلاقة باهتة إلى مواجهة ميدانية قوية، أم أن بعض المرشحين سيواصلون سياسة التريث، في انتظار اقتراب موعد الاقتراع واشتداد الصراع على المقاعد الثمانية.






