فاس-مكناس.. دخول مدرسي على صفيح ساخن: أسر تبحث عن مقعد لأبنائها ونقابات تلوّح بالاحتجاج

لم يكن الدخول المدرسي الجديد بجهة فاس-مكناس، التي تضم فاس ومكناس وتازة وتاونات وصفرو والحاجب وإفران وبولمان ومولاي يعقوب، في مستوى الانتظارات التي علقتها عليه آلاف الأسر، بعدما كشفت الأيام الأولى من الموسم الدراسي 2026-2027 عن استمرار عدد من الإشكالات المرتبطة بالولوج إلى المؤسسات التعليمية، والاكتظاظ، وتدبير الخصاص والفائض، إلى جانب تنامي التوتر داخل الأسرة التعليمية واتساع المطالب بضرورة تحسين التواصل وتقديم أجوبة واضحة حول عدد من الملفات التي تؤرق التلاميذ وأولياء أمورهم والأطر التربوية.
ففي الوقت الذي أكدت فيه وزارة التربية الوطنية أن الدراسة انطلقت بشكل فعلي وإلزامي يوم الاثنين 7 شتنبر الجاري، وفق الجدولة الرسمية المحددة في المقرر الوزاري رقم 047.26، فإن الواقع الميداني بالجهة يطرح أسئلة مختلفة، خصوصاً بالنسبة إلى أسر تقول إنها وجدت نفسها أمام صعوبات في تسجيل أبنائها أو إعادة تسجيلهم، وأسر أخرى تبحث عن مقعد دراسي قريب ومناسب، في وقت لا تزال فيه مؤسسات بعدد من المناطق تعاني ضغطاً متزايداً على طاقتها الاستيعابية.
آباء وأمهات أمام سؤال بسيط: أين سيدرس أبناؤنا؟
المشكل بالنسبة إلى العديد من الأسر لا يرتبط بشعارات الإصلاح ولا بعدد المشاريع المبرمجة، وإنما بسؤال يومي ومباشر: أين سيدرس أبناؤنا؟ فالأب الذي يقصد مؤسسة تعليمية لتسجيل ابنه أو ابنته يريد جواباً واضحاً، والأم التي أنهت العطلة الصيفية وهي تستعد للدخول المدرسي تريد أن تعرف أين سيكون مقعد ابنها، وفي أي قسم، وبأي ظروف، وليس أن تجد نفسها في دوامة من الانتظار والتنقل بين المؤسسات والمصالح بحثاً عن حل.
وتزداد حساسية هذا الملف في مدينة فاس، التي تعرف ضغطاً عمرانياً وسكانياً على عدد من الأحياء والمناطق، وهو ما يجعل مسألة توسيع العرض المدرسي وتوزيعه بشكل عادل مجاليةً من أكثر الملفات إلحاحاً. ومع أن مشاريع جديدة تمت برمجتها لتعزيز العرض المدرسي، من بينها 23 مؤسسة تعليمية جديدة بفاس بغلاف مالي إجمالي يناهز 430 مليون درهم، فإن السؤال المطروح يبقى حول مدى قدرة هذه المشاريع على الاستجابة الفورية للضغط الحالي، وليس فقط معالجة حاجيات السنوات المقبلة.
والواقع أن الأكاديمية الجهوية نفسها تضع الحد من الاكتظاظ وتوسيع العرض المدرسي ضمن أولوياتها، كما تؤكد مواصلة برامج الدعم وتوسيع مدارس وإعداديات الريادة. لكن الأسر تريد أن ترى أثر هذه الأوراش في القسم والمؤسسة والحي الذي يقطن فيه أبناؤها، لأن نجاح الإصلاح في نظرها يبدأ من توفير مقعد دراسي وظروف تعلم لائقة، وليس فقط من تقديم المؤشرات والأرقام.
فاس ليست وحدها.. تازة تكشف الوجه الآخر للدخول المدرسي
ولا تبدو الإشكالات محصورة في مدينة فاس، إذ برزت في إقليم تازة مؤشرات أكثر وضوحاً على حالة الاحتقان داخل الأسرة التعليمية. فقد عبرت النقابات التعليمية الأربع الأكثر تمثيلية بالإقليم، وهي الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والفيدرالية الديمقراطية للشغل، والجامعة الوطنية للتعليم والجامعة الحرة للتعليم، عن احتجاجها على ما وصفته باختلالات في تدبير الدخول المدرسي، محذرة من إمكانية تسطير برنامج نضالي تصعيدي إذا لم تتم معالجة الملفات المطروحة.
وتقول النقابات إن الاجتماع الإقليمي المشترك عرف نقاشاً طويلاً حول تدبير الدخول المدرسي، وطرحت خلاله قضايا مرتبطة بالعرض المدرسي والاكتظاظ وتأهيل المؤسسات وتدبير الفائض والخصاص، منتقدة ما تعتبره ضعفاً في الإشراك والحوار. كما نبهت إلى أن بعض المناطق تعرف ضغطاً متزايداً على المؤسسات التعليمية، في ظل نمو ديمغرافي لا يواكبه، حسب تقديرها، عرض مدرسي بالسرعة المطلوبة.
وهو ما يجعل تازة، إلى جانب فاس ومناطق أخرى بالجهة، اختباراً حقيقياً لمدى قدرة التدبير الجهوي على الانتقال من مرحلة الإعلان عن الأوراش إلى مرحلة معالجة المشاكل اليومية التي تواجه الأسر والأطر التعليمية.
التواصل موجود.. لكن هل أقنع الأسر؟
من الإنصاف الإشارة إلى أن الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس-مكناس لم تلتزم الصمت بالكامل، بل نظمت يوم 7 شتنبر ندوة صحفية بفاس لتقديم معطيات الدخول المدرسي، كما عقد مدير الأكاديمية لقاءً تواصلياً مع ممثلي جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ لمناقشة الإجراءات المتخذة لإنجاح الموسم الدراسي.
غير أن الإشكال المطروح اليوم هو أن التواصل المؤسساتي، مهما كان حاضراً، لا يكفي إذا لم يصل إلى الأسرة التي تواجه مشكلة فعلية في التسجيل أو الاكتظاظ أو النقل أو الاستفادة من خدمات المؤسسة. فالمطلوب ليس فقط تنظيم الندوات واللقاءات، وإنما فتح قنوات واضحة وسريعة للرد على شكايات الآباء، ونشر المعطيات المتعلقة بالمقاعد المتاحة والخصاص والموارد البشرية وحاجيات كل مديرية، حتى لا تبقى الأسر رهينة الأخبار المتداولة أو الانتقال من مؤسسة إلى أخرى بحثاً عن جواب.
وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى تواصل أقرب إلى الميدان، تكون فيه الأكاديمية والمديريات الإقليمية مطالبة بتفسير الاختلالات قبل أن تتحول إلى أزمة ثقة، خصوصاً في مدينة بحجم فاس وباقي أقاليم الجهة.
النقابات تتحرك.. والاحتقان قابل للاتساع
المؤشرات النقابية لا تقل أهمية عن شكايات الأسر، لأن المدرسة العمومية لا يمكن أن تدخل الموسم الدراسي في أجواء توتر بين الإدارة والشغيلة التعليمية ثم يُطلب منها في الوقت نفسه تحقيق جودة التعلمات.
فجهة فاس-مكناس شهدت قبل الدخول المدرسي تحركات نقابية بسبب ملفات مهنية وإدارية عالقة، كما عادت هذه الملفات إلى الواجهة مع بداية الموسم الجديد، بينما شهدت تازة وقفة احتجاجية مع بداية شتنبر، قبل أن تلوّح النقابات الأربع ببرنامج تصعيدي في حال استمرار ما تعتبره اختلالات في تدبير القطاع.
وهذا يعني أن النقابات لا تنظر إلى الدخول المدرسي باعتباره مجرد عملية إدارية لاستقبال التلاميذ، بل باعتباره اختباراً لمنظومة التدبير والحوار الاجتماعي والشفافية في توزيع الموارد والمناصب ومعالجة الفائض والخصاص.
وإذا لم تُفتح قنوات حوار حقيقية وفعالة، فإن الاحتجاجات قد تتسع من ملفات مهنية محددة إلى احتجاجات مرتبطة بصورة الدخول المدرسي نفسه، وهو ما سيكون له انعكاس مباشر على السير العادي للدراسة وعلى الأسر والتلاميذ قبل غيرهم.
بين الأرقام والواقع.. فاس-مكناس مطالبة بأجوبة صريحة
لا يمكن إنكار حجم المجهودات والاستثمارات التي يجري ضخها في قطاع التعليم بالجهة، ولا يمكن تجاهل توسع مدارس الريادة وبرامج الدعم وبناء مؤسسات جديدة، بل إن الأكاديمية تؤكد أن عدد التلاميذ المستفيدين من مدارس الريادة بالجهة بلغ أكثر من 519 ألف تلميذ، مع تغطية واسعة للتعليم الابتدائي والإعدادي.
لكن نجاح الإصلاح لا يقاس فقط بعدد المؤسسات المبرمجة ولا بعدد التلاميذ المستفيدين من برنامج معين، وإنما بقدرة المدرسة العمومية على استقبال كل طفل في ظروف تحفظ كرامته، وبقدرة الإدارة على الإجابة عن شكايات الآباء، وبقدرة الأستاذ على العمل في قسم غير مكتظ، وبقدرة المؤسسات على توفير الموارد البشرية والتجهيزات والخدمات الضرورية.
ومن هنا، فإن الدخول المدرسي الحالي بجهة فاس-مكناس يضع الأكاديمية والمديريات الإقليمية أمام امتحان حقيقي، عنوانه الثقة. الثقة التي تحتاجها الأسر عندما تسجل أبناءها، والثقة التي تحتاجها هيئة التدريس عندما تطالب بحقوقها، والثقة التي تحتاجها النقابات عندما تدخل في حوار مع الإدارة، والثقة التي يحتاجها الرأي العام عندما يسمع عن مدرسة ذات جودة للجميع.
وفي نهاية المطاف، فإن أبناء فاس ومكناس وتازة وتاونات وصفرو والحاجب وإفران وبولمان ومولاي يعقوب لا يريدون دخولاً مدرسياً ناجحاً في البيانات فقط، وإنما يريدون مدرسة مفتوحة للجميع، ومقاعد متاحة لأبنائهم، وأقساماً غير مثقلة بالاكتظاظ، وأساتذة كافين، وإدارة تستمع وتجيب، ومؤسسات تستوعب التحولات السكانية والاجتماعية التي تعرفها الجهة.
أما الآباء والأمهات الذين وجدوا أنفسهم، مع بداية الموسم، يسألون عن مقاعد أبنائهم، والنقابات التي تستعد للتصعيد دفاعاً عن ملفاتها، والأسرة التعليمية التي تطالب بتدبير أكثر شفافية وتشاركاً، فإن رسالتهم واحدة: لا يكفي أن تبدأ الدراسة في موعدها، بل المطلوب أن تبدأ في ظروف تضمن فعلاً حق كل تلميذ في مدرسة عمومية ذات جودة، وأن تتحول وعود الإصلاح إلى واقع يلمسه المواطن داخل المؤسسة التعليمية.






