قضايا

القضاء المغربي يشرع أبوابه للمعلومة: هل تنتهي حقبة “الضبابية” أمام الصحفيين بمحاكم المملكة؟

في خطوة وُصفت بـ “الثورة الهادئة” داخل أسوار المؤسسة القضائية، دخلت المنظومة القضائية المغربية عهداً جديداً من الشفافية الرقمية، عقب توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية ضمت المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئاسة النيابة العامة، ولجنة الحق في الحصول على المعلومات. هذا الانضمام الرسمي للبوابة الوطنية للحق في الحصول على المعلومات، يضع القضاء أمام اختبار حقيقي لتكريس الدستور فوق أرضية الواقع الميداني.

عبد النباوي: الانفتاح المدروس لتعزيز الثقة

اعتبر السيد محمد عبد النباوي، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن هذا الانخراط ليس مجرد إجراء إداري، بل هو “قناعة راسخة” تهدف إلى تمكين المرتفقين من الولوج إلى المعلومة كركيزة أساسية لتعزيز الثقة في العدالة. وأكد أن الهدف هو تكريس صورة مؤسسة قضائية مستقلة، منفتحة، ومسؤولة، تتبنى مبادئ الحكامة الجيدة والنزاهة والشفافية بما يخدم الصالح العام.

النيابة العامة.. من “السرية” إلى “النشر الاستباقي”

من جانبه، شدد هشام بلاوي ( رئيس  النيابة العامة) على أن هذه الاتفاقية تجسد إرادة مؤسساتية للتفاعل مع مطالب المواطنين. وأشار إلى إجراءات ملموسة تم تفعيلها تنفيذاً للقانون رقم 31.13، أبرزها:

  • اعتماد سياسة النشر الاستباقي للمعطيات القابلة للنشر.

  • تعيين نواب مختصين على مستوى النيابات العامة بمختلف المحاكم لتلقي ودراسة طلبات المعلومات والبت فيها داخل الآجال القانونية.

تساؤلات الجسم الصحفي: هل تستفيد الجهات من المعلومة بإنصاف؟

رغم التفاؤل الذي أحدثته هذه الاتفاقية، إلا أن علامات استفهام كبرى تفرض نفسها على الساحة الإعلامية. فإذا كان الهدف هو “تيسير معالجة الطلبات”، فلماذا لم يتم حتى الآن تخصيص مسلك تواصل استراتيجي وموحد يمد الإعلاميين بالمعطيات المتعلقة بـ “محاكمات الرأي العام” بشكل استباقي ومستمر؟

يعاني الصحفيون في مختلف الجهات من “تفاوت” في الحصول على المعلومة القضائية؛ حيث تظل بعض المحاكم منفتحة بينما تعتصم أخرى بالصمت، مما يفتح الباب أمام الإشاعات وتضارب الأنباء. المطلب اليوم هو تجاوز “طلبات المعلومات” الكلاسيكية نحو “قنوات تواصل مهنية” تضمن المساواة بين كافة المنابر الإعلامية في الوصول إلى الخبر اليقين، خاصة في القضايا التي تهم الرأي العام الجهوي والوطني.

بين الحق في المعلومة وسرية الأبحاث

تضع الاتفاقية إطاراً دقيقاً يوازن بين الحق الدستوري في المعلومة وبين ضرورات قانونية صارمة، مثل حماية الحياة الخاصة، والمعطيات الشخصية، وسرية الأبحاث القضائية. هذا التوازن هو “الشعرة الفاصلة” التي ستحدد مدى نجاح هذه التجربة؛ فالصحفي يحتاج إلى المعلومة ليرور، والقضاء يحتاج لحماية المسطرة لضمان العدالة.

الخلاصة: انضمام الجسم القضائي للبوابة الوطنية هو خطوة جبارة نحو “أنسنة” العلاقة بين القاضي والمرتفق والإعلامي. لكن النجاح الحقيقي يبقى رهيناً بمدى قدرة المحاكم على الانتقال من “ثقافة التحفظ” إلى “ثقافة التواصل المؤسساتي الشامل”، وفتح الآفاق أمام الصحفيين سواسية، لضمان تغطية قضائية مهنية، مسؤولة، وقائمة على معطيات دقيقة ومحينة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى