اقتصاد

باعتماد لغة المكاشفة والوضوح.. الشركة الجهوية متعددة الخدمات “فاس-مكناس” تفجر أرقاماً صادمة بتاونات وتعلن عن استثمارات بـ 3 مليارات درهم

في محطة تواصلية غير مسبوقة اتسمت بالوضوح والصراحة، احتضن مقر عمالة إقليم تاونات،  الخميس 23 أبريل 2026، أشغال اللقاء التشاوري الثالث للشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس، برئاسة  الكاتب العام للعمالة، وبحضور المدير العام للشركة محمد الشاوي، إلى جانب رؤساء 47 جماعة ترابية، وبرلمانيين، ومدراء، وممثلي مختلف المصالح والفعاليات المدنية.

هذا اللقاء، الذي يندرج ضمن المحطة الثالثة من سلسلة اللقاءات التشاورية التي تنظمها الشركة، لم يكن مجرد مناسبة بروتوكولية، بل تحول إلى فضاء مؤسساتي للنقاش الجاد والمسؤول حول واقع خدمات الماء الصالح للشرب والكهرباء وتطهير السائل بإقليم تاونات، تحت شعار تحقيق “الإنصاف المجالي والاجتماعي”، في أفق إرساء نموذج تدبيري حديث يقطع مع اختلالات الماضي.

عرض استثماري طموح لسنة 2026 ورؤية إصلاحية شاملة

وقد خُصص هذا اللقاء لعرض البرنامج الاستثماري للشركة برسم سنة 2026، والذي يهدف إلى تعزيز البنيات التحتية وتحسين جودة الخدمات الأساسية، إلى جانب دراسة ومناقشة المشاريع قيد الإنجاز وتلك المرتقبة، وكذا الوقوف عند مختلف الإشكالات التي تواجه المواطنات والمواطنين بالإقليم.

وفي هذا السياق، استأثرت مداخلة المدير العام محمد الشاوي باهتمام واسع، حيث قدم عرضًا دقيقًا مدعومًا بأرقام ومعطيات وُصفت بأنها تُكشف لأول مرة، واضعًا تشخيصًا صريحًا لواقع الإقليم، ومبرزًا التحديات البنيوية التي تعيق تحقيق النجاعة في تدبير قطاعي الماء والكهرباء.

أرقام صادمة… 55% من مستحقات الكهرباء و الماء غير مستخلصة

وكشف الشاوي أن مردودية إقليم تاونات في قطاع الكهرباء و الماء تُعد الأضعف على المستوى الجهوي، حيث لا تتجاوز نسبة استخلاص الفواتير 45 في المائة، ما يعني أن 55 في المائة من المستحقات ما تزال عالقة، وهو وضع اعتبره نتيجة مباشرة لتراكمات وممارسات سابقة في التدبير.

وفي نبرة صريحة، تساءل المدير العام: “كيف يمكن ضخ استثمارات كبرى في إقليم يعاني من هذه الإشكالات البنيوية في التحصيل؟”، داعيًا الساكنة إلى التفاعل الإيجابي والانخراط في أداء المستحقات لضمان استمرارية الخدمة وتحسين جودتها.

وأكد في المقابل أن الشركة رصدت غلافًا ماليًا مهمًا يصل إلى 3 مليارات درهم كحجم استثمارات مرتقبة بالإقليم، مشددًا على أن جميع مداخيل تاونات ستبقى داخل الإقليم لإعادة استثمارها في تطوير الشبكات وتحسين الخدمات.

 وتشير المعطيات المرتبطة بتدبير الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس مكناس إلى وضعية مالية دقيقة، حيث لا تكفي المداخيل الحالية لتغطية التكاليف الأساسية المرتبطة بأداء مستحقات المستخدمين، وضمان الصيانة الدورية للشبكات، وتأمين التزود المستمر بالماء والكهرباء. ورغم الجهود المبذولة منذ أقل من سنة على اعتماد النظام الجديد لتدبير القطاع، الذي جاء في إطار القطع مع مرحلة المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، فإن نسبة الاستخلاص لم تتجاوز 45 في المائة، وهو تحسن نسبي لكنه يظل دون المستوى المطلوب لضمان التوازن المالي. في المقابل، تكشف المؤشرات أن حوالي 55 في المائة من الموارد كانت تضيع نتيجة ممارسات سابقة واختلالات بنيوية، من بينها الاستهلاك المقرون بالسرقة، ما يشكل إرثًا ثقيلاً يتطلب تظافر جهود الجميع، من مواطنين ومؤسسات، لتجاوزه. وبينما تواصل الشركة ضخ استثمارات مهمة لشراء الماء والكهرباء وضمان استمرارية الخدمة، يظل الرهان الحقيقي مرتبطًا بإرساء ثقافة المواطنة والالتزام بالأداء، وتعزيز الشفافية، وحماية المال العام كمدخل أساسي لإنجاح هذا الورش الإصلاحي وهي ذات الجهود التي تبذلها الإدارة العام للشركة بجهة فاس مكناس.

إجراءات عملية لتخفيف العبء عن المواطنين

وفي خطوة تهدف إلى تقريب الإدارة من المواطن وتعزيز الثقة، أعلن الشاوي عن حزمة من التدابير التيسيرية لفائدة الزبناء من أجل تجاوز إكراهات الماضي، من أبرزها:

  • تمكين المواطنين من الاستفادة من نظام تقسيط الديون وفق إمكانياتهم المادية؛
  • فتح المجال أمام مراجعة وتدقيق قراءات العدادات بشكل فوري عند تسجيل أي اعتراض؛
  • التأكيد بشكل واضح على عدم وجود أي زيادات في تسعيرة الماء والكهرباء، وأن الإصلاح يهدف إلى تحقيق العدالة وليس إثقال كاهل المواطنين.

كما شدد على أن إدارة الشركة تظل مفتوحة أمام جميع المرتفقين، في إطار مقاربة جديدة تقوم على القرب والشفافية والاستجابة السريعة للشكايات.

قطيعة مع “التقديرات العشوائية” وإرساء ثقافة الشفافية

ومن جهة أخرى، كشفت مداخلات فعاليات المجتمع المدني خلال اللقاء، في تصريحات لجريدة “فاس 24”، عن تحول نوعي في طريقة تدبير القطاع بعد دخول الشركة الجهوية متعددة الخدمات، حيث تم القطع مع ما وصف بـ“منطق التقدير العشوائي” الذي كان سائداً في السابق.

وأوضحت هذه الفعاليات أن بعض الممارسات السابقة كانت تعتمد على تسجيل استهلاكات تقديرية دون زيارة المنازل، إذ كان يتم الاكتفاء بالتواجد في الأسواق الأسبوعية أو المقاهي لملء القراءات الشهرية بشكل غير دقيق، ما أدى إلى تراكم الإستهلاك.

اليوم، وبفضل اعتماد نظام صارم للمراقبة والتتبع، أصبحت قراءة العدادات تتم بشكل ميداني وفعلي في مختلف المناطق، مع الحرص على ضمان دقة المعطيات وشفافيتها، وهو ما انعكس إيجابًا على ثقة المواطنين في الخدمات المقدمة.

كما نوه المتدخلون بسرعة معالجة الشكايات، مؤكدين أن الاستجابة أصبحت تتم في آجال وجيزة، في قطيعة واضحة مع بطء التفاعل الذي كان يطبع الفترات السابقة.

تحديات ميدانية معقدة… سرقة الماء والكهرباء تعرقل التنمية

ولم يغفل اللقاء التطرق إلى بعض الظواهر التي تطرح تحديات حقيقية أمام جهود الإصلاح، وفي مقدمتها سرقة التيار الكهربائي والماء، خاصة في بعض المناطق التي تعرف أنشطة فلاحية غير مهيكلة.

وفي هذا الإطار، دعت فعاليات مدنية إلى ضرورة تدخل السلطات بشكل حازم للتصدي لهذه الممارسات، التي لا تقتصر آثارها على الخسائر المالية، بل تمتد إلى الإضرار بالشبكات وتعطيل تزويد مناطق أخرى بالماء، نتيجة تخريب القنوات أو تحويلها بشكل غير قانوني.

كما تم التأكيد على أن سرقة الماء والكهرباء تُعد جريمة يعاقب عليها القانون، وتشكل عائقًا رئيسيًا أمام جذب الاستثمارات وتحقيق التنمية المنشودة بالإقليم، مع المطالبة بتعزيز فرق المراقبة وتتبع الشبكات بشكل أكثر صرامة.

إشادة بالوضوح ودعوة لتظافر الجهود

وفي ختام اللقاء، أجمع الحاضرون على الإشادة بمستوى الصراحة والوضوح الذي طبع مداخلة المدير العام محمد الشاوي، معتبرين أن “تشخيص الواقع كما هو يمثل الخطوة الأولى نحو الإصلاح الحقيقي”.

وأكد المتدخلون أن النهوض بإقليم تاونات، الذي يمتد على مساحة جغرافية شاسعة ويواجه تحديات بنيوية متعددة، يتطلب تضافر جهود جميع المتدخلين، من سلطات محلية ومنتخبين وشركة و فعاليات مدنية و مواطنين، في إطار مقاربة تشاركية مسؤولة.

وقد خلص اللقاء إلى ضرورة مواصلة هذا النوع من اللقاءات التشاورية، لما لها من دور في تعزيز التواصل، وتبادل الرؤى، وإيجاد حلول عملية للمشاكل المطروحة، بما يضمن الانتقال إلى نموذج تدبيري عصري، قائم على الشفافية والنجاعة والعدالة المجالية.

نحو مرحلة جديدة من الثقة والإصلاح

في المحصلة، شكل لقاء تاونات محطة مفصلية في مسار إصلاح خدمات الماء والكهرباء بالجهة، حيث تم وضع الأصبع على مكامن الخلل دون مواربة، مقابل تقديم التزامات واضحة باستثمارات كبرى وإجراءات عملية لتحسين الأداء.

وبين تشخيص دقيق وإرادة إصلاح معلنة، تبدو الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس عازمة على طي صفحة الماضي، وفتح أفق جديد قوامه خدمة عمومية ذات جودة، تستجيب لتطلعات الساكنة، وتؤسس لمرحلة عنوانها الثقة والمسؤولية والتنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى