سياسة

النيابة العامة تقدم “الحصيلة” و ترفع السقف: عدالة أكثر صرامة، حماية أوسع، ورسائل حازمة للفساد والجريمة

كشفت رئاسة النيابة العامة، من خلال تقريرها السنوي حول سير النيابة العامة وتنفيذ السياسة الجنائية برسم سنة 2024، عن حصيلة ثقيلة بالأرقام والدلالات، تعكس تحوّلاً متدرجاً لكن واضحاً في فلسفة التعاطي مع العدالة الجنائية، قوامه تشديد الصرامة في مواجهة الجريمة، مقابل توسيع مظلة الحماية الحقوقية، وترشيد القيود على الحرية، وتعزيز الثقة في مؤسسة القضاء.

التقرير، الذي قُدِّم باعتباره مرآة لأداء النيابات العامة عبر التراب الوطني، يؤشر ـ وفق خلاصاته ـ على مسار “إيجابي ومتوازن”، يسعى إلى إرساء عدالة فعّالة لا تُقاس فقط بعدد القضايا، بل بمدى احترام الحقوق، وحماية الفئات الهشة، وصيانة المال العام، وضمان الأمن المجتمعي.

من التوجيهات الملكية إلى عدالة القرب

وأبرزت رئاسة النيابة العامة أن هذا المسار الإصلاحي يستند إلى التوجيهات السامية لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، ويترجم التزاماً مؤسساتياً بجعل العدالة أكثر قرباً من المواطن، وأكثر انسجاماً مع قيم دولة الحق والقانون، بما يعزز مصداقية القضاء ويرسّخ سيادة القانون.

حقوق الإنسان: صفر تساهل مع سوء المعاملة

على مستوى حماية حقوق الإنسان، سجّل التقرير يقظة واضحة في التعاطي مع الادعاءات المرتبطة بسوء المعاملة أثناء إنفاذ القانون، حيث عالجت النيابات العامة 150 شكاية تتعلق بادعاء العنف و7 شكايات بشأن التعذيب، مع إصدار أوامر بإجراء 379 فحصاً طبياً، في خطوة تعكس اعتماد الشفافية والموضوعية كمنهج ثابت في البحث والتحقيق.

ولم يتوقف الأمر عند حدود التتبع القضائي، بل امتد إلى الوقاية الاستباقية، من خلال تكثيف زيارات أماكن الحرمان من الحرية. فقد أنجز قضاة النيابة العامة أزيد من 22 ألف زيارة لمراكز الحراسة النظرية، وأكثر من 1.100 زيارة للمؤسسات السجنية، إلى جانب زيارات لمؤسسات علاج الأمراض العقلية والنفسية، في أرقام تجاوزت السقف القانوني، ما يعكس حرصاً مضاعفاً على صون الكرامة الإنسانية.

الاعتقال الاحتياطي في أدنى مستوياته

وفي تحول لافت، سجلت سنة 2024 أدنى نسبة للاعتقال الاحتياطي خلال العقد الأخير، حيث لم تتجاوز 31,79 في المائة من مجموع الساكنة السجنية، البالغ عددها أكثر من 105 آلاف نزيل. وهو ما اعتبره التقرير ثمرة مقاربة شمولية اعتمدت الرصد الإحصائي، وضبط أوامر الإيداع، وتفعيل التنسيق المؤسساتي، بهدف جعل الاعتقال الاستثنائي فعلاً استثنائياً.

النساء والأطفال: تراجع مقلق هنا… وارتفاع هناك

وعلى صعيد حماية الفئات الهشة، سجل التقرير تراجعاً ملحوظاً في قضايا العنف ضد النساء، التي انخفضت من قرابة 30 ألف قضية سنة 2023 إلى أقل من 27 ألفاً خلال 2024، في مؤشر إيجابي يعكس نجاعة آليات الحماية والمتابعة.

في المقابل، دق التقرير ناقوس الخطر بخصوص قضايا العنف ضد الأطفال، التي عرفت ارتفاعاً مقلقاً، حيث سُجلت أزيد من 9.600 قضية، وتوبع فيها أكثر من 10 آلاف شخص، وكان ضحيتها قرابة 10 آلاف طفل، وهو ما يستدعي ـ حسب التقرير ـ تفعيل أوسع للتدابير البديلة وتعزيز آليات الوقاية والحماية.

الاتجار بالبشر: يقظة خاصة لجريمة عابرة للحدود

وفي ملف الاتجار بالبشر، كشفت المعطيات عن تسجيل 155 قضية خلال سنة واحدة، وهو رقم اعتبرته النيابة العامة دليلاً على ارتفاع مستوى اليقظة في مواجهة واحدة من أخطر الجرائم المنظمة، وضمان الحماية الفعلية للضحايا، انسجاماً مع التزامات المغرب الوطنية والدولية.

المال العام تحت المجهر

أما في مجال تخليق الحياة العامة، فقد واصلت رئاسة النيابة العامة تفعيل آلية الخط المباشر للتبليغ عن الرشوة، حيث تلقت سنة 2024 ما يقارب 9 آلاف مكالمة، أسفرت عن ضبط 61 حالة تلبس، أُحيلت على القضاء، وانتهى عدد منها بأحكام سالبة للحرية وغرامات مالية، في رسالة واضحة بأن محاربة الفساد لم تعد شعاراً بل ممارسة.

الجرائم المالية والإرهاب: استقرار حذر وحزم مستمر

وسجّل التقرير تراجعاً نسبياً في عدد القضايا المالية الرائجة، مقابل استقرار قضايا غسل الأموال، مع صدور أحكام بالإدانة في 85 في المائة من الملفات، ما يعكس تشدداً قضائياً في هذا النوع من الجرائم.

أما القضايا الإرهابية، فقد عرفت استقراراً نسبياً، حيث توبع 96 شخصاً في 116 قضية، في وقت تؤكد فيه النيابة العامة استمرار التعبئة لمواجهة المخاطر الأمنية وحماية النظام العام.

أرقام تعكس يقظة شاملة

وختم التقرير بعرض أرقام كبيرة تؤكد حجم العمل اليومي للنيابات العامة، من قضايا تمس الأمن والنظام العام، إلى جرائم ضد الأشخاص والأموال، وجرائم الأسرة والتزوير، في لوحة رقمية تعكس يقظة قضائية شاملة في مواجهة مختلف أنماط الجريمة.

حصيلة تُقرأ كرسالة مزدوجة: عدالة أكثر إنصافاً للمواطنين، وأشد صرامة في وجه الفساد والجريمة، في أفق ترسيخ الثقة في القضاء كركيزة أساسية لدولة القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى