تسيب الأمن الخاص في الملاعب.. “تجاوزات” و إنتحال صفة الضابطة القضائية!

مرة أخرى، ينجح المغرب في تقديم صورة مشرفة من حيث التنظيم والتسويق الإعلامي والإخراج الفني للتظاهرات الرياضية الكبرى، ومرة أخرى تأبى “شركات الأمن الخاص” إلا أن تعكر صفو هذا النجاح وتحوله إلى ساحة للتوتر والارتجالية، كما حدث مؤخراً في ملعب مولاي الحسن بالرباط خلال مباراة المنتخب المغربي ونظيره الكندي.
بينما كانت السلطات الأمنية والمحلية تبذل قصارى جهدها لضمان سلاسة المرور والأمن، عاش المشجعون والإعلاميون جحيماً حقيقياً عند البوابات بسبب تعنت وعشوائية مستخدمي شركة أمن خاص، تعود ملكيتها لـ “اتحادي معروف” يستأثر بحصة الأسد من صفقات (مارشيات) الحراسة بالعاصمة. فماذا يحدث فعلاً داخل كواليس هذه الشركات؟ ومن أعطى هؤلاء “الحراس” الحق في تقمص دور رجال الأمن والدرك الملكي؟
انتحال صفة الضابطة القضائية وتجاوز القانون
الواقع المعاش في الملاعب الوطنية يكشف غولاً يتغذى على غياب الرقابة؛ حيث تحول بعض حراس الأمن الخاص إلى “أجهزة أمنية موازية” تتجاوز اختصاصاتها بشكل فج. فقد وصلت الجرأة ببعضهم إلى تفتيش المواطنين بطرق مهينة، وطلب وثائقهم الثبوتية وتفحصها، وهي صلاحيات حصرية وأصيلة لرجال الضابطة القضائية بموجب القانون.
هذا التطاول لا يقف عند حدود الجهل بالقانون، بل يمتد إلى ممارسات سلوكية عنيفة. ففي ملعب مولاي الحسن، تعرض الصحفيون – الذين يملكون اعتمادات رسمية ويسعون لأداء واجبهم المهني – لعراقيل وتعنيف مادي ولفظي من طرف مستخدمي هذه الشركة. هؤلاء الحراس، الذين يشتغل أغلبهم في ظروف هشة (12 ساعة عمل مقابل أجر زهيد يضرب عرض الحائط مدونة الشغل)، يفرغون شحنات ضغطهم وتوترهم تحت الشمس الحارقة على المواطنين والإعلاميين، مدفوعين بنرجسية “أصحاب الشركات” الذين يرون أنفسهم فوق القانون وبمنأى عن أي محاسبة بفضل نفوذهم السياسي.
فضائح تسيء لصورة المغرب المقبل على المونديال
إن هذه التجاوزات والفضائح المتكررة، وسعي البعض للتحكم في الكل وفرض منطق وميولات شخصية داخل الفضاءات الرياضية، يعيد طرح سؤال الجدوى: هل ما زال الاعتماد على شركات الحراسة الخاصة في التظاهرات الكبرى خياراً صائباً؟
المغرب مقبل على تنظيم تظاهرات عالمية من حجم كأس العالم، وصور تعنيف الإعلاميين والمواطنين واختلاق الأزمات عند المداخل لا تخدم صورة البلاد. في المقابل، أثبتت عناصر الأمن الوطني والدرك الملكي، في محطات عديدة (مثل مهرجانات موازين والتظاهرات القارية)، احترافية عالية وقدرة فائقة على تدبير الحشود بسلاسة ودون تشنج.
لقد حان الوقت للقطع مع “ريع” صفقات الأمن الخاص في الملاعب، وإعادة الأمور إلى نصابها القانوني، فالحفاظ على النظام العام وتطبيق القانون مسؤولية سيادية، وليس “بيزنس” يدار بعقليات استعلائية تسيء للوطن والمواطن.






