اقتصاد

الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس تشن حملة واسعة ضد سرقة الماء والكهرباء.. نحو تكريس الحكامة وإنهاء زمن التساهل مع الاستغلال غير القانوني للشبكات

تشهد جهة فاس-مكناس خلال الأسابيع الأخيرة دينامية ميدانية غير مسبوقة تقودها الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس في إطار حملة واسعة لمحاربة ظاهرة سرقة الماء الصالح للشرب والطاقة الكهربائية، وهي الظاهرة التي ظلت لسنوات تستنزف الموارد العمومية وتؤثر بشكل مباشر على مردودية الشبكات وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، فضلاً عن انعكاساتها المالية الخطيرة على التوازنات الاقتصادية للمؤسسة المكلفة بتدبير هذا المرفق الحيوي.

وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن الشركة الجهوية متعددة الخدمات وسعت من تدخلاتها الميدانية لتشمل مختلف أقاليم وعمالات الجهة التسعة، وذلك في إطار برنامج مراقبة وتتبع ميداني يتم تنفيذه بتنسيق وثيق مع السلطات المحلية ومصالح الدرك الملكي والأجهزة المختصة، وتحت إشراف وتتبع من السلطات الترابية التابعة لوزارة الداخلية.

وتندرج هذه العمليات ضمن رؤية جديدة تعتمدها الشركة تقوم على ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية وحماية المال العام وضمان العدالة بين مختلف المشتركين، من خلال التصدي لمختلف أشكال الاستغلال غير المشروع لشبكات الماء والكهرباء، والتي تسببت خلال السنوات الماضية في خسائر تقنية وتجارية كبيرة.

وخلال هذه الحملات الميدانية، تمكنت الفرق المختصة من رصد وتوثيق عدد من المخالفات التي تتراوح بين الربط السري وغير القانوني بشبكات الماء والكهرباء، واستعمال تجهيزات خارج الضوابط المعمول بها، وإزالة العدادات بشكل قسري، والتلاعب بوسائل القياس، وربط أسلاك مباشرة بالشبكات العمومية دون أي سند قانوني أو تعاقدي، فضلاً عن حالات استهلاك للماء والكهرباء دون التوفر على عدادات نظامية.

وقد أسفرت هذه التدخلات عن إنجاز عدد من المحاضر القانونية في حق المخالفين من طرف الضابطة القضائية التي تشارك في العملية، مع مباشرة الإجراءات المعمول بها وفق القوانين الجاري بها العمل، وذلك في إطار مقاربة لا تميز بين المخالفين وتقوم على احترام القانون وحماية حقوق المشتركين الملتزمين بأداء واجباتهم بشكل قانوني ومنتظم.

ويرى متابعون أن خطورة هذه الممارسات لا تكمن فقط في ضياع مداخيل مالية مهمة على الشركة، بل تتجاوز ذلك إلى تهديد استقرار الشبكات نفسها، حيث تؤدي عمليات الربط العشوائي والتلاعب بالعدادات إلى اختلالات تقنية متكررة وانقطاعات مفاجئة وتراجع جودة الخدمة المقدمة للمواطنين، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالسلامة العامة والتي قد تصل إلى وقوع حوادث خطيرة بسبب الاستعمال غير القانوني للشبكات الكهربائية.

وتولي الشركة الجهوية متعددة الخدمات أهمية خاصة للعالم القروي، حيث تبين أن بعض الممارسات غير القانونية المرتبطة بالتزود بالماء والكهرباء مازالت مسجلة بعدد من المناطق، سواء عبر الربط المباشر بالشبكات أو من خلال استغلال تجهيزات خارج الإطار القانوني. ولذلك تم تعزيز عمليات المراقبة والتحسيس بهذه المناطق بهدف تشجيع السكان على تسوية وضعياتهم والانخراط في المنظومة القانونية للتزود بالخدمات الأساسية.

وتؤكد الشركة أن المرحلة الحالية تختلف عن المراحل السابقة، حيث تم الانتقال من منطق تدبير الإكراهات اليومية إلى منطق التدبير الاستراتيجي طويل المدى، القائم على حماية الموارد وتحسين المردودية وتطوير البنيات التحتية وضمان استدامة الخدمات العمومية. كما تؤكد أن نجاح هذا النموذج يظل رهيناً باحترام الجميع للقواعد المنظمة للاستفادة من خدمات الماء والكهرباء.

وفي هذا الإطار، تعمل الشركة على فتح قنوات التواصل مع المرتفقين وتبسيط المساطر الإدارية وتمكين المواطنين من تسوية وضعياتهم القانونية في أفضل الظروف، مع الحرص على تقريب الخدمات من الساكنة وتجويد الاستقبال وتطوير آليات التدبير الرقمي، بما ينسجم مع التوجيهات الوطنية الرامية إلى تحديث المرافق العمومية وتحسين علاقتها بالمواطن.

لكن في المقابل، تشدد الشركة على أن الانفتاح على المرتفقين وتبسيط الخدمات لا يعني التساهل مع المخالفات أو التغاضي عن الأفعال التي تشكل اعتداءً على الشبكات العمومية وعلى حقوق باقي المشتركين. ولذلك تم تفعيل مقاربة مزدوجة تقوم على التحسيس والتوعية من جهة، وعلى الردع والزجر من جهة أخرى، بما في ذلك اللجوء إلى المساطر القانونية والقضائية كلما استدعت الضرورة ذلك.

ويؤكد مختصون في تدبير المرافق العمومية أن ظاهرة سرقة الماء والكهرباء تعد من بين أبرز التحديات التي تواجه شركات التوزيع بالمغرب وفي العديد من الدول، نظراً لما تسببه من خسائر مالية وتقنية جسيمة. كما أن استمرار هذه الممارسات ينعكس بشكل مباشر على كلفة الاستثمار وعلى قدرة المؤسسات على تطوير الشبكات وتوسيعها وتحسين جودة الخدمات.

ومن هذا المنطلق، فإن حماية شبكات الماء والكهرباء لا تعتبر مسؤولية المؤسسة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تشمل مختلف الفاعلين من سلطات محلية وأجهزة أمنية ومنتخبين ومجتمع مدني ومواطنين، باعتبار أن هذه الشبكات تمثل ملكاً عاماً ومرفقاً حيوياً يخدم ملايين المواطنين.

وتشير المعطيات المتداولة داخل القطاع إلى أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس جعلت من محاربة الاستغلال غير القانوني للشبكات أحد أبرز محاور عملها خلال المرحلة الحالية، إلى جانب مواصلة الاستثمار في تحديث البنيات التحتية وتحسين مردودية الشبكات والرفع من جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين عبر مختلف أقاليم الجهة.

وتأتي هذه الحملة أيضاً في سياق ترسيخ نموذج جديد للحكامة في تدبير المرافق العمومية، يقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية الموارد المالية للمؤسسة، وضمان المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون، بحيث لا يمكن أن يستمر بعض المشتركين في أداء واجباتهم بانتظام بينما يستفيد آخرون من الماء والكهرباء خارج أي إطار قانوني.

ومع استمرار العمليات الميدانية بمختلف مناطق الجهة، تبدو الرسالة واضحة: زمن التساهل مع سرقة الماء والكهرباء يقترب من نهايته. فالشركة الجهوية متعددة الخدمات، بتنسيق مع السلطات المحلية ومصالح الدرك الملكي وبإشراف السلطات الترابية، ماضية في تنفيذ برنامجها الرقابي إلى النهاية، من أجل حماية الشبكات العمومية وضمان استدامة الخدمات وتكريس ثقافة الاستهلاك المسؤول والالتزام بالقانون.

إن التزود بالماء والكهرباء حق أساسي للمواطنين، لكنه في المقابل حق مؤطر بالقانون والواجبات. وأي استهلاك يجب أن يتم عبر قنوات شرعية وعقود قانونية واضحة تحفظ حقوق الجميع. ولذلك فإن نجاح هذا الورش يقتضي انخراط ساكنة جهة فاس-مكناس في تسوية الوضعيات غير القانونية والتجاوب مع الشركة، بما يضمن استمرارية المرفق العمومي وتطويره وتحسين جودته لفائدة الأجيال الحالية والقادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى